تُبدي تركيا اهتماما لافتا بالسودان ليس فقط لكون النظام الذي يحكم هذا البلد ذا مرجعية إسلامية، بل وأيضا لجهة موقعه الجغرافي، والثروات الطبيعية التي يكتنزها، والتي كانت أحد الدوافع الرئيسية لزيارة نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي هذا الأسبوع للخرطوم، ولقائه بالرئيس عمر حسن البشير.

وتوجت زيارة أقطاي للسودان والتي دامت 3 أيام بإبرام اتفاقيات اقتصادية مهمة، لعل أبرزها توقيع اتفاقية للتنقيب عن الذهب والمعادن في ولاية البحر الأحمر شرق البلاد.

وقال مصدر بوزارة النفط السودانية إن الاتفاقية تمت بين الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، التابعة لوزارة النفط، وهيئة الأبحاث الجيولوجية التركية ممثّلة في شركة للتنقيب عن الذهب والمعادن المصاحبة (حكومية)، تتيح منطقتين “مربعتين” للتنقيب في ولاية البحر الأحمر.

وتأتي الاتفاقية بعد يوم واحد من مغادرة نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي السودان.

ويملك السودان احتياطيا ضخما من الذهب، حيث يحتلّ المرتبة الثالثة أفريقيّا بعد كل من جنوب أفريقيا وغانا. وذكر تقرير صادر عن وزارة المعادن السودانية أن إيرادات الذهب خلال الربع الأول من العام الجاري، بلغت 778.548 مليون جنيه (حوالي 43.25 مليون دولار).

ويقدّر عدد الشركات العاملة في هذا المجال بالسودان أكثر من مئة شركة من 15 جنسية. ويرنو النظام السوداني إلى زيادة عدد المستثمرين الأجانب، لإنعاش خزينته وجلب العملة الصعبة، التي يعاني نقصا حادّا منها.

ويكافح اقتصاد السودان منذ انفصال الجنوب في 2011، آخذا معه ثلاثة أرباع إنتاج البلاد من النفط. وخفّض السودان قيمة عملته الجنيه بشكل حادّ في أكتوبر، بعدما شكّلت الحكومة لجنة من بنوك وشركات للصرافة لتحديد سعر الصرف على أساس يومي.

وتشكّل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السودان مدخلا لدول مثل تركيا لزيادة استثماراتها في هذا البلد، بحوافز جدّ مغرية. ويرى مراقبون أن أنقرة التي تطمح إلى تعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، تتخذ من الاستثمار الاقتصادي والعمل الخيري مدخلين أساسيين للتغلغل في الدول، خاصة تلك التي تعاني أزمات.

وتريد تركيا تنويع اقتصادها والبحث عن أسواق استهلاكية جديدة، وسط هواجس من إمكانية تعرضها لهزّات كتلك التي تعرّض لها اقتصادها في الفترة الأخيرة، والتي اعتبرت أن دوافعها سياسية، غامزة من قناة الولايات المتحدة.

ولدى لقائه نائب الرئيس التركي، الأربعاء قال الرئيس السوداني عمر حسن البشير، “إن هناك إرادة سياسية قوية” ضامنة لتنفيذ كل ما تمّ الاتفاق عليه بين السودان وتركيا.

من جهته قال فؤاد أقطاي إن بلاده ترغب في وضع نموذج مستدام مع السودان، يقوم على علاقة “رابح رابح”. وأشار، إلى أنه “تبادل الآراء مع الرئيس السوداني عمر البشير، حول النفط والغاز الطبيعي بهذا البلد، وتحوّل تركيا، في الفترة الأخيرة، إلى مركز للطاقة من خلال مشروع السيل التركي”.

و”السيل التركي”، يتضمّن مدّ خطوط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا ودول أوروبية، مرورا بالبحر الأسود إلى البر التركي، لينتهي عند الحدود التركية اليونانية، وإقامة مستودعات ضخمة للغاز، ومن ثمّ توريده للمستهلكين شرق أوروبا.

وتتنافس كل من تركيا ومصر على أن تتحوّلا إلى مركزين للطاقة في المنطقة والعالم، وربما حرص أنقرة على تثبيت موطئ قدم لها قرب مصر، والاحتياطي النفطي والغازي للسودان، السبب خلف الهرولة صوب تمتين الروابط مع الخرطوم.

وشهدت العلاقات بين مصر والسودان أيضا في الأشهر الأخيرة انتعاشة ملحوظة، ترجمت في الزيارات المتبادلة على أعلى مستوى بين الطرفين، بيد أن عامل الثقة لا يزال هشّا في ظل نظامين هما في واقع الأمر على طرفي نقيض.

ووفق أقطاي، فإنّ الرئيس رجب طيب أردوغان، عازم على تطوير العلاقات والتعاون الاقتصادي بين تركيا والسودان إلى أعلى المستويات.

ومن المقرر عقد اجتماع للمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين تركيا والسودان، في ديسمبر المقبل، الذي يرجّح أن يحضره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وكان أردوغان قد قام في ديسمبر الماضي بزيارة للسودان، رفقة 200 من رجال الأعمال. وشهدت تلك الزيارة توقيع 22 اتفاقية مختلفة بين البلدين، كان أبرزها حصول تركيا على جزيرة سواكن المطلّة على البحر الأحمر. وأثار تسليم الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي قلق الدول العربية، بالنظر إلى أطماع تركيا المكشوفة في المنطقة.

وانتقد إبراهيم السنوسي مساعد الرئيس السوداني، خلال زيارة أداها إلى أنقرة، بالتزامن مع زيارة نظيره التركي إلى الخرطوم، ما اعتبره تصوير دول -بينها عربية- اتفاقية صيانة جزيرة “سواكن” السودانية على أنها قاعدة تركية. وقال “اتفاقية سواكن أثارت ضجّة ما كانت لتقوم لولا الحسد”.

وتقول أوساط دبلوماسية إن تصريحات السنوسي لم تكن في محلّها حيث لم يصدر أي موقف عربي رسمي معارض للاتفاقية، وكان موقف مصر واضحا لجهة أن المسألة شأن سوداني داخلي.

ويلفت المراقبون إلى أنه بغض النظر عن التصريحات التضخيمية للمسؤول السوداني فإن دولا مثل مصر والسعودية من شأنها أن تقلق من الاتفاقية التي يسوّق الجانب السوداني إلى أنها مجرد اتفاق على تأهيل تلك المنطقة وجعلها نقطة جاذبة للسياح.

ويشير المراقبون إلى أن تركيا سبق وأن لمّحت إلى أن الاتفاقية تتضمن بنودا لا يمكن الإعلان عنها في الوقت الحالي، مضيفين أن أطماع أنقرة ودورها المزعزع للاستقرار في أكثر من دولة عربية، كل ذلك يثير الخوف من هذه الاتفاقية.

وتحذّر أوساط سياسية عربية من تنامي العلاقات السودانية التركية التي قد تحمّل للمنطقة تحديات إضافية هي في غنى عنها.

وتشير هذه الأوساط إلى أنه لا يجب تجاهل أن النظام السوداني يحاول توظيف علاقته المتنامية مع أنقرة للتأثير على مواقف بعض دول المنطقة لتقديم المزيد من الدعم له. وهذه سياسة لطالما انتهجها نظام الرئيس عمر البشير ولعل أبرز مثال على ذلك حينما تعثّرت الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة حيث سارع إلى مغازلة روسيا وعرض قاعدة عسكرية عليها.

وتلفت الأوساط إلى أن الزيارات المتبادلة بين تركيا والسودان في الفترة الأخيرة قد يكون الهدف السوداني منها تحفيز الدول العربية على غرار مصر والسعودية على التأثير في الحليف الأميركي لسحب الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما سبق وأن لعب الطرفان إلى جانب الإمارات العربية المتحدة دورا مؤثرا في رفع العقوبات الاقتصادية عليه العام الماضي.

وفي عام 1993، أدرجت الولايات المتحدة السودان على قائمة “الدول الراعية للإرهاب”. ورفعت إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، في أكتوبر 2017، عقوبات اقتصادية كانت مفروضًا على السودان منذ 1997، لكنها لم تشطب اسمه من القائمة.

وبدأ السودان هذا الشهر مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة لشطبه من القائمة، بيد أن الأمور لا تجري وفق ما يرغب، حيث فرضت واشنطن شروطا جديدة ضمن خطة أطلقت عليها “المسارات الخمس+ 1”.

(نقلا عن صحيفة العرب)