د.خالد التيجاني النور

(1)

مضى شهران ونصف الشهر على تنصيب الحكومة الجديدة وتحميلها مسؤولية إدارة البلاد في ظل ظروف بالغة التعقيد والاستحقاقات لمواجهة اخفاقات متراكمة وتحديات منذرة بعواقب وخيمة وشيكة ما لم يتم تداركها، فهي ليست مجرد مصاعب عابرة، بل تحمل في أحشائها مخاطر وجودية على تماسك الدولة السودانية نفسها، أن تكون أو لا تكون، وبالتالي فإنه لا يصلح التصدي لها بالذهنية والممارسة السلطوية ذاتها التي أنتجتها، وإلا كان ذلك حال من حاقت به الندامة وهو يحاول عبثاً تجريّب المجرّب.

(2)

والحديث هنا لا يعني المسارعة إلى تحميل حكومة معتز موسى، منفردة، أوزار ما نحن بصدد تحليله في هذه المقالة التي تحاول قراءة إتجاهات أشرعة وفرص الحكومة الجديدة في ظل استمرار معادلات السلطة الراهنة بالوتيرة ذاتها، ذلك أنه يُحسب لها أن بادرت إلى الشروع في بداية قوية بسياسات وإجراءات مباشرة وتصويباً لكل الجهود نحو أجندة معالجة الأوضاع الاقتصادية الآخذة في التردي، وقد أدى هذا النهج الفاعل لرئيس الوزراء معتز موسى إلى تفاعلات متجاوبة من قطاعات شعبية لافتة مع ما لمسوه من جدية في الطرح واستعداد للإصلاح، وإن ألقى القلق بظلاله العميقة حول فرصة نجاحها في ظل إبقاء السلطة الحاكمة على أجندة حساباتها الضيقة.

(3)

بالطبع ليس من الإنصاف المسارعة إلى تقييم أداء حكومة جديدة لم يمض على عهدتها سوى أقل من ثلاثة أشهر، ففضلاً عن قصر المدة فيما لا تزال تتفاعل سياساتها المطروحة، فإنه من الواجب التأكيد على أن جلّ جهودها الحالية ليست إنفاذ سياسات جديدة، بل لا تزال في دائرة محاولة تدراك الآثار الكارثية الناجمة عن تراكم الخطايا والفشل الذريع في إدارة السلطة في عهدها الراهن للأجندة الاقتصادية لبلد لا تنقصه من الموارد الغنية شئ، وزاد الطين بلة أن آخر حكومة سبقتها اتخذت جملة قرارات عشوائية غير مدروسة في محاولة فاشلة بإمتياز لمحاصرة انفجار الأزمة الاقتصادية وقد بلغت ذروتها في خواتيم العام الماضي، والتي أتبعتها بموازنة أكثر كارثية كانت نتيجتها عام الرمادة الذي ظلت تكابده البلاد والعباد طوال هذا العام.

(4)

على أية حال لسنا في هذا المقام بصدد تقييم مردود الأداء الاقتصادي للحكومة الجديدة في عهدتها الوجيزة هذه واختبار فاعلية ونجاعة سياساتها المطروحة، وهو ما سننهض لها في مقال لاحق بإذن الله، ولكن ننبه هنا إلى ما هو أكثر أهمية ونقصد بذلك طبيعة السلوك السياسي للنظام الحاكم وأولوياته المختلة غير المتغيرة ولا المتفاعلة مع التحديات الراهنة، والتأثيرات السلبية لتلك الممارسات العقيمة في تبديد الفرصة التي لاحت للاستثمار في ” بناء الثقة” الذي اجتهدت حكومة معتز موسى في زراعته وسط أجواء غير ملائمة جراء تراكم الخيبات في الفضاء العام لوعود الإصلاح الحكومية المتكررة غير المنتجة، التي صنعت جبالاً من عدم الثقة وعدم توقع حدوث أي تغيير إيجابي.

(5)

فقد شهدت الأيام الفائتة سلسلة أنشطة مهرجانية انصرافية بإمتياز، تباينت في أشكالها ولكن تتفق كلها على أمر واحد هو الكشف عن مدى انعدام الحساسية السياسية لدى الطبقة الحاكمة على نحو مريع، كما توضح حجم غربتها عن الانشغال بأجندة الحكومة المرفوعة لمداواة الاقتصاد العليل، فضلاً عن عدم حمل هموم دعمها بجدية، كما ينبئ عن افتقارها التام للشعور بالإلحاح سواء بعامل الزمن، أو يأجندة المرحلة، والأكثر فظاعة عدم الوعي بسلم ترتيب الأولويات، والنتيجة الفعلية لذلك هو عملها، إن كانت تدري أو لا، لضرب صدقية الحكومة الجديدة في مقتل، وتسفيه تعهداتها بسيادة لحكم القانون والإدارة الرشيدة.

(6)

ففي أيام قلائل توالت المهرجانات الاحتفالية الرسمية الواحدة تلو الآخرى، احتفالات لقوات الدفع الشعبي بذكرى تأسيسها، فمهرجان جماعة الحركة الإسلامية من أذرع الطبقة الحاكمة، ثم مهرجان الدورة المدرسية في نيالا، ومهرجان من نوع آخر لجدل بيزنطي حول قانون انتخابات 2020 في بلد لا أحد يضمن أنه سيظل متماسكاً حتى تاريخه إن ظل اختلال الأولويات على حاله الراهن، ثم يبدأ قريبا سلسلة التحضير لمهرجان حزب المؤتمر الوطني العام، وهكذا لا تصحو البلد من احتفال إلا ويفاجئها احتفال بمناسبة أخرى، ولا بأس فإن لم توجد مناسبة ما اخترعت اختراعاً، وما علم الناس في السودان نظام حكم أقام من المؤتمرات والمهرجانات على مدار ثلاثة عقود مثل فعل نظام الإنقاذ، الذي تؤهله لارتياد مكانة متقدمة في موسوعة غينيس للإرقام القياسية بلا منافس، ولو كانت كل هذه الاحتفالات والمهرجانات تجدي لأكل الناس من فوقهم ومن تحتهم ولتنزلت عليهم بركات السماء، ولتصدّر السودان الأمم نهوضاً، والحال ما ترون وتكابدون.

(7)

ونحن هنا لا نتكلم عن الكلفة المالية في الإنفاق على هذه المهرجانات والمؤتمرات التي لا تُعد ولا تُحصى، المستنزفة للطاقات بلا جدوى والمعطّلة للإنتاج والمبدّدة للموارد عبثاً، حتى لا ندخل في جدل عبثي حول من دفع كم، إن كانت حكومة أم قطاع خاص، بل نناقش الذهنية السياسية الحاكمة المفتقدة للحد الأدنى من القدرة على مخاطبة إلحاح تحدي اللحظة الراهنة واستحقاقاتها، وهو ما يتطلب بالضرورة تعبئة كل الطاقات والموارد نحو هدف وحيد لا ثاني له إنقاذ ما يمكن إنقاذه من اقتصاد متداعي لا تلبث عواقب انهياره، لا سمح الله، لا تبقي ولا تذر، والمرء ليعجب كيف لبلد تواجه هذا الخطر الماثل الذي يهدّد تماسكها الاجتماعي ومع ذلك تنشغل طبقتها الحاكمة بهذه الحالة غير المسبوقة من الولع بمهرجانات الزينة.

(8)

قيل أن الدفاع الشعبي تحول إلى العمل مدني، حسناً فما هي الحاجة لاحتفال يُحشد له الآلاف ليستذكروا أناشيد وشعارات أكل منها الدهر وشرب لا تسمن ولا تغني من جوع، ألم يكن أولى إن لم يكن للاحتفال من بد أن يجيشوا منسوبيهم إلى مناطق الإنتاج ليسهموا بأيدي عاملة في دعم الحصاد، بدلاً عن إهدار المال العام في اجترار ذكريات هروباً من واقع مرير. وما الحاجة لدورة مدرسية مهما كانت ذات أهمية وجدوى في أوقات رخاء فليس هذا هو الظرف المناسب للمزيد من تبديد الطاقات والمال العام في محاولة تحقيق أهداف في وطن مثخن بالجراح يحتاج لتصويب كل جهد ممكن ليبقى وجوده متماسكاً.

(9)

وثالثة الأثافي مهرجان حشر له الناس ضحى لجماعة من أهل السلطة بمظنة منحها “مشروعية دينية”، وفوق أنها تعبّر عن حالة كهنوتية لا لزوم لها إلا من باب التزيّد بالدين، فإنها تكشف عن مدى غربتها عن وطنها وهموم مواطنيها، وما من شئ يدعو للانشغال بإئتمارها إلا من حيث أنها مناسبة أخرى تتبدى فيها الانصرافية عن هموم سائر أهل السودان إلى انشغال طائفة الطبقة الحاكمة بخاصة أجندتها الذاتية وحسابات توازناتها الداخلية للحفاظ على احتكارها للسلطة والثروة، على حساب شعب تربعت لثلاثة عقود على مقدراته، وكانت النتيجة ما شهد به أعمدة الحكم أنفسهم بأن موارد البلاد وقدراته تعرضت لنهب على نحو غير مسبوق، وما كانت تلك فعائل غرباء.

(10)

ولعل هذا الاحتشاد المفتقر لأي نية أو استعداد لاحترام دستور البلاد ولا قوانينها ونظمها يكشف جانباً من عمق أزمة عدم جدوى الدستورية عند الطبقة الحاكمة، والمفارقة أن أجهزة إنفاذ القانون التي تضيّق الخناق على القوى السياسية الملتزمة به وتحرمها بقوة السلطة من مزايا شرعيتها المستمدة من احترام الدستور والقانون، هي نفسها التي تحرس احتشاداً لا تسنده أية شرعية دستورية ولا قانونية، سوى قانون غاب “نحن أصحاب السلطة نقوم ونقعد على كيفنا.. إلخ .. إلخ”، يغشاه علية القوم من رجال الحكم مشاركين دون أدنى حرج أو سؤال عن شرعية أو مشروعية ما هم فيه.

(11)

وهذا المشهد الذي يمثل قمة السخرية يكتمل حين تتابع الجدل البيزنطي بحق في المجلس الوطني حول قانون الانتخابات عن قضايا فرعية تبدو هزلية للغاية تتضاءل أهميتها حين يقارنها الجميع بحالة نخبة الطبقة الحاكمة التي تتصرف بأريحية دون اعتبار لأي حقوق أو حدود لأنها فوق الدستور وفوق القانون، فأي معنى لمنافسة انتخابية في ظل هذا الواقع البالغ الغرائبية، وما الذي سيفرق في هذه الحالة إن جرت الانتخابات في يوم أو في عشرة أيام، فالأمر لا يحتاج لتزوير ببساطة لأن قواعد اللعبة كلها محكومة بمعطيات خارج هذه الحسابات، وعندما تفتقر اللعبة لأي قواعد تنافس حقيقية تضمن الحرية والنزاهة والمساواة أمام القانون، يغدو أي حديث عن إجراء انتخابات حرث في البحر وإهدار للموارد فيما لا يفيد.

(12)

وهذا الصراع حول قانون الانتخابات يكشف أيضاً حجم الملهاة التي تعيشها ما تسمي نفسها قوى سياسية ذات حضور برلماني، وليت الأعضاء الممثلون للأطراف المختلفة أنفقوا معشار ما أهدروه من وقت في جدل عقيم حول قانون الانتخابات لن تعيد سوى إنتاج الواقع المعلول، أولوا بعض جهدهم بمعشار هذه الحماسة للعناية بحال الاقتصاد المتداعي وانعكاسته الخطيرة على البلاد والعباد لربما كانوا أسهموا في الدفع بقسط إيجابي في دعم جهود الحكومة التي يتزايد الاعتقاد أنها تبدو غريبة الوجه واليد واللسان، ولكن ها هم يثبتون أيضاً أن الحالة الانصرافية ليست حكراً على الطبقة الحاكمة.

(13)

لعل حكومة معتز في حاجة لمراجعة سريعة لموطئ أقدامها، وإعادة تقييم حساباتها، لتكتشف أن العدو الذي تريد القضاء عليه في محاولتها لاستعادة الحياة للاقتصاد السوداني ليس بعيداً، بل يقبع في داخل البيت، من جماعات المصالح والامتيازات المحتكرة التي تقاوم أية محاولة حقيقة للإصلاح.