أعمدة ومقالات

مناخ الفساد الذي أفسد المزاح

خالد فضل

   قرأت من أيام خبرا وتوضيحا له , الخبر عن حديث منسوب للبروفسير ابراهيم أحمد عمر رئيس المجلس الوطني السوداني (ما يشبه البرلمان), مفاده استخدامه للبخرات للنجاح في الإمتحانات , أمّا التوضيح الصادر منه فيعزو القول إلى مُزحة أراد بها اشاعة قدر من الفرفشة وسط الشباب الحاضرين لأنّه استعان بمنظمي الإحتفالية  بمنظمة صلاح ونسي لمرضى السرطان لمدّه بأسماء أبرز الحاضرين لزوم تحيتهم .

     في تقديري أنّ توضيح الأستاذ عمر هو التفسير  الصحيح للواقعة , ولكن هنا نطرح سؤال مهم خول مناخ الفساد الذي أفسد حتى المزاح المباح , فلم تعد فكاهة المسؤولين السياسيين تؤخذ في مجراها الطبيعي , فالأستاذ إبراهيم في الواقع كان قد درس وتخرج وأعد أطروحات دراساته العليا إلى درجة الدكتوراه في زمن قبل زمن سيطرة حزبه وجماعته على مقاليد السلطة والحكم في البلاد , واشتغل بالتدريس في جامعة الخرطوم في عهد لم يك فيه وزير التعليم العالي هو نفسه .ولذلك لم يشع في البلاد مناخ الفساد المصاحب لعهده , وهو في أول عهد الإنقلاب كان قد تولى التعليم العالي فماذا كانت المحصلة ؟  لقد كانت وسائط الإعلام والعاملين في التعليم العالي يطلقون صفة (البروف) على السيد ابراهيم , إسوة بمديري الجامعات وقتذاك أمثال البروفسير عوض أبو زيد , البروف مدثر التنقاري , التجاني حسن الأمين …إلخ , للأمانة لحظت أنّ الخطابات التي كان يمهرها الوزير بنفسه كانت تحمل توقيع د. إبراهيم أحمد عمر , مما يعني أنّه كان يعرف أنّ صفة البروف السائدة كانت مجرد (مزحة)!!وقد قاد سيادته ما عرفت بثورة التعليم العالي , كان الجو ثوريا وكل شئ لله والثورة لا للسلطة ولا للجاه . انتهت حركة التثوير العالي إلى تسوير حقيقي للتعليم العالي لدرجة تعيين شرطة (عديل كده) تجوب عرصات الجامعات وتغزو سوح النشاط وتفتّش في الضمائر قبل الحقائب . لم يكف نشاط فيالق المجاهدين الذين خُصصت لهم مكاتب في دور النشاط الطلابي , فيها يتم تنظيم المليشيات ومنها تخرج العصي والسواطير والكلاشات . هذا كله كان مزحة من مُزح البروف رئيس البرلمان حاليا !! وأكفأ العناصر في هئية التدريس الجامعي يتم كشطها من كشوفات الجامعات مثل كشط خطأ في الكتابة لمن يستخدم قلم الحبر الجاف , تلك كانت فكاهة أخرى جرت في عهد تسنّم فيه الوزير د. إبراهيم قمة هرم التعليم العالي , هو في شخصه محل تقديرنا , وأستاذيته تمنحه هذا الحق , أمّا في أدائه في الوظيفة العامة فمما يستحق التقييم والتقويم والمحاسبة على ما ارتكب في حق الوطن وشعبه من موبقات . ومسلسل الفكاهة مستمر في التعليم العالي , سألني مدير جامعة جوبا في العام 1992م , وكنت حديث تخرج فيها , أعمل متعاونا رفقة أستاذي بول دينق وثلة من أساتذتي الكرام , دخلت للمعاينة لزوم توفيق أوضاعي من متعاون إلى دائم والدائم الله , كان السؤال عن سياسات التعريب الثورية وقتذاك , أجبت بما خطر لي حينها وبما بين يدي من وقائع :ليس هناك غبار على الفكرة من حيث المبدأ لكن يجب أن تكون مدروسة ومتدرجة وخاضعة لمعايير البحث العلمي المعروفة من تجربة وتحليل وغيرها. استشهدت بواقع جامعتنا وتكوين هيئة التدريس فيها الذي يضم عددا كبيرا من الأساتذة الجنوبيين وبعضهم لا يعرف في اللغة العربية إلا القليل جدا من الكلمات ,وكذلك الطلاب .كان هذا آخر عهدي بالجامعة تناولت كوبا من الشاي وخرجت . لاحقا تمّ تنظيم كورس لغة عربية بمعهد الخرطوم الدولي للناطقين بغيرها , سيق إليه أساتذتي في جامعة جوبا زُمرا , وكانت طرفة حقيقية , عندما أقابل بروفسير جشوا أو بروف تعبان ليولونق وغيرهم وهم يتأبطون كتاب الصف الأول إبتدائي بأمله وبدره وخاء خروف , ولا يدري المرء أيضحك أم يأسى على هذه المزحة السمجة . وكانت تلك ثورة في التعليم العالي كذلك !

    لا نود أن نحرم البروفسير (الآن) إبراهيم أحمد عمر من حقه البشري في التنكيت والمزاح , لكن تبدو مزحات هذا العهد كلها محفوفة بالمنغصات , ونتذكّر قوله الفج عندما زاره نفر من كرام الحادبين على جامعة أم درمان الأهلية إبّان اشتداد أوار عنف وطغيان تنظيم الطلبة الإسلاميين الحكوميين رجوه أن يتدخل لوقف طغيان وتفلت طلاب تنظيمه الهمجي فقال قولته الشهيرة (الحشاش يملأ شبكته) .أمّا البخرات التي وردت في حديثه فلم تعد تلك الوريقات الصغيرة التي يستخدمها الطالب ليغش في الإمتحان , صارت البخرات نظام أكاديمي تتبعه الجامعات الثورية أو المثوّرة تُقرأ (مسوّرة) إذ ماذا نسمي ما عرف ب (امتحانات المجاهدين) والنجاح فيها مضمون إذ لا يجوز شرعا رسوب مجاهد , وكل من مرّ بجامعة في العالم كله يعرف امتحانات الدور الأول والدور الثاني (أي البدائل والملاحق) ولكن مُزح البروف وثورته أنجبت دورا ثالثا بزعم (الجهاد) على وقع الشعار الخالد (الجكة دي لله)! والأدهى من ذلك عرفت الجامعات المسوّرة نظام تجريم بعض المقررات الدراسية وتحريمها مثل نظرية النشؤ والتطور لداروين , ومؤلف الطيب صالح المشهور موسم الهجرة إلى الشمال , لتحل محلها مؤلفات عبدالحي يوسف ومحمد علي الجزولي , هذا مناخ فاسد لا ينجب إلاّ المكائد والنكد , وآلاف الأساتذة الجامعيين يهرعون للتعاقد مع معاهد السعودية وجامعاتها الحكومية والخاصة ويروج سوق وكالات السفر والسياحة وإستقدام عاملات المنازل  وتصدير الكفاءات ! أليس هذا فسادا أودى بقيمة الوطن في نفوس ناشئة الخريجين , أولئك الذين لا يستطيعون رسم خارطته نفسها بعد ما آل إليه من تمزيق , وعاصم عمر رهن الحبس الآن يتعرض للتعذيب وهو الأسير بين يدي السجّانين في واقع لا يمكن المرء من استحلاب ابتسامة على طرفة أو مزحة ترد على لسان مسؤول كبير شارك وما يزال في التخريب الممنهج للوطن وتعذيب الشعب .

   نعم سيدي وأستاذي البروفسير أحمد عمر , أردت التنكيت بقصة (البخرات تلك ) ولكن مع الأسف التنكيت على عهدكم صار تبكيتا , وفي كل جانب مواجع وعلى كل شبر من أرض الوطن مواجد .  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق