أعمدة ومقالات

دعاة التغيير والنقد المستقيم

خالد فضل

   آن الأوان لفحص كثير من المسلمات السابقة في الحياة العامة , مثل تصوّر أنّ هناك وقت مناسب وآخر غير مناسب لتوجيه النقد حتى  باستقامة لمنظومات وكيانات تناضل ضد سلطة القمع والقهر الحاكمة في السودان باعتبار المعركة الحقيقية وكل الطاقات يجب أن توجه ضد الخصم المشترك . هذه الفكرة ليست صائبة على اطلاقها , النقد لابد أن يكون مصاحبا لأي نشاط نضالي  موجه ضد الإستبداد مدنيا أكان هذا النضال أو مسلّحا , في الواقع تحتاج قوى التغيير إلى النقد أكثر من قوى البطش لسبب بسيط هو أنّ من يتصدى لمهام التغيير يجب أن يقدّم نموذجا مغايرا بدرجة 180درجةعن نموذج قوى البطش , والا تساوت لدى الجمهور المستهدف القوتان ؛ القامعة والمناضلة ضد القمع  .

   الإسبوع الفائت تابعت هجوما إعلاميا متبادلا بين قيادة الحركة الشعبية /شمال الجناح الذي يرأسه القائد مالك عقار إير , وموقع صحيفة التغيير الذي تتولى رئاسة تحريره الزميلة رشا عوض . سبب التراشق عبر الوسائط الإلكترونية هو الخبر الذي أوردته الصحيفة مسندا إلى  مصادرها في جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان , عن لقاء جمع القائدين عقار وعرمان مع مساعد الرئيس البشير د. فيصل حسن ابراهيم بترتيب من الفريق سلفاكير ميارديت رئيس جمهورية جنوب السودان ؛ وكان الأخير قد قدّم طرحا لوساطة تسهم في حل معضلة الحرب السودانية في الجنوب السوداني الجديد , وقد قبلت حكومة البشير العرض حسبما أذيع من جانبها. مثلما قبلته قوى المعارضة في الجبهة الثورية وبعض قوى نداء السودان إلى هنا تبدو الوقائع متناسقة مع فحوى الخبر , ولعل القارئ بمفرده يمكنه الربط بين خبر الوساطة ولقاء جوبا الذي نشرته الصحيفة , ولا أرى سببا لهجوم الرفيق مبارك أردول الناطق الرسمي للحركة الشعبية الجناح المشار إليه أعلاه , أو كيل الإتهامات بالتضليل وعدم المهنية واستخدام التساؤل التجريمي لمصلحة من ؟  مثلما لا أرى موجبا لبعض الإشارات ذات الطابع التهكمي والتجريمي في رد الصحيفة مثل قبعات الثوار وأحذيتهم .

   واقع الأمر أنّ كلا الطرفين في خندق النضال ضد الباطل والسعي لإحقاق الحق للشعب السوداني , وهذه الوضعية لا تمنحهما صك براءة أو تحميهما من النقد المستقيم في أي زمان ..فالمهنية التي وردت في بيان الرفيق أردول تتطلّب بالفعل الإتصال مباشرة بالطرف المعني بالخبر حتى إن كان له موقف مسبق مع الصحيفة , ولعل الزميلة رشا تذكر أنّها قد عبرت مساحات واسعة تفصل بين الطيب مصطفى وطيبة الذكر (صحيفة أجراس الحرية )لتجري معه لقاء ساخنا طرح فيه ما أراد قوله عبر منبر مصنّف بالضد لما يطرحه , فأجراس الحرية كانت تدعو لبناء سودان ديمقراطي حر على أسس التعددية والمساواة واحترام حقوق الإنسان فيما كان الطيب ومنبره وصحيفته ضد تلك القيم النبيلة . فإذا كانت التغيير وفي خبر مهم مثل الذي أورته لم ترجع للجهة المعنية باللقاء يكون هذا خطأ مهني دون شك , التحجج بموقف ياسر عرمان الشخصي لا يعني شيئا في هذه الحالة , أماّ إذا حاولت الصحيفة الإتصال ووجدت الرفض أو عدم الرد أو عدم التمكّن من الإتصال لسبب تقني مثلا فكان عليها ختم الخبر بهذه الجزئية تمشيا مع رصانة ومهنية الصحيفة التي لا ينكرها  إلا مكابر .  

   نعود بعد ذلك لمسألة النقد الذي يجب أن يكون مصاحبا لمشاق النضال ضد نظام حكم تجاوز كل الخطوط الحمراء لدى الحكومات , نظام بلغت جرائمه الموثقة جرائم حرب وإبادة وتطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية حسبما هو وارد في صحيفة إتهام البشير وأحمد هرون وعلي كوشيب في المحكمة الجنائية الدولية , ليس للنظام حرمات للنفس البشرية التي تم ويتم إزهاقها بكل بساطة في مظاهرة جماهيرية ضد الغلاء في شوارع الخرطوم أو في ساحات الجامعات بل حتى في صحن البيوت كما حدث لعوضية عجبنا , أمّا في أقبية الزنازين وبيوت الأشباح فالأمر أفدح . نظام بهذه الوضعية الإجرامية ينبغي أن يواجه بحزم وجدية , فهل توفرت في قوى المعارضة هذه الصفات للمواجهة ؟وأدنى درجات الجدية في منازلة النظام يمثلها التجرد ونكران الذات ووحدة صفوف المعارضة , فما هو النجاح الذي أصابه رفقاء السلاح ناهيك عن حلفاء السياسة , وإنّي لأعجب كيف يهون دم الرفاق على بعضهم البعض حد الإراقة ؟ كيف ينسى المناضل رفقة الخنادق , دوي الدانات , قصف الأنتينوف , البرد وزمهرير الشتاء ولياليه القاسية , الوحل والمطر وليل البلل الطويل , نهارات الصيف الغائظة , هل ينسى عبدالعزيز الحلو معاناة عرمان أيجحد عرمان ويلات رمضان والحلو وما واجهاه في سبيل بناء السودان الجديد ؟ أينكر عقار نضال الرفيق الراحل ياسر جعفر أيبخس الرفاق في الجبال عذابات منعم رحمة . والمشروع العظيم اليتيم أين هو الآن ,أ في أجندة سلفاكير وهو يمارس في قبضته ضد باقان وألور وماما ربيكا ؟ أم في حقائب رياك وأكول وهما في حضن قوش ؟ هذه مأساة حقيقية للأفراد الذين كانوا قادة عظام رفعوا طموحات الشعب إلى سقوفات عالية من التطلع للمستقبل بعدما عاش الشعب في كنف التخلف لعقود وعقود , وكان الإستفتاء الأكبر للحركة الشعبية تحديدا يوم وصل الراحل د. جون قرنق إلى الخرطوم , لم يك يوما عاديا بكل حسابات التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا , وكانت طلته محفوفا بالرفاق في الساحة الخضراء مولدا لآمال عظيمة امتلأت بها جوانح ملايين السودانيين في كل أرجاء الوطن الكبير وكان الوعد بمشروع بناء السودان على أسسه الحقيقية في سمت تعدديته الغراء , وملامحه المتنوعة وصلا لماض عريق ونقلا للمدنية إلى الريف , أين تلك اللحظات الآن , والإعلام يضطر لإضافة لاحقة لاسم الحركة الشعبية _عقار/عرمان , الحلو , مثلها في الجنوب الحبيب سلفاكير , مشار , باقان ,…إلخ . ذات ما انسحب على ثوار دارفور أولئك الذين حملوا هموم أهلهم وحقوقهم العادية في التنمية وعدالة الدولة , فانتهوا إلى 47فريقا متناحرا تحت رايات قبيلتي وقبيلتك , وخشم بيتنا وبيتكم , مثلما آل بعض الثوار إلى لواحق غير جديرة بالإحترام وزوائد في محاصصة الحقائب المهترئة في سلطة الخرطوم ليترك أمر حماية الأهل في معسكرات النزوح للجنجويد !!

 هل تراني مثاليا غير مدرك للمتغيرات , تلك الفرية الرائجة , وهل كان ميلاد الثورات ومطالبها روشتة اقليمية أو دولية , هل بناء السودان الجديد فعلا أوربيا أو انتاجا أمريكيا ؟ ما الذي يشير عمليا إلى توبة النظام من ارتكاب الآثام وبدء صفحة جديدة للتعافي والمصارحة والمصالحة .وهو ذات النظام الذي يسيطر أمنيا على الإعلام , الجامعات , المساجد,النقابات,المحليات,المدارس, المصالح الحكومية , القطاع الخاص,…إلخ ولم أذكر الشرطة والأمن والقوات المسلحة والمليشيات .ولذلك لا أود الإشارة إلى الحبيب الإمام الصادق المهدي هاوي الحوارات مع المؤتمر الوطني مهما كانت النتائج , سلخ مبارك ونهار ومسار أو إلحاق عبدالرحمن والبشرى , مسح الجزيرة أبا أو تدمير دارفور , سجنه وحبسه بإشارة من حميدتي أو غضبة من المشير , الصادق الوحيد تقريبا الباقي على قيد الحياة والحيوية (ما شالله)من أبناء جيله السياسي خبير بدهاليز السلطة عليم بخباياها أكثر مني ومنّك , وفي كل مرّة يحدثنا عن المتغيرات واصطياد الفئران ربما ينوي هذه المرة اصطياد (قط سمين) فغابة الخرطوم ملأى بألوان الكدايس خرجتها من مصحفي !!هذه حال المعارضة أو للدقة قياداتها التاريخية , سجلوا تضحياتهم ونضالاتهم في دفاتر أحوال التاريخ السوداني نقطة سطر جديد سجلوا اخفاقاتهم وضعفهم في ذات السجل العظيم , هم بشر على كل حال ولهم قدر محدود من الطاقات لا نود تفويتهم حد المرونة فيحلجوا , ومثلهم لنا في منابر الإعلام والصحافة ما عليهم من منجز واخفاق فهلا تواضعنا جميعا لنلمّ شعث ما تبقى من قوانا نرفد بها حركة التاريخ في الإتجاه الصحيح هلا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى