خالد فضل

السودانيون من الأجيال التي وعت الحياة قبل عهد الإنقاذ لديهم بعض ذكريات عن حال وطنهم مقارنة ببلدان العالم الأخرى , أمّا سودانيو عصر الإنقاذ فليس لديهم تلك الخبرة عن حال وطنهم قُبيل هبوط الغول في أرضهم وسيطرته عليها , مما يذكره السودانيون الكبار أنّ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة في أوائل السبعينات من القرن العشرين , قبل نحو بضع وأربعين سنة من الآن , وأن تلك الدولة في ذلك التاريخ كانت تفتقر إلى كل مقومات الحياة , كانت إمارات شبه متنازعة على موارد بحرية شحيحة لا تسد الرمق , يمتهن السكان ركوب البحر (الخليج) طمعا في صيد اللؤلؤ والأحجار الكريمة , وتربية شوية جمال في الصحراء . في تلك الأوقات بالضبط كان في السودان خدمة مدنية ذات كفاءة عالية , صحيح كان نظام مايو الديكتاتوري قد تحكّم في البلد بانقلاب 1969م بقيادة الرئيس الراحل النميري عليه الرحمة , وصحيح أنّ نظام النميري قد ارتكب أكبر مذبحة سياسية ضد الحزب الشيوعي السوداني ومارس بطشا عارما بالشيوعيين السودانيين وأفقد الوطن نفرا من أعظم القيادات الوطنية والفكرية والنقابية التي لم تُسد مكانها حتى الآن , ومن مثل عبدالخالق والشفيع وجوزيف ! رغم هذا كان في السودان بقايا دولة . أذكر أنّ صهري الحاج جلال الدين المنصور حكى لي واقعة من أوائل السبعينات , عندما زار الشيخ زايد السودان وذهب في رحلة صيد إلى نواحي الدندر , اصطحب معه  كبرتكول , السيد كودي الدومة يرحمه الله , وكان الدومة هو الضابط الإداري في المنطقة , ويمثل أعلى سلطة إدارية فيها , بعد انتهاء الزيارة قام الشيخ زايد بمنح السيد الدومة مبلغا كبيرا بحساب تلك الأيام (100)جنيه سوداني , ربما كانت تعادل 5أضعاف راتبه الشهري والله أعلم , عاد الضابط الإداري إلى مكتبه ثم جمع كبار الموظفين قائلا (لقد دفع لي شيخ العرب هذا مبلغ 100ج هدية , لكن ما أظنه كان سيفعل ذلك من أجل (عنقرة) كودي دي  ؛ بل للمنصب الذي اشغله , عليه تعتبر هذه الهدية خاصة بالمنصب وليس بالشخص الذي يشغله , وسيتم تحويلها فورا لمنفعة عامة , كانت هي تسوير نادي الموظفين بالمدينة !!!!!!!!!

من مثل كودي الدومة الآن ؟ وهل تعرف الأجيال التي وعت الدنيا تحت حكم الإنقاذ منصبا عاما بهذا الاسم ؟ يعرفون فقط المعتمد بحلقومه الكبير تهليلا وتكبيرا كلما حلّت بهم نازلة ؛ وعهدهم كله نوازل ؛ أخفّها زيارة الوالي أو الرئيس وما تتطلبه من جبايات للقروش من الأطفال مستأجري الدرداقات من المحلية وستات الشاي في طرف الشارع , لزوم كفاية الضيوف العظام ووفدهم المهيب غير هذا ( ما شفنا زول سكّت جهال ما شفنا زول رضّع بهم) والحداء للجميل الراحل عمر الطيب الدوش طيّب الله ثراه.

والكلاسيكو السوداني مباراة المريخ والهلال التي جرت مساء الجمعة بأبي ظبي في مئوية الشيخ زايد عليه الرحمة , كانت فرصة أكبر بكتير من مباراة في الميدان , الإمارات تقدّمت كثيرا لا ينكر ذلك أحد حتى على مستوى الوعي والاستنارة , لذلك لا أجد تبريرا لحادثة انهاء خدمة الدرامي السوداني والإنسان الفنان الرشيد أحمد عيسى بسبب محادثة هاتفية مع فنّان قطري , اشعر أنّ تلك الحادثة تدلّ على سلوك بدائي , وعنجهية مفرطة فوق ما تحمله من دلالات سياسية تؤشر إلى عمق وحدة الخصومة بين شيوخ وأمراء البلدين , وأكاد أجزم أنّ ما قدمه الأستاذ الرشيد من جهد وعمل ثقافي في مدة عمله هناك لا يُقدّر  بثمن , والواقعة خصم كبير على سمعة الإمارات لدى السودانيين عموما , وبفقده فقدت الإمارات أحد أعمدة نهضتها من الكفاءات والخبرات والمواهب السودانية  النادرة , وإذا كان الفضل في تخطيط أبو ظبي يعود للمهندس السوداني كمال حمزة فإنّ الوجود السوداني المتميّز في مختلف مناحي الحياة قد أسهم في تأسيس نهضة ذلك البلد دون شك , وهنا نعود لواقع حالنا المزري . ما السبب في تخلّف بلادنا وبلوغها إلى مرحلة الحضيض فيما كل الدنيا تتقدّم ويسهم السودانيون في تطور ونهضة بلدان أخرى ؟

الإجابة في تقديري هي سؤ وفساد نظام الحكم الإنقاذي بصورة لا تصلح معها أي محاولات إصلاح وترقيع , ماكينة معطوبة تماما لا تستجيب لأي محاولة اصلاح , ومريض توقفت كلّ أعضاء جسده عن العمل ويعيش بالأجهزة الإصطناعية في غرفة العناية المكثّفة , لحظة نزع الأجهزة هي ذاتها لحة مفارقته الحياة . وأجهزة القمع العاري تحرس مصالح منتسبيها الخاصة لفترة ولكنها حتما لن تدوم تلك الحراسة  , طوفان الشعب أقوى , ولا ييأسن أحد من قدرات الشعب , أبدا الشعوب لا تموت ولن تنطفئ فيها جذوة الغضب , كيف ومتى ؟ هذه أسئلة بحثية ربما أمّا في الحياة , فلا يستطيع أحد التكهن بها , ويكفي أنّ خالد (النعسان) الذي تمّ ايقاظه وقام بنعسته تلك بإنهاء الكلاسيكو لصالح الهلال (الفتران) في الشوط الثاني , والنعسان اسما على مسمى يلعب في فريق المريخ  ربما استيقظ الشعب (النعسان) وأحرز هدفه هذه المرة في المرمى الصحيح , مرمى فريق الإنقاذ (الهلكان)!!!!