أعمدة ومقالات

الهبوط الاضطراري وفرية “أعداء السلام”

رشا عوض

من البداهات التي لا تحتاج إلى شرح أن السلام هو الحالة الطبيعية التي كان يعيش فيها المواطنون السودانيون جنوبا وغربا قبل أن تقرر “نخبة سياسية” بكامل إرادتها أن تسلبهم هذا السلام وتدخلهم في دوامة الحرب بحجة ان هناك حقوقا يجب انتزاعها من النظام الحاكم بالقوة.

ولكن بعد أن تلتهم طاحونة الحرب أجساد البشر وأحلامهم البسيطة وتدمر فرص نموهم وتطورهم الطبيعي لعشرات السنين، يتحول السلام الذي كان متاحا بالمجان كالماء والهواء إلى أمنية عزيزة وبعيدة المنال! يتحول إلى معجزة!

تصبح جنة النعيم التي يتطلع إليها المواطنون ليست الحرية والكرامة و التنمية والرفاه الاجتماعي والتقدم في سياق نظام ديمقراطي يكفل حقوق الإنسان! بل هي السلاااام! هي  العودة إلى الحالة التي كانوا يعيشون فيها قبل يوم واحد من اندلاع الحرب!

جنة النعيم لهؤلاء المساكين هي عودة حياتهم إلى ذلك “اليوم الذهبي”! يوم لا طائرت انتنوف تقصفهم ولا براميل متفجرة تسقط على رؤوسهم ولا دوي مدافع يفزعهم! يوم لا نزوح ولا لجوء! يوم كانوا في أرضهم ومراعيهم ! يوم كانوا هم ملاك حواكيرهم التي لم يخطر ببالهم ان يحتلها غرباء ! يوم كان الأطفال يركضون دونما خوف من لغم ينفجر فتتناثر أشلاؤهم الصغيرة! (ثمن اللغم 20 دولار! وتكلفة نزعه 1500 دولار)!!

من أهم”إنجازات الحرب” أنها حولت ذلك “اليوم العادي جدا” إلى “يوم ذهبي”!!

تفاصيل كيفية العودة إلى ذلك “اليوم الذهبي” ممثلة في وقف إطلاق النار وإغاثة المنكوبين والترتيبات الأمنية وعودة النازحين واللاجئين والوعود الحكومية بصرف سخي على “فوائد ما بعد النضال” لثوار الغفلة  تتصدر أجندة المفاوضات! لأن اسمها  “مفاوضات  سلام”! لا مفاوضات الحرية والكرامة والتنمية والتحول الديمقراطي أو “مفاوضات إعادة هيكلة الدولة”!

سوف يعود المواطنون المنكوبون إلى ذلك “اليوم الذهبي” بعد أن فقدوا أرواحا عزيزة بعشرات أو مئات الآلاف وتجرعوا معاناة الحرب ومذلة الجوع والتشرد، سيعودون وجراح الحرب تنهش أجسادهم وأرواحهم وكرامتهم! ويعود بعضهم معاقا مبتور اليد أو الرجل أو فاقدا للعقل، وبعضهم سيعود إلى أرضه ويجدها محتلة من قبل مستوطنين أتت بهم الحكومة من خارج الحدود!

المنطق الأخلاقي يحتم على قادة الحركات المسلحة ان يشاركوا من أشعلوا الحرب باسم تحريرهم وتحقيق كرامتهم – أي يشاركوا المواطنين”المهمشين”- في العودة إلى “اليوم الذهبي”! فكما سيعود المهمشون بعد مأساة الحرب إلى حالة أسوأ من التي كانوا عليها قبل الحرب، يجب أن يعود قادة الحركات المسلحة بعد “توقيع السلام” إلى “حالة سياسية” أسوأ من الحالة التي كانوا عليها قبل الحرب! كما عاد المواطنون إلى “اليوم الذهبي” مثقلين بآثار الحرب فيجب أن يعود “قادة الحركات المسلحة” مثقلين بأوزار المسؤولية عن إشعال الحرب! ولا منطق ولا أخلاق في أن يعودوا إلى الساحة أبطالا للسلام! فالسلام لا يحتاج إلى ابطال!

الأبطال هم من ينجزون التغيير الجذري الإيجابي لشعوبهم سلما أو حربا!لا من تكون حصيلة حروبهم مناصب يتولونها وثروات يحوزونها محاصصة مع النظام الذي أشعلوا حروبهم ضده تحت دعاوى إسقاطه إسقاطا يتعداه ليشمل “دولة الجلابة” المسيطرة على السودان منذ استقلاله!  

ليس بطلا من إذا استقل بإقليمه وانفرد بالتحكم في شعبه أذاقه من الويلات ما لم تذقه له “دولة الجلابة” نفسها! كما حدث بجنوب السودان!

ليس بطلا من كانت ثمرة “ثورته” هي “ثروته” المنهوبة من مال المهمشين” و”سلطته الغاشمة عليهم”!

ليس بطلا من أغمد سيفه مقابل سمك في ماء أو عصافير على الشجرة! وما نصوص الحقوق والحريات في اتفاقيات السلام مع “المؤتمر الوطني” إلا مثل ذاك السمك وتلك العصافير أو أضل سبيلا!

إذا لم تحقق “اتفاقيات السلام” الإطاحة بالبشير وتصفية نظامه وإقامة نظام بديل على قاعدة الأهداف المعلنة للعمل المسلح وانتهى الأمر إلى محاصصات قسمة السلطة والثروة فلا مكان لقادة الحركات المسلحة إلا في “قفص الاتهام الوطني” بجوار “عصابة البشير” .

ما يجري في الساحة الآن هو استعدادات “للهبوط الاضطراري” بعد أن فشل مشروع “الهبوط الناعم” وهو مشروع دولي للضغط على النظام لإبرام اتفاقيات سلام وإجراء حزمة إصلاحات بموجبها يعلن البشير عدم ترشحه لانتخابات 2020 والهدف النهائي لهذا المشروع هو الحفاظ على النظام القائم لخدمة مصالح أمريكية وأوروبية المعلن منها هو مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية ، والإصلاحات المطلوبة من النظام أمريكيا وأوروبيا هدفها الحفاظ عليه وحمايته من الانهيار وكذلك إرضاء الرأي العام المدني والحقوقي في تلك البلدان.

كان يمكن أن تتسلل المعارضة السودانية المدنية والمسلحة بذكاء من ثغرة “الهبوط الناعم” وتوظفها لخدمة الأجندة السودانية عبر تكثيف الضغوط على  النظام بمختلف وسائل المقاومة المنتجة والمؤثرة حتى يقتنع المجتمع الدولي أن لا استقرار لهذا النظام بدون تنازلات الحد الأدنى وهي “الهبوط الناعم”

الذي حدث أن المعارضة ممثلة في “نداء السودان” ظنت أن محطات “الهبوط الناعم” تبدأ من باريس وبرلين وأديس أبابا وتنتهي بالخرطوم! في حين ان المحطة الأولى هي إنجاز ال home work  في الخرطوم!

غياب الفعل والفاعلية في تعديل ميزان القوى الداخلي ظل هو القاسم المشترك الأعظم بين المعارضة المدنية والمسلحة في السودان، الأحزاب التي تدعي أن جماهيرها بالملايين تعجز عن إخراج بضعة آلاف من هذه الملايين إلى الشوارع،  والحركات المسلحة في دارفور تراجعت عسكريا وفقدت تعاطف قاعدتها الاجتماعية  وتعاطف المجتمع الدولي بشكل كبير، وأصبحت مهددة بسيف العقوبات من مجلس الأمن نظرا لانخراط فصائلها في أعمال الارتزاق والاتجار بالبشر في ليبيا، و”الحركة الشعبية” قبل وبعد الانقسام، حالها يغني عن سؤالها: تراجع عسكري وسياسي، أزمات إنسانية طاحنة، هجرة من ما يسمى”المناطق المحررة” إلى مناطق سيطرة الحكومة، وبعد ان أصبح سلفا كير وعمر البشير اخوة متحابين في ملة “الاستبداد والفساد” انسد الأفق أمام اي فرصة لاستخدام الكرت العسكري في الضغط على النظام لأن لا منفذ لمناطق الحركة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق سوى جنوب السودان الذي عقد صفقة مع نظام الخرطوم يكف بموجبها عن دعم الحركة الشعبية مقابل ان يكف نظام الخرطوم عن دعم رياك مشار.

أمام هذا الواقع مات مشروع “الهبوط الناعم” لأن كل تحالفات المعارضة فشلت في دفع استحقاقاته التي هي من جنس استحقاقات “إسقاط النظام” أي مقاومة منتجة ميدانها الخرطوم!

ولذلك أصبح الخيار المطروح الآن أمام الحركات المسلحة هو “الهبوط الاضطراري”!

الوقوف أمام هذه الحقائق المرة يجب ان لا يكون بعقلية “تبريرية” أو “اعتذارية” بل إن هذا الوضع البائس يستوجب طرح التساؤلات التاريخية حول أسباب فشل الحركة السياسية المعاصرة بشقيها المدني والمسلح في العبور بالسودان إلى “النظام السياسي البديل” الذي يحقق السلام المستدام على قاعدة الديمقراطية وحقوق الإنسان والبرامج الاقتصادية والتنموية والثقافية التي تحقق التوازن والعدالة في الدولة السودانية.

لفتح صفحة جديدة وصحيحة في تاريخ السودان لا بد من تصفية الحساب بأمانة وموضوعية مع مشاريع  كل من ” الإسلام السياسي”، و” الحركات المسلحة”، و” الدكتاتوريات العسكرية” و”الأحزاب التقليدية” ماهي مساهمة كل منهم في الانحطاط بالسودان إلى الوضع الراهن؟

يستحيل ان يحقق “الهبوط الاضطراري” ما فشلت فيه نيفاشا(اتفاقية السلام الشامل عام 2005)، ولذلك يجب ان يكون هذا “الهبوط” هو نهاية عهد النادي السياسي القديم الذي انضمت إليه بجدارة “الحركات المسلحة”.

“الهبوط الاضطراري” يجب ان ينزع المشروعية السياسية أمام الشعب لا أن يمنحها! يجب ان يحيل قادة الحركات المسلحة إلى “محاكمة” صارمة أمام الرأي العام سؤالها المركزي لماذا أشعلتم الحرب أصلا؟ ولماذا صالحتم البشير وهو طيلة سنوات حربكم ضده لم يتغير إلا إلى الأسوأ ! فالبشير 2018 أسوأ منه في 2011 !

ولماذا يثق الشعب في قيادات  ساقته إلى الحروب بحثا عن الحقوق والعدالة فعانق السراب! وساقته إلى اتفاقيات السلام  فعانق الحرب تارة اخرى! وفي اوقات السلام  القصيرة ظل الشعب في فقره وجوعه وعانقت قياداته المناصب والثروات الطائلة!

المعارضة إذا أرادت أن يتوحد الشعب حولها لا بد ان تقودها قيادات مقنعة إن لم تكن ملهمة! فما الذي يجعل الشعب يثق في قيادات أشعلت الحروب لإسقاط النظام فانهزمت عسكريا فانتقلت إلى “الهبوط الناعم” الذي فشلت فيه هو الآخر فهبطت منه إلى “الهبوط الاضطراري”! 

وما الذي يجعل الشعب واثقا من ان الذين فشلوا في الحرب وهي ميدان خبرتهم ومعرفتهم سوف ينجحون في قيادة العمل بالوسائل السلمية مع العلم ان هذه الفرصة – أي تطوير تجربة في العمل السياسي السلمي – أتيحت لهم بعدنيفاشا وابوجا بشروط أفضل بما لا يقاس من الشروط المعروضة الآن وفي ظروف مواتية تماما ومع ذلك فشلوا فشلا ذريعا!

في البلاد ذات التقاليد الديمقراطية يبادر القادة بالاستقالة في حالة خسرانهم لأي رهان استراتيجي، مثلا عندما صوت البرطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبي استقال ديفد كمرون لأنه كان يراهن على البقاء فيه! وعندما صوت الاسكتلنديون للبقاء ضمن المملكة المتحدة تقدم أليكس ساموند زعيم الاستقلاليين باستقالته من رئاسة الحزب والحكومة.

   لن تخطو بلادنا خطوة واحدة إلى الأمام دون ان تتقن القوى الحية في الشعب السوداني محاصرة كل الساسة بالأسئلة الأخلاقية  التي يتهربون منها، وتوطين فكرة “السياسة الخادمة” بدلا من “السياسة المخدومة” وانطلاقا من ذلك تتأسس  ثقافة المساءلة الجادة لكل من تصدى للقيادة وفق معيار ماذا ربح الشعب وماذا خسر؟ لا معيار ماذا استفاد الزعيم!

ومن يسعون لتكريس هذه  العقلية النقدية ومن ثم تحصين الرأي العام من الاستغفال والاستهبال السياسي من شاكلة أن من ينتقدون قادة “الهبوط الاضطراري” يصبحون بقدرة قادر هم أعداء السلام!

إن أعداء السلام  الحقيقيون هم من يقمعون “السؤال الفكري والأخلاقي” حول إخفاقاتهم التي يدفع ثمنها الأبرياء دما ودموعا، ومن أمثلتها الحروب التي يشعلونها من أجل اسقاط النظام فتنتهي إلى “هبوط اضطراري” يريدون من ضحايا الحروب وكل الشعب ان يستقبله بالتصفيق ويرشقهم بالورود والرياحين لدى عودتهم الخائبة! في حين ان كل الشعب وفي مقدمته ضحايا الحروب يجب ان يرفع في وجوههم ووجه النظام الحاكم لافتة مكتوب عليها بالخط العريض ما قاله أحمد مطر:

نحن لا نسألكم إلا الرحيلا

ورغم كل القباحات التي خلفتموها

سوف لن ننسى لكم هذا الجميلا

 

   

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى