محاورة الكيماوي
وبَدأَتْ رحلتي مع العلاج الكيمائي، ويا لها من رحلة. في مستشفى جونز هوبكنز أعطونا كمية من الكتيبات والمجلات والأوراق المختلفة تتحدث عن مرض السرطان وعن العلاج الكيماوي وآثاره الجانبية. والذي يقرأ الآثار الجانبية للكيموثيرابي وهو مقبل عليه، سيصاب بالفزع لا محالة. فالقائمة تبدأ من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين مرورا بالجهاز الهضمي وجميع الحواس: تساقط الشعر، والصداع، وانعدام الشهية للطعام، ثم الغثيان، والاستفراغ، والإسهال، وتقلصات البطن، stomach cramps، تَقَرُّح اللثة، تَغَيُّر المذاق، وتبلل الأنف، تَغَيُّر لون الجلد، وتَنَمُّل الأطراف، والفتور العام وموات الحيل fatigue.
وبطبيعة الحال قد تجتمع كل هذه الأعراض عند البعض، وهذا قليل، أما أغلب الناس فتحدث لهم بعض هذه الآثار بدرجات متفاوتة. من قراءاتي لاحظت أن أغلب المصابين يهتمون بتساقط الشعر مع أنه أخف هذه الآثار الجانبية كونه لا يلازمه أي نوع من الآلآم الجسدية. بالطبع هناك آلام نفسية تصيب البعض، خاصة الشباب والأطفال من الجنسين. الشاهد أن تساقط الشعر هو العَرَضُ الأكثر شهرة والعلامة الأكثر ارتباطا بمرض السرطان، فكأنه هو عنوانه ودلالته الدالة عليه. لذلك فالحديث عنه كثير في تجارب المصابين. ولعل أطرف ما قرأت حول هذا الأمر هو ما سطره قلم الدكتور جمال سند السويدي، الذي سجل تجربته مع السرطان في كتاب ضخم ضَمَّنه سيرته الذاتية، بعنوان “لا تستسلم: خلاصة تجاربي” بعث به إليَّ مشكورا أخي العزيز محمد صادق جعفر. حكى المؤلف أنه بادر بحلاقة شعر جسمه كاملا، قبل بدء جلسات الكيماوي رافعا شعار “بيدي لا بيد عمرو”.

وعموما أنا أرى أن العلاج الكيماوي من أكثر أنواع العلاج تخلفا. فهو مبني على نظرية شمشون الجبار “عليَّ وعلى أعدائي”، وهو سلاح غير ذكي، شبيه بأسلحة الدمار الشامل. يقضي على الأخضر واليابس وعلى الصالح والطالح. لا يفرق بين خلية سليمة وأخرى سقيمة. والحجة وراء استخدامه أن الخلايا السرطانية لا تستطيع تجديد نفسها بينما في إمكان الخلايا السليمة أن تنهض من الرماد، مثل طائر العنقاء، وتعود لممارسة وظائفها من جديد. إن الموت الجماعي للخلايا السرطانية وغير السرطانية، الذي يُسَبِّبه الكيماوي، ثم نهوض الخلايا غير السرطانية من جديد يجلبُ للذاكرة مشهدا من مشاهد القيامة تصفه هذه الآية القرآنية “ونُفِخ في الصُّور فصُعِق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون” (الزمر ٦٨). ظللت أتصور أن هذا المشهد سوف يحدث داخل جسمي ثمان مرات هي عدد الجلسات المقررة لي. يدخل الكيماوي في دورتي الدموية بما يماثل النفخة الأولى، فتُصْعَق الخلايا جميعها، إلا من شاء الله، ثم يبدأ خروجه من الجسم، بما يماثل النفخة الأخرى، فإذا بالخلايا السليمة “قيام ينظرون”. كان لابد لي من أن أفلسف to philosophize ما أنا مقدم عليه كنوع من الاستعداد النفسي لملاقاته.

جاءت لحظة الحقيقة. كان موعدنا الساعة الثامنة إلا ربعا صباحا. بعد رحلة استغرقت حوالي عشرين دقيقة من البيت أوقف أخي أمير العربة أمام مدخل مركز السرطان بمدينة مِلفورد Milford. وأول ما لفت نظري هو ضخامة اللافتة. لافتة من ثلاث كلمات فقط The Cancer Center ولكن حروفها عملاقة مصنوعة من حديد ومركبة على الجدران. لافتة تهيمن على المبنى كله كأن الغرض منها أن تصيب الداخل بالصدمة والرعب shock and awe.

دخلت على المبنى بمشاعر مشوشة يختلط فيها الإقدام بالتردد، والتحدي بالخوف، والتفاؤل بالتشاؤم، بيد أن ما يقود خطوي للأمام هو ما يحدوني من أمل ورجاء في الله. فنحن في أحلك الظروف نتشبث بالأمل حتى ولو كان غامضا وبعيدا. وأهلنا يقولون “الغرقان يتلافى زبد البحر”، مما يعني أن شيئا عديم الفائدة مثل زبد البحر يمكن أن يمثل بارقة أمل في لحظة ما لغريق ما. فالأمل هو رَوْحُ الله الوارد في الآية “يا بَنّيَّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من رَوْحِ الله إنه لا ييأس من رَوْحِ الله إلا القوم الكافرون”. وكذلك يقول: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون”. كل هذا يدعم بعث الأمل في النفوس حتى لو كنا لا نرى ضوءً في نهاية النفق. وكما يقولون “لولا الأمل لسقطنا على الأرض ومتنا”. وفي معنى قريب من هذا يقول الخواجات Every cloud has a silver lining أو لكل سحابة بطانة فضية”. ويعني أن في كل حدث محزن هناك ما يبعث الأمل حتى ولو لم يكن مبعث الأمل واضحا من الوهلة الأولى. وهو قريب من المعنى الذي رمى إليه المجذوب حين قال في قصيدته الشهيرة ليلة المولد:
أيكون الخير في الشر انطوى؟
والقُوَى خرجت من ذرة هي حبلى بالعدم
أتراها تقتل الحرب وتنجو بالسَلَمْ؟
ويكون الضعف كالقوة حقا وذماما
سوف ترعاه الأمم
وتعود الأرض حبا وابتساما؟

في الاستقبال راجعوا معلوماتي الشخصية للتأكد من أنني هو الشخص المعني: الاسم وتاريخ الميلاد وعنوان السكن. ثم طلبوا مني التوقيع على وثيقتين، الأولى موافقتي على العلاج الكيماوي والثانية التزامي الشخصي بدفع التكاليف المالية، كوني لا أملك تأمينا صحيا. بعد ذلك ربطوا لي بطاقة في معصمي وطلبوا مني الجلوس لحين استدعائي. بعد لحظات جاءت ممرضة وندهت اسمي بطريقتها الخاصة، (آاال بَكييير)، فنهضت لملاقاتها. حيَّتني وتساءلت إذا ما كان نطقها لاسمي صحيحا. قلت لها ضاحكا “اجتهاد لا بأس به”. بدأت بأخذ الوزن. وكنت فقدتُ حوالي اثني عشرة كيلوجرامات ما بين أبريل ويوليو. ثم دلفنا إلى داخل قاعة كبيرة بها كراسي من النوع الذي يتحول إلى سرير للنوم. وهناك حوالي سبعة أو ثمانية مرضي يتلقون العلاج الكيماوي. يجلسون مطرقين وقرب كل واحد منهم حامل عليه أكياس الكيماوي، تصورتُها مثل البُوم يخيم فوق رؤوسهم.

هززتُ رأسي لهم محيِّيا، ثم أخترتُ الكرسي الذي يواجه نافذة زجاجية كبيرة تطل على الشارع، وبالقرب من النافذة أشجار ضخمة تلعب فيها السناجب squirrels . جاءت ممرضة وأخذت عينات من دمي وأرسلتها للمعمل وشرحتْ لي لماذا يأخذون عينات الدم قبل بداية جلسة الكيموثيرابي، وأنها ستستلم النتائج بعد ساعة. كان يصحبني أمير كما ذكرت وظللنا نتحدث في شتى الموضوعات إلى أن رجعت الممرضة تدفع أمامها حامل أو عجلة كبيرة عليها كمبيوتر . أوضحت لي أن قراءة الهيموجلوبين عبارة عن ١٠.٥ (عشرة فاصل خمسة) وهو عموما أقل من المتوسط ولكنه كاف لتلقي هذه الجرعة. ثم بدأت في حقني مجموعة من الأدوية المضادة للغثيان والإسهال، وكذلك حقنة ستيرويد steroids لتعطيني طاقة تعينني على الإرهاق الذي يسببه الكيماوي.

وفي تمام العاشرة صباحا بدأتُ تناول أولى الجرعات وهي مكونة من ثلاثة أكياس (دِِرِبَّات)، يسمونها مجتمعة Folfirinox Regime. الأول اسمه Oxaliplatin يستغرق ساعتين، والثاني اسمه Irinotican ينتهي بعد ساعة ونصف. أما الأخير فهو الأصغر والأخطر اسمه 5-Fu ، وهو موبايل يوصلونه لي ويضعونه في شنطة صغيره، في حجم شنطة اليد التي تستخدمها السيدات، ويدرعونه لي في كتفي وأذهب به للبيت ويبقى معي ليومين كاملين، أنوم به وأقوم به. بعد انقضاء اليومين أعود للمستشفى لكي يفصلونه مني to disconnect it. وسأعود للحديث عن هذا الأخير في موقع آخر من هذا المقال عند حديثي عن الآثار الجانبية التي حدثت لي.

المهم قضينا الساعات الأولى من الجرعة الأولى نتبادل الحديث أمير وأنا في شتى الموضوعات السياسية والثقافية. وأحيانا نقرأ رسائل الواتساب لفترة ريثما نعود للحديث من جديد. ثم جاءتنا مكالمة تلفونية من الأهل في السودان، تحدثتُ مع أخَوَاتي وطمأنتهن بأني بدأت الجرعات وأن الأمور تسير بصورة جيدة. ثم قلن لي “تحدث مع الوالدة”. خاطبتُها بصوت ملؤه الفرح مستخدما عبارتي الأثيرة عندما أناديها: ” وييين يا حاجة آمنة اتصبري. كيفك؟”. فجاءني صوتها الواهن: “أهلا يا باقر.. مشتاقة ليك شدييييد. إنت ليه بقيت ما بتجيني زي زمان”. حاولت أن أتماسك وأجيبها ولكن خنقتني الْعَبْرَة، فصمتُّ قليلا حتى تزول وأواصل الحديث معها، ولكن أمي استبطأت إجابتي وظلت تردد “مشتاقة ليك يا باقر.. مشتاقة ليك.. مالك بقيت ما بتجيني”؟. في تلك اللحظة انتابتني موجة من البكاء لا أذكر قط أن بكيت مثلها في الثلاثين سنة الماضية، وكان ظني بنفسي أنني امرؤ ” عصيُّ الدمع” وأن من “شِيَمي الصبرُ”. ولكن في تلك اللحظة هَجَمَتْ عليَّ صور كثيرة آخرها هجمة رجال الأمن على بيوت شقيقيَّ خلف الله وحيدر وعلى بيتي وبيت الوالدة، واستيلاءهم على أموال الأسرة برمتها، وإصرارهم على تفتيش غرفتة الوالدة في الثانية صباحا، رغم إخطارهم أنها مريضة ومُقْعَدة.

لك الله يا أمي. أنت لا تدرين أن الحياة أدبرت عن السودان، وحَلَّ محلَّها الآلام والأحزان، مع”فتنٌ كقطع الليل المظلم” منذ أن ملك زمامه أبالسة العصر الذين “يأكلون بيوت الأرامل ولِعِلَّةٍ يُطيلُون الصلاة” ويصنعون زبيبة على الجباه. وأننا صرنا إلى حال من التردي ما بكينا من يوم إلا وبكينا عليه في اليوم التالي. لدرجة يبدو معها “العسكري الفرَّاق”، الذي حال بين شاعر الشعب وقلب امه “الساساق”، أكثر رحمة من هؤلاء. ويكفي القول بأن “العسكري الفرَّاق” لم يكن يتقرب إلى الله بدق المسامير على رؤوس المعتقلين.

أردتُ أن أخبر أمي كم أنا مشتاق إليها، وكم أفتقدها. وأردتُ أن أطمئنها بإنني سوف أعود إليها قريبا بإذن الواحد الأحد، وسوف أقص لها أظافرها كما كنتُ أفعل حين كان بمقدوري زيارتها. أمي ما كانت تدع أحدا يقص لها أظافرها غيري وصِهْرَيَّ د. ربيع، وأمير. تقول نحن نفعل ذلك بصورة “هينة ولينة ما بتحرقها”. وإني أبتهل إلى الله أن يحفظ حياتي وحياتها وأن يَمُنَّ علينا بلقاء، وما ذلك عليه بعزيز. أعدت التلفون لأمير بينما أمي ما زالت على الخط يجيئني صوتها من بعيد. لا أدري حتى هذه اللحظة ماذا قال لها أمير، ولكني بعد أن غسلتُ صدري شعرتُ ببعض الراحة.

في الثانية والنصف بعد الظهر خلَّصْتُ الكيسين الأوَّلَيْن. ومرَّا بسلام إلا من بعض الغثيان. ثم ربطوا لي الكيس الصغير الخطير. هذا يستغرق ثمان وأربعين ساعة حتى يُفْرِغَ سمومَه في جسمي، يُطْلِقُ خمسة مليجرامات فقط في كل ساعة، ولكن عندما يطلقها يَهْتَزُّ جسمي كلُّه، وتُسْتَنْفَرُ جميع حواسي، وأحسُّ كأن أبخرة تخرج من أنفي وأُذُنَيَّ وعَيْنَيَّّ، كما أشعر بإفرازات مقيتة داخل فمي. وهذا كله كوم وتقلصات المعدة كوم آخر. وهذه الأخيرة تنشط في الأمسيات وتمنعني النوم. أذكر في مكالمة مع أخي د. مالك بشير مالك، وهو دائم الاتصال والزيارة، طلب مني أن أصف له هذه التقلصات، فقلت له “بتتذكر أُمَّاتنا وهن يغسلن الهدوم في الطشت؟ بس بحس كأنه في زول خاتي مصاريني في طشت وبِدْعَكْ فيهن “. فصرخ قائلا: “لا إله إلا الله. لا خلاص كفى. الله يعينك”. وبالرغم من ذلك اعتبرتني طبيبة الأورام محظوظا لأن هذه الآثار، حسب رأيها، جاءتني في حدها الأدنى.
نواصل