عزيزة عبدالعزيز منير

منذ تأسيس الاتحاد الإفريقي في عام 2002, تغير النظام العالمي جذرياً، إذ شهدت الساحة الدولية ظهور قوى عالمية جديدة، أبرزها الصين. وبينما تزايدت موجات التطرف الديني والإرهاب من جهة, تصاعد الإسلاموفوبيا واليمين المتطرف من جهة أخرى. وبرز لاعبون دوليون غير تقليديين تمثلوا في منظمات المجتمع المدني العابرة للحدود. وأصبحت وسائل التواصل الإجتماعي وسيلة مهمة للتعبير عن الآراء السياسية والطموح الجمعي في كثير من البلدان الإفريقية. على مستوى القارة, سياسياً, خلال العقد الأول من الألفية الجديدة خفتت حدة الحروب الأهلية في الكونغو وأنجولا وليبيريا وسيراليون والصومال، ولكن لا تزال هذه الدول تتعافى من آثار هذه الحروب التي قتلت وشردت ملايين البشر ودمرت النية التحتية.

كما أنه من المبكر الإحتفال بعودة السلم والاستقرار للقارة السمراء في ضوء استمرار الوضع المعقد في جنوب السودان واشتعال الأزمة الليبية ونشاط الجماعات المسلحة مثل «بوكو حرام» في نيجيريا و»المرابطون» في شمال مالي والنيجر وموريتانيا.

اقتصادياً, لا يزال معدل النمو في القارة دون الـ 7 في المئة اللازم لتقليل عدد السكان تحت خط الفقر المدقع من 417 مليوناً في العام 2015 إلى 406 ملايين في العام 2030. كما أنه من المتوقع زيادة عدد سكان القارة بمعدل 60 في المئة بحلول عام 2030. وفي ضوء هذه المتغيرات، فإن الاتحاد الإفريقي يواجه صعوبات تحول دون القيام بدوره المأمول إفريقياً وعالمياً. أول هذه التحديات هي الهيكل التنظيمي المعقَّد وتشعب وتضارب الإختصاصات داخل الاتحاد، ما يؤدي إلى سوء صنع القرار وغياب الشفافية والمحاسبة. فمثلاً تتداخل اختصاصات قسم الشؤون السياسية مع قسم السلم والأمن، حيث يتعامل الأول مع أمور مثل مراقبة الانتخابات, حقوق الإنسان, الديموقراطية, الحكم الرشيد, الشؤون الإنسانية وشؤون اللاجئين. بينما يقدم الثاني استجابات سريعة في حالات تفجر الصراعات أو توتر الأوضاع الأمنية في الدول الإفريقية. للوهلة الأولى يبدو أن أدوار القسمين تتكاملان، ولكن في الواقع، فإن الإدارات الخاصة بمراقبة الانتخابات والشؤون الإنسانية داخل قسم الشؤون السياسية تقدم أيضاً استجابات عاجلة في حالات الصراع الملحة والطارئة.

كما تتواجد إدارة «إعادة الإعمار والتنمية بعد الصراع» في كل من قسم الشؤون السياسية وقسم الأمن والسلم. أيضاً يعاني الاتحاد الإفريقي من عدم فعالية بعض الأجهزة المكونة له مثل البرلمان الإفريقي الذي تم تعديل البروتوكول المنشىء له في عام 2014 لمنحه سلطات تشريعية – إلا أن هذا التعديل لم يدخل حيز التنفيذ لتوقيع 6 دول فقط عليه من أصل الـ28 دولة الواجب موافقتهم على هذا التعديل.

ثانياً, لا يزال الاتحاد الإفريقي غير مستقل مادياً حيث يتم تمويل موازنته من قبل شركاء دوليين (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي). في هذا الإطار في عام 2017 بلغت موازنة الاتحاد 782 مليون دولار أسهم الشركاء بنسبة 73 في المئة مِن إجماليها.

ويذكر أن برامج الاتحاد الإفريقي في مجالات حفظ السلام والصحة والتعليم يتم تمويلها بنسبة 97 في المئة خارجياً مِن طريق شركاء الاتحاد. وهنا يطرح السؤال نفسه, كيف يمكن للدول الأعضاء أن تسيطر على سياسة الاتحاد الإفريقي إذا لم تكن هي التي تضع برامج العمل وتقوم بتمويلها؟

ثالثاً: تحتاج إفريقيا إلى التغلب على تشظيها وسط كيانات اقتصادية وسياسية ذات أهداف متداخلة ومتشابكة. فمثلاً, يوجد في إفريقيا ثماني مناطق تجارة إقليمية, ليس بينها منطقة تضم في عضويتها أكثر من نصف الدول الإفريقية. الكتلتان الأفضل أداءً هما مجموعة شرق إفريقيا والجماعة الإنمائية لجنوب إفريقيا، ولكنهما لا تزالان تصدران فقط 16 في المئة و13 في المئة من السلع، على التوالي، إلى الشركاء التجاريين داخل تلك الكتل.

رابعاً، تلعب القوى الدولية دوراً بارزاً في عرقلة قيام الاتحاد الإفريقي بمهامه المرجوة في حفظ السلام ومنع الصراعات أو إداراتها من أجل تأمين نفوذها التقليدي ومصالحها الاستراتيجية في القارة. فمثلاً, تَدخُل الناتو عسكريا في ليبيا في عام 2011 جاء رغم رغبة الاتحاد الإفريقي في إيجاد حل سلمي للأزمة. كذلك أثبت التدخل العسكري الفرنسي في الأزمة في مالي عام 2012 – من دون انتظار قرار أممي حينها يعلن التدخّل، أو دعم دولي معتبر- عجز الاتحاد الإفريقي عن لعب دور فاعل في احتواء الأزمة, كما يعكس الرغبة الفرنسية الأكيدة في حفظ نفوذها التقليدي في منطقة ساحل الصحراء الإفريقية.

تتسلم مصر قيادة الاتحاد الإفريقي عام 2019 وعلى جدول الأعمال مجموعة من المهام الصعبة وعلى رأسها مسألة تحقيق التمويل الذاتي للاتحاد ولعل القرار الذي تم اتخاذه في عام 2016 بأن تفرض الدول الأعضاء رسوماً بنسبة 2 في المئة على واردات القارة من السلع المتفق عليها بهدف توليد 1.2 بليون دولار سنوياً –هو أول المهام التي ينبغي أن تعمل مصر بالتنسيق مع الدول الأخرى على تنفيذها على أرض الواقع. كذلك على مصر أن تقود عمل الاتحاد الإفريقي لاستعادة السلم والاستقرار في القارة، وفقاً لأجندة إفريقيا 2063.

ولعل حل المسألة الليبية ومشكلة جنوب السودان والأوضاع الملتهبة في إفريقيا الوسطى ومالي والصومال، أولويات في هذا الشأن. عطفاً على ذلك, يظل المضي قدماً في آليات الإندماج الإفريقي من خلال إنجاز اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية وتسهيل حركة السفر والتنقل داخل القارة، شروطاً أساسية للتكامل الاقتصادي. فهل تنجح مصر في الأخذ بيد القارة السمراء نحو الاندماج والتكامل الاقتصادي والاستقرار السياسي، كما ساندت كثيراً مِن الدول الإفريقية سابقاً في كفاحها ضد الإستعمار؟

* كاتبة مصرية

(المقال نقلاً عن صحيفة الحياة)