محجوب محمد صالح

احتفت دوائر الحكومة في الخرطوم بما اعتبرته التقدم الذي أُحرز في مجال تطبيع العلاقات السودانية الأميركية خلال الاجتماع الذي ضم الدكتور الدرديري محمد أحمد وزير الخارجية السوداني بالمستر جون سوليفان نائب وزير الخارجية الأميركية، وعبّر كثير من المسؤولين عن سعادتهم بما اعتبروه وعداً أميركياً برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والبعض أسرف في التفاؤل حينما تصور أن القرار قد يصدر خلال أسبوع أو أسبوعين. ولعل رئيس الجمهورية قد وجد نفسه مطالباً بأن يذكّر الذين أسرفوا في التفاؤل بشأن نتائج هذه الاتصالات الأولية: يذكّرهم بأن الأمر ليس بهذه السهولة، وأنهم لا ينبغي أن يرهنوا الشأن الوطني بالخارج، وذلك في خطابه الذي ألقاه في احتفالات الدفاع الشعبي بمدينة كوستي.
يبدو أن أولئك الذين أسرفوا في التفاؤل تعجّلوا في الأمر تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة، مؤملين أن يكون في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مدخلاً لمعالجة الأزمة الاقتصادية، دون أن يتمعّنوا في أبعاد الموقف الأميركي الذي طرحه المتحدث باسم الخارجية الأميركي في بيان واضح. ومثل هذا التعجل هو الذي يؤدي إلى كثير من التعقيدات وسوء الفهم في إدارة الشأن الخارجي، والبيان الأميركي رصد كل القضايا الخلافية وشرح ما تتوقعه أميركا من إجراءات من جانب السودان حتى يلبي مطالبها، التي إن تحققت مكّنتها من أن تبدأ إجراءات رفع الاسم من اللائحة.
البيان صيغ بلغة دبلوماسية منضبطة، لكنه مسّ كل النقاط التي تسعى أميركا لتحقيقها خلال الجولة الثانية من المحادثات، وهي تفترض أن الجانب السوداني يدرك -أيضاً- أنه بجانب هذه المطلوبات الموضوعية هناك أعمال إجرائية معقّدة تحتاج إلى فترة زمنية أقلها ستة أشهر، وقد تزيد الفترة، وكل من يريد أن يعلق على هذا الأمر أو يحدد زمناً لإنجاز هذه المرحلة من الحوار الثنائي لا بد أن يقرأ بيان الخارجية الأميركية بتمعّن؛ حتى يدرك تماماً ما تسعى أميركا إلى تحقيقه عبر هذا الحوار.
البيان الأميركي قال إن هذه الجولة الثانية من الحوار الأميركي السوداني مصممة لكي تؤدي إلى توسيع دائرة التعاون بين السودان والولايات المتحدة؛ تسهيلاً لإدخال السودان إصلاحات مهمة ترسّخ الاستقرار في السودان، كما تقود إلى تقدّم في عدة مسارات ظلت مكان الاهتمام المشترك. ويستطرد البيان ليقول إن الولايات المتحدة ترحّب بالتزام السودان بإحداث تقدّم في القضايا المفتاحية، التي تشمل توسيع دائرة التعاون في مكافحة الإرهاب، وزيادة الحماية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحريات الدينية، وحرية الصحافة، وتسهيل وصول مواد الإغاثة، ووقف العدائيات، وخلق الجو المؤاتي لتحقيق السلام في السودان، واتخاذ الخطوات المطلوبة لمعالجة قضية ذات صلة بمحاربة الإرهاب، والالتزام بمقررات مجلس الأمن بشأن كوريا الشمالية.
وأخيراً، يقول البيان إن الولايات المتحدة -وجزءاً من هذه العملية- ستعمل على رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب متى ما ثبت أن كل المطلوبات القانونية لهذا القرار قد اكتملت، وأن السودان قد حقق تقدماً في القضايا الست الرئيسية، والتي كانت مثار القلق، والتي تخاطبها المحادثات الراهنة.
هذا تلخيص لبيان الخارجية الأميركية، ومنه يتضح أن جولة المفاوضات ستطول، وستتعرض لقضايا كثيرة، وستتطلب تجاوباً من جانب الحكومة السودانية، واتخاذ إجراءات عديدة، وسيطالب السودان بتقديم الدليل على إنجاز كل خطوة خطاها، والرد على كل قضية مثارة، وربما تعديل بعض القوانين أو اللوائح، ومن ثم ليس من سبيل لاقتصار الزمن أو التطلع إلى قرار سريع، خاصة وأنه بعد أن تكتمل هذه الدراسة وتقتنع مؤسسة الرئاسة برفع اسم السودان من القائمة، يتعين عليها عرض الأمر على مجلس الشيوخ، وهناك توجد «لوبيات» تأخذ موقفاً معادياً لحكومة السودان، وستثير نقاطاً أو تحفظات من شأنها -على الأقل- إطالة أمد الانتظار.
الواضح أن السودان لا بد أن ينتظر قرابة العام على أحسن الفروض حتى تصل المحادثات التي بدأت أمس إلى اتفاق، وليس هنا سبيل للقفز فوق المراحل.