أعمدة ومقالات

اتفاق يا قوش

شوقي عبد العظيم

من الظلم أن نتعامى عن الحقائق، ونطلق على ما تم توقيعه يوم الخميس  في البرلمان ” ميثاق” شرف صحفي، بينما تشير الوقائع وقرائن الأحوال، على أنه “اتفاق” ، رغم التستر على طرفيه أو أحدهما على الأقل لدواعي تعلمها الأطراف المستفيدة منه.

وطرفا “اتفاق الشرف الصحفي”، هما (عدد) من رؤساء تحرير الصحف، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي يمثله مديره العام الفريق صلاح عبد الله قوش، الذي ظهر أمس، و بشكل قوي على أنه الراعي الرسمي للميثاق أو الاتفاق، للدرجة التي  لم يتمكن معها من أن يخفي أنه المستفيد الأول منه.

الإيهام بالجديد

من المهم لفت الانتباه، إلى الأجواء التي جرى فيها توقيع اتفاق الشرف الصحفي، وهي أجواء ومنذ مجيء حكومة معتز موسى تحرص فيها الحكومة والمؤتمر الوطني على حد سواء، ، بإيهام الناس بأن هنالك “جديد”، تسعى لتبنيه على كافة الأصعدة، الاقتصادية والسياسية والفكرية، ولذلك كان من الأولى أن يمتد الإيهام بالجديد، إلى الصحافة وحرية التعبير، وبالذات حال نظرنا إلى الأمر من زاوية انتخابات 2020، إضافة إلى ما تتكلفه الدولة من مشاق لضبط الصحف، وما تتسبب لها هذه المشاق من إحراج دولي متكرر، وفي تقديري ظل امتحان حرية التعبير امتحانا عسيرا على حكومة الإنقاذ منذ أن وقع انقلاب 30 يونيو، وفشلت كل محاولاتها في تجنب الإخفاق والسقوط فيه، وظل سببا لاحراجها أمام المجتمع الدولي، بعد تصنيفها باستمرار في ذيل قائمة الدول الحريصة على حرية التعبير، وفي مقدمة قائمة الحكومات المنتهكة لحرية الصحافة، غير أن الحقيقة التي يؤكدها الواقع، أن إخفاقها في امتحان حرية التعبير، لم يذهب بريحها، بل كان أحد الأسباب في استمرارها لثلاث عقود من الزمان،وهذه مسألة يطول شرحها، المهم وفي خضم محاولة الإيهام بالجديد هذه، أرادت الحكومة عبر جهاز الأمن أن تشيع بأن تعاملها في مرحلة ما قبل الانتخابات مع الصحافة سيكون بطريقة جديدة، عبر هذا الميثاق أو الاتفاق، وستترك المصادرات والحبس والمنع من الكتابة، الأمر الذي يسهم مباشرة في تخفيف الضغط عليها، ويؤمن لها وصولا مريحا للانتخابات، ويجنبها التشوهات التي يمكن أن يسببها قمع الصحافة في وجهها الجديد، الذي تحرص على أن يكون مشرقا، ونضرا، و مقبولا للناس بعد 29 سنة من الحكم .

اعتوارات الميثاق ..عفوا الاتفاق

أول اعتوارات الميثاق، والتي تجعل حجيته و إلزاميته للصحفيين والصحف في غاية الضعف والهزال، أن توقيعه كان من طرف رؤساء تحرير، وجرت العادة في الدول التي تتمتع فيها الصحافة بقدر من الحرية والاستقلالية أن يتم توقيع مواثيق الشرف الصحفي، من قبل نقابات الصحفيين، وحتى في تلك الدول، غض النظر على الجهة التي وقعته، لا يصبح الميثاق ملزما للصحفيين إلا بعد عرض بنوده قبل توقيعها على الجمعية العمومية المؤلفة من الصحفيين أنفسهم وموافقتهم عليها.

ومعلوم أن رؤساء التحرير هم صحفيين أولا وأخيرا، ورئاسة التحرير وظيفة في إدارة التحرير، وإن كانت الارفع في الإدارة التحريرية، إلا أنها لا يتم تسنمها عبر انتخابات، ولا يتمتع رئيس التحرير بأي شكل من أشكال التفويض في مثل هذه المسائل من قبل الصحفيين وإن كانوا يعملون تحت إدارته الصحفية، ناهيك عن الصحفيين جملة، وفي الحالة عدم تنوير الصحفيين بالميثاق واشراكهم فيه، يصبح رئيس التحرير هو الملزم الوحيد في الصحيفة بالميثاق أو الاتفاق، وعليه تتبعه في إصدارته وفقا لما جاء في البنود التي تعهد بها، بمعنى أن يضاعف من الرقابة الذاتية على صحيفته، وإلا اتهمه قوش بالتقصير و خرق الاتفاق، وأعاده إلى الجادة عبر الإجراءات القديمة من مصادرة واستدعاءات وبلاغات في المحاكم كما وعد وهدد صراحة.

ولفهم مستقبل الميثاق والالتزام به، سنرسم عددا من السيناريوهات الواقعية، بمعنى أن تحققها في الواقع وارد في أي لحظة، أول هذه السيناريوهات استغناء ناشر الصحيفة من خدمات رئيس التحرير، في هذه الحالة، عليه –أي رئيس التحرير- طي الميثاق وبنوده، ضمن اغراضه والذهاب به إلى بيته أو إلى سوق الله أكبر أو إلى حيث يريد الله له، وربما يعود بعدها صحفيا،  أو كاتب عمود تحت إدارة رئيس تحرير آخر، والأمثلة على ذلك بالكوم، و معلوم أن رئاسة التحرير وظيفة ليست درجة علمية تحملها معك تحت أي ظرف.

ثم سيناريو آخر فمثلا حال ترقى صحفي إلى منصب رئيس تحرير، في الفترة المقبلة، وهو لم يكن ضمن رؤساء التحرير الموقعين على الاتفاق، هل سيكون ملزما له؟، وعليه تطبيقه تيمنا بمن سبقوه على المنصب؟، الأمر لا يجدي فتيلا.

لذا كان لابد من إشراك المجتمع الصحفي بكل أطيافه، في إعداد ومناقشة الميثاق، و ليس رؤساء التحرير فقط، حتى يصبح الميثاق وثيقة رقابة ذاتية متفق عليها، ملزمة للجميع.

تعميم العمالة..مزيد من “التعلثم”

أكثر ما تألم له الصحفيون، خلال احتفال توقيع الاتفاق، طريقة حديث صلاح قوش عن عمالة الصحفيين للدول الاجنبية، والذي أصاب الصحفيين بالألم أن حديث قوش كان شديد التعميم للدرجة التي لا يسلم معها صحفي من العمالة أو محاولة استمالته واستدراجه للعمالة لو لا تدخل قوش وجهاز أمنه ومنعهم من ذلك، والمفارقة أن صلاح قوش الذي يسعى لكف الصحفيين وحصرهم محليا داخل السودان، يشهد له بأنه عراب انفتاح جهاز الأمن على العالم، فهو يعافر لأجل تحقيق السلام في جنوب السودان، ويبعث رجاله بالمساعدات لبانغي، ويرعى مفاوضات اطرافها، وتهبط طائرته أرض الصومال للإطمئنان على شبابها، ولا يستنكف الجلوس إلى السي أي أي، ولا الكي جي بي، تحقيقا للأمن في الإقليم والسودان، ثم هذا الرجل يقول للصحفيين إياكم والاتصال بالعالم، وكأنه لا يعلم أن عبارة العالم صار غرفه عبارة حقيقة لا مجاز فيها، ولا يعلم أن التحقيق الصحفي بات ينجزه عشر صحفيين في عشر دول مختلفة بتمويل من مؤسسة إعلامية واحدة أو منظمة إنسانية في أي بلد من بلدان العالم لها مصلحة في كشف الحقائق، لفائدة الأمن والإنسانية، إلا أن تصريحات قوش المعممة، لن تسهم إلا في خلق صحافة راجفة أكثر من ماهي عليه متلعثمة أكثر من تلعثمها الزائد كل صباح.

السعودية في مرمى النيران

المدهش في حديث قوش ما جاء عن المملكة العربية السعودية وسفيرها في السودان، والذي أشار فيه إلى أنهم في جهاز الأمن انقذوا الصحفيين من تجنيد السعودية لهم كعملاء لها، وقال   “الصحفيين الذين غادروا إلى المملكة العربية السعودية،عقب الزيارة إستدعيناهم واحد واحد بغرض التنبيه وقلنا لهم اعملوا حسابكم و أبلغتهم أن هذا الطريق مشروع عمالة وتجنيد”.، وها نستلف كلمة نابهة كتبها السياسي والناشط الإسلامي المعروف راشد عبد القادر على صفحته بالفيس بوك، مخاطبا فيها قوش جاء فيها ” لو صح هذا الحديث على قوش استدعاء سفير السعودية” ، نعم هذا هو الطريق الأصوب عبر وزارة الخارجية وليس الصحفيين الضحايا طالما أن الذي يسعى لاستدراجهم معلوم، وأشار راشد إلى أن الحكومة تبعث للسعودية عسكريين وضباط عظام وتختلي بهم في جبال جيزان ووديان الحديدة وتدفع لهم السعودية دولارا أخضرا ، فؤلائك أولى بالتجنيد وافيد- لو لا وطنيتهم التي تعصمهم- وليس الصحفيين الكادحين في حواري الخرطوم وازقتها، والمفارقة أن قوش ذكر ايضا الصحفيين الذين تمت دعوتهم لحفل غداء في الاتحاد الأوروبي، وتحدثوا فيه مع سفراء الاتحاد الأوروبي عن أوضاع الصحافة في السودان، ولكن وزارة الخارجية استدعت سفير الاتحاد الأوروبي و وبخته على الدعوة، ودون جهاز الأمن بلاغات ضد الصحفيين الذين اجابوا دعوة سفير الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي لم تحرك الخارجية ساكنا تجاه سفير السعودية الذي اصطحب الصحفيين فعليا إلى بلاده، ولم يدون جهاز الأمن بلاغا في مواجهتمهم في نيابة أمن الدولة كما فعل مع الأخرين ولكن اكتفى بتنبيههم . فلماذا؟

بيدكم لا بيد “قوش”

حكاية ميثاق الشرف الصحفي هذه مجربة، والمفارقة أن الميثاق السابق جرى في ظروف مشابهة لميثاق اليوم للحد البعيد، وكان ذلك في نهاية عام 2009، أي على أعتاب انتخابات 2010، وأيضا كان الالتزام به شرط من شروط رفع الرقابة على الصحف، وكانت وقتها رقابة قبلية، ومدير المخابرات محمد عطا من أشرف عليه، إلا أن ميثاق 2009 لم يصمد حتى لتقييمه، ولم يلتزم عطا وقتها بتخفيف الرقابة على الصحف، واستمر الحال على ماهو عليه، وطبعا هناك بعض الفوارق الشكلية، من بينها أن ميثاق 2009 جرى برعاية مجلس الصحافة والمطبوعات الذي كان بروفيسور علي شمو رئيسا له، وكتب الميثاق على أوراق مروسة بشعار اتحاد الصحفيين وختم بختمه، ونعود ونقول أنه كان بلا قيمة وافضى إلى تجربة بائسة.

وكذلك لم يختلف ميثاق 2018 عن ميثاق 2009، في ما يتعلق بتنفيذه، وعهد إلى آلية مكونة من مجلس الصحافة واتحاد الصحفيين وجهاز الأمن ورؤساء التحرير لتنفيذ اتفاق 2009، ولم يسمع أحد بهذه اللجنة بعد أن قابلت الرئيس البشير الذي وجه بعد لقائها برفع الرقابة القبلية على الصحف والتي حلت بعدها رقابة “بعدية” أمضى وأشد، واليوم تم الاتفاق على ” لجنة مراقبة التنفيذ”  بين صلاح قوش ورؤساء التحرير، وهي لجنة المعلومات عنها شحيحة، مهمتها بحسب ما ورد مراقبة التزام الصحف والصحفيين بالميثاق، و ستتكون من كبار الصحفيين، ولا يعلم أحد معايير” الكبران “هذا، هل بالعمر أم الخبرة أم الوظيفة، وكذلك لا يعلم أحد من هؤلاء الذين سيقبلون بمهمة رصد ومراقبة زملائهم نيابة عن جهاز الأمن، والمفارقة العجيبة أن لجنة المراقبة المكونة من كبار الصحفيين ستكون مراقبة هي نفسها من جهاز الأمن، وهذا ما قاله قوش صراحة دون مواربة حيث قال ورؤساء التحرير جلوس تحت المنصة ” لو فشلت هذه اللجنة في تنفيذ الميثاق سوف نتدخل”، وهنا يتجلى ما يريده قوش وهو أن تكون الرقابة الصحفية بيد الصحفيين أنفسهم لا بيده، حتى انتخابات 2020 كما جرى في انتخابات 2010.

اتفاق يا قوش

سنعود إلى ما ذكر آنفا، لا يتعدى الميثاق كون أنه اتفاق، وكما أشرنا آنفا، غرضه تحقيق مكاسب لجهاز الأمن قبل الصحافة وحريتها، وكذلك وضحنا آنفا، أن امتحان الحريات صعب على جهاز الأمن لكثرة الخطوط الحمراء، وتحركها السريع والكثيف صعودا وهبوطا، لذا نعلم ويعلم رؤساء التحرير ويعلم قوش أن الاتفاق لن يصمد طويلا، ويجب الإشارة إلى أن الدرس الوحيد الذي نبه له الميثاق واحتفاله أن سياسة “الإيهام بالجديد” في ما يتعلق بالصحافة وحرية التعبير لم تكن ناجحة، لأن العقل الذي صاغ الميثاق ، والتصريحات التي اعقبته أكدت أن المسألة تم استلافها من  الذهنية القديمة، ودهاليز الدولة المظلمة التي تسعى إلى إعادة الحياة للوراء، دون الالتفات إلى تطور العصر ومقتضياته.

تنبيه مهم :

هذه المادة كتبت وفق معايير ميثاق أو اتفاق الشرف الصحفي الأخير.

 

 

  

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق