أعمدة ومقالات

حول الإلحاد و”الإسلام السياسي”

رشا عوض

هناك نغمة سائدة هذه الأيام في خطب أئمة المساجد وأحاديث العامة وبعض جمهور وسائل التواصل الاجتماعي عن “خطر الإلحاد” رغم محدودية انتشاره وعدم امتلاكه لأي سلطة سياسية أو مشروعية اجتماعية!

السؤال ما هي طبيعة الخطر الذي يشكله إلحاد بعض الأفراد؟

لم يطرح أحد هذا السؤال! فالمطلوب منا جميعا هو  أن ندق ناقوس الخطر دونما شرح لماهيته وتأثيراته المحسوسة الملموسة على البشر وسائر الأحياء والأشياء!

البعض طالبني أن أكتب مقالات أدق فيها بدوري ناقوس الخطر! وعندما سألتهم السؤال أعلاه استنكروا السؤال ولم يجيبوني!

موقفي من الإلحاد:

انا لست ملحدة وهذا تبيان كاف جدا لأنني ضد الإلحاد كموقف فكري وفلسفي، ولكن كوني مؤمنه بالله فهذا شأن ذاتي يخصني وحدي. ومن موقعي كمؤمنة لا أستشعر أدنى خطر من وجود ملحدين حولي!

الحالة الوحيدة التي تجعلني أشعر بالخطر هي أن يتكون تيار ل”الإلحاد السياسي” شبيه بتيار “الإسلام السياسي” ! ويسعى للسيطرة على الدولة ويستخدمها لإعادة صياغة المجتمع “إلحاديا” مهدرا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وعلى رأسها حرية الفكر والضمير والاعتقاد! وفارضا على “المجال العام” قضية مكانها “المجال الخاص”!

ومكمن الخطورة هنا سيكون “الاستبداد” وليس الإلحاد في حد ذاته!

يبدو أن وراء تصوير “الإلحاد” كخطر يتربص بإسلام السودانيين خاصة والإسلام عامة هو ما رشح إلى وسائل الإعلام من أنباء عن انتشار الإلحاد بين أبناء وبنات قيادات إسلاموية نافذة في نظام البشير لدرجة لجوء آبائهم للاستعانة بالمهتمين بأمر الفكر والدعوة في التنظيم الإسلاموي لحوار ومناقشة الأبناء الملحدين وإعادتهم إلى الإسلام! وبما أن الإسلامويين يختزلون الوطن والدين في ذواتهم، وبحكم امتلاكهم لوسائل الإعلام، فإنهم يحولون مشاكلهم الخاصة إلى هم عام ويستنفرون المجتمع للبحث عن حلول لها بعد ان يقنعوه  أن مشاكلهم هي مشاكله هو بالضرورة!

 بالنسبة لقيادات المشروع الإسلاموي يشكل “إلحاد الأبناء”  خطرا ماحقا وتحديا حقيقيا لهم  ليس من الناحية الدينية وإنما من الناحية السياسية، إذ ان هذا الأمر يحرجهم أمام القوانين التي كتبوها بأيديهم كالمادة 126 من القانون الجنائي الخاصة بإعدام المرتد بعد أن يستتاب لثلاثة أيام، فإذا تاب وعاد للإسلام يسجن لخمسة سنوات تعزيرا “حتى لا يفكر في الردة مرة أخرى”!! وهذه المادة  لم يجرؤ النظام على تطبيقها حتى على من “ارتدوا” وتمسكوا بردتهم من المواطنين العاديين أمثال مريم يحيى والبارون، ناهيك عن أبنائهم وبناتهم! والسبب هو  الخوف من المجتمع الدولي! أي لأسباب سياسية! مما ينسف أساس مشروعهم الذي يطرح نفسه كجزء لا يتجزأ من الدين، وكحامي “لشرع الله” ولكنه عند المحكات السياسية يدوس بحذائه القوانين التي يسميها “شرع الله”! ويكفر ويجرم الآخرين بسبب رفضهم لها! وأحيانا يقطع رقابهم أو أرزاقهم  بسبب معارضتها! وهذه مجرد عينة صغيرة من تناقضاتهم الكبرى التي جعلتهم نموذجا جسد تجسيدا حيا لقرابة الثلاثين عاما استغلال الدين في السياسة.

وربما يكون أحد أسباب كفر الأبناء بالدين هو ما شاهدوه بأم أعينهم من تسخير الدين لحيازة المصالح الدنيوية المحضة بشراهة وتكالب وتهافت، فهم – بحكم قربهم من مسرح الجريمة والتصاقهم بأبطالها – أقدر من غيرهم على كشف “التفاصيل الصادمة” في الانحطاط الأخلاقي والقيمي للمشروع الإسلاموي السوداني الحاكم.  

الإلحاد والحياة العامة   

حالة الخوف التلقائي التي تعتري كثيرا من المسلمين والمتدينين عموما  عندما يواجهون وجها لوجه معتقدات وأفكار مختلفة جذريا مع معتقداتهم، تثير تساؤلات حول مدى الإيمان بالتعددية والاستعداد لقبول نتائجها ودفع استحقاقاتها العملية في واقعنا  وعلى رأسها التعايش السلمي مع كل المختلفين واحترام حقهم في الاختيار. فعندما تثار قضية الإلحاد مثلا تستخدم لغة استنفار وحشد للمجتمع ليواجه خطرا كبيرا يتربص به! وطبعا هناك من لا يتردد في الاستنجاد بالسلطة لمساعدته في درء هذا الخطر! ومن هنا تبدأ المشكلة!

في مجتمعاتنا المتناحرة على أسس دينية وإثنية، الموبوءة بكل أسباب التخلف، الرازحة تحت الاستبداد المستوطن منذ قرون، التي يتقاتل فيها أبناء الدين الواحد ويرتكبون في حق بعضهم البعض أبشع المجازر، يجب ان يكون شغلنا الشاغل هو كيفية تأسيس وإدارة المجال العام (السياسي والاقتصادي والقانوني ) على قاعدة التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان في سياق عقلاني ، مستقل تماما عن هيمنة الأديان، بهدف تحقيق التعايش السلمي  بين المؤمنين والملحدين واللادينيين، وبين الطوائف والمذاهب المختلفة داخل الدين الواحد، وبين الآراء المختلفة داخل كل طائفة وكل مذهب!

  والفرضية المؤسسة لهذا السياق هي أن المجال العام يملكه شركاء متعددون دينيا (ولا دينيا) وإثنيا وفكريا وسياسيا وثقافيا، ولكنهم رغم هذه التعددية والاختلافات الباقية ما بقيت الحياة متساوون في “حقوق الملكية” للمجال العام ، لأنهم بشر متساوون في حق “الكرامة الإنسانية” وما تستتبعه من حقوق متساوية في السلام والأمن والرفاه المادي في ظل “الدولة الوطنية” الحديثة التي تشكل وحدة تكوين النظام العالمي المعاصر، والتي  تتحدد حقوق وواجبات مواطنيها على أساس مواطنتهم.

 وتأسيسا على كل ذلك،  لا بد من التداول في شأن “الفضاء المدني” المملوك لجميع المواطنين، بلغة ومنطق مفهوم للجميع، وانطلاقا من ذلك يدار الفضاء العام على أسس علمية وموضوعية في متناول فهم واستيعاب “العقل العام” لجميع المواطنين  سواء كانوا مؤمنين أو ملحدين، مسيحيين أو مسلمين أو بوذيين أو هندوس.

هذا باختصار هو معنى “علمانية الدولة” باعتبار أن وظيفة الدولة هي تنظيم وإدارة “المجال العام” الذي يعتبر “فضاء مشتركا” مملوكا لمواطنين مختلفين دينيا، ولكن هناك قاسما مشتركا بينهم هو الحاجة لكيان مؤسسي ينظم اجتماعهم البشري بكفاءة، ويلبي مصالحهم وحاجاتهم الإنسانية للأمن والسلام والرفاه بنجاح، ويدير تنوعهم وتعددياتهم بعدالة ويحميهم من جميع أشكال الاضطهاد.

الإلحاد والعلمانية:

المواطن العقلاني أيا كان معتقده، لا يستشعر الخطر من مجرد وجود أشخاص ملحدين أو متدينين، ولكنه يستشعر الخطر فقط  في حالة العدوان على حرياته العامة والخاصة عبر رفض “علمانية الدولة” وتقويض أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان،  وبالضرورة تقويض السلام الاجتماعي، وتكريس واحد من خيارين: نظام استبداداي يقمع الجميع على أساس ديني أو لا ديني، أو الانحدار إلى الاحتراب الديني والطائفي لفرض هيمنة دين أو مذهب بالقوة، وهذا احتراب عبثي تعذبت بسببه البشرية تاريخيا ولم تنجو منه بشكل حاسم إلا عبر تكريس “علمانية الدولة”.

وحسب السياق الاجتماعي في السودان والدول ذات الأغلبية أو الأكثرية المسلمة عموما، يجب الحذر من التشويش على “المشروع العلماني” عبر ربطه شرطيا بالإلحاد، لأن هذا الربط غير صحيح موضوعيا، فالدولة العلمانية في نسختها المعاصرة، وهي النسخة الأكثر نضجا ونجاحا، محايدة دينيا، وهذا الحياد هو ما يؤهلها لحراسة “المجال العام” من تغول أي دين، فالدولة العلمانية ليست ملحدة وليست مسلمة أو مسيحية أو متدينة بأي دين. ولكن الحقيقة التي يجب ان لا تقبل المساومة في “المشروع العلماني”  هي ان الدولة التي يطرحها تتسع للملحدين كمواطنين أصحاب حق في التعبير عن معتقداتهم شأنهم شأن المسلمين والمسيحيين وغيرهم.

ولن يقتنع التيار الرئيسي في المجتمعات المسلمة بعلمانية الدولة على هذا النحو إلا بعد النجاح في إنجاز مشروع  “للاستنارة الذاتية” في هذه المجتمعات ينقلها “نقلة تاريخية واعية” إلى العصر الحديث.

فلسفة تدين جديدة

تأسيس العلمانية في المجتمعات المسلمة لن ينجح دون إصلاح ديني يكرس فلسفة تدين جديدة  أساسها أن لكل فرد معراجه  الخاص إلى الخالق جل وعلا، في رحلة موغلة في الذاتية والفردانية تتعدد وسائلها وملامحها بتعدد الأفراد.

فإذا كان لكل إنسان بصمة مادية تميزه عن غيره من البشر، فإن التدين “بصمة روحية” تميز كل مؤمن عن غيره من المؤمنين ولكن كشف حقيقة هذه البصمة يختص به الله سبحانه وتعالى  الذي قال ” قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا. ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” .

من وجهة نظري المتواضعة ، يجب ان يكون المدخل المفتاحي “للإصلاح الديني” الإسلامي هو تأسيس فلسفة تدين جديدة قائمة على أن دائرة اشتغال الدين هي “ضمير الفرد” وان الدور الحضاري للإسلام في حياة المسلمين هو توطين القيم الأخلاقية والفضائل السلوكية في واقع حياتهم دون ضوضاء الخطابة وصخب الآيدولوجيا، هو انبعاث الصدق والأمانة والمروءة والإيثار والرفق بالأحياء والأشياء من السلوك العملي  للمسلمين كانعكاس مباشر ليقظة ضميرهم الأخلاقي، وهذا المدخل يتطلب القطيعة التامة مع فكرة أن الإسلام  دين ودولة ونظام سياسي واقتصادي واجتماعي، أي مع الأسطورة المؤسسة “للإسلام السياسي” التي حولت الإسلام إلى  رابطة سياسية بين تكتلات بشرية تطالب لنفسها بميزة تفضيلية غير مشروطة في حيازة السلطة والثروة  وفرض الوصاية على الآخرين سواء كانوا غير مسلمين أو حتى مسلمين معارضين للإسلام السياسي.

من الآثار المترتبة على تجربة حكم “الإسلام السياسي” في السودان سيادة نمطين مترابطين من التدين، هما”التدين الاستعراضي” و”التدين المتعدي”، الأول هو المبالغة في التباهي بأداء العبادات الدينية وإسراف الناس بصورة مقززة  في الحديث عن صلاتهم وصيامهم وقيامهم وحجهم وتلاوتهم للقرآن وكأنما هم يفعلون ذلك عبادة لبعضهم البعض ورغبة في حيازة الوجاهة الاجتماعية  التي باتت بفعل الخطاب السياسي والإعلامي السائد مرتبطة بمظاهر التدين،  أما القيم الأخلاقية والمعاني الإنسانية الكبرى فظلت في انحسار مستمر وفي حالة “تناسب عكسي” مع مظاهر التدين التي رغم كثافتها   ما عادت سوى قشرة شفافة ومتصدعة غير قادرة على إخفاء ما تحتها من كذب ونفاق وطمع وجشع وظلم.

أما النمط الثاني” التدين المتعدي” فهو امتداد للنمط الأول! ويتمثل في استباحة الوصاية على الآخرين باسم”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” الذي يبدأ من  الأمور الانصرافية كأزياء النساء والمستحب والمكروه من عادات الأكل والشرب والزينة وأحكام إزالة شعر الحواجب وينتهي بتفتيش ضمائر الآخرين وإصدار صكوك الإيمان والكفر! وفي هذا المجال يتبارى الجهلاء والمنافقون في إظهار خوفهم على الدين عبر ترصد الآخرين! ولكن مدعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء كانوا من الوعاظ الهواة او الأئمة الرسميين الذين يعتلون منابر المساجد لا ينهون عن المنكرات الكبيرة التي يرتكبها الكبار والتي تزلزل حياة الشعوب مثل الإبادات الجماعية والتعذيب والاغتصاب والنهب المنظم للمال العام وانتهاك حرمات القضاء ! ولا يأمرون بالعدل وصيانة حقوق الإنسان وهذا هو معروف هذا الزمان!

فهؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أشداء على الفقراء والمستضعفين في الصغائر!  ورحماء على الطغاة والمستبدين في الكبائر!

أنماط التدين المأزومة هذه جعلت المتدينين يمارسون تدينهم عبر الآخرين إما باستعراض العبادات والشعائر أمامهم وإما بالذهاب إلى أبعد من ذلك بفرض الوصاية عليهم وإصدار الأحكام بصحة إيمانهم أو كفرهم والنتيجة أمامنا: مجتمع مسكون بالزيف والنفاق، يفتقر إلى القيم الجوهرية والشروط الأخلاقية اللازمة لأي نهوض حضاري! الدين حاضر بكثافة كطقوس وخطب ومواعظ ومظاهر ولكنه غائب كبعد روحاني يكبح غلواء المادية والأنانية والقسوة في نفوس البشر.

المسلمون أضاعوا دينهم وهو فعلا في خطر ولكن ليس بسبب الإلحاد بل بسبب أنماط التدين المتخلفة.  

https://www.altaghyeer.info/ar/2018/10/25/%D9%85%D8%B9%D8%B6%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%88/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *