القضارف- شوقي عبد العظيم (التغيير) –  حصاد معتز موسى: تعويق للإنتاج وازدهار للربا والصادر في خطر

كل من تسأله عن أزمة “السيولة” في القضارف، حتما سيحكي لك حكاية عبد المتعال، و هي قصة حقيقية حدثت نهاية الأسبوع الماضي، و هو مزارع معروف، بعد أن انتهى العمال من حصاد مشروعه، جاء إلى البنك وطلب  مبلغ (200) ألف جنيه ليدفعها للعمال نظير عملهم، إلا أن الموظف أكد له أنهم لا يملكون ربع المبلغ في خزينة البنك، لم تجدي محاولات عبد المتعال بإقناع مدير البنك بأن الموقف حرج، والعمال لا يتساهلون مع تأخير حقوقهم، و كذلك لم يجدي صراخه وغضبته الضارية ، عبد المتعال غادر دون أن يحصل على ما ينقذه من الورطة، ولكنه عاد بعد وقت قصير للبنك، و خلفه هذه المرة أربعة عربة “لوري” محملة بعمال الحصاد، ادخلهم جميعا البنك، أكثر من مائة وخمسين عامل، وطلب من الموظف الصراف أن يمنحهم حقوقهم، ليجد الموظف و إدارة البنك أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه.

تسببت أزمة السيولة في ولاية القضارف ومناطق الإنتاج، في مشكلات وتشوهات في الأسواق وحركة البيع هذا العام ، ربما تؤدي إلى عدم الاستفادة من انتاج الموسم الزراعي، بالطريقة التي تخطط لها الحكومة، ويعول رئيس الوزراء ووزير المالية معتز موسى على الصادرات الزراعية، وصرح  أكثر من مرة أنهم في وزارة المالية يتوقعون عوائد مالية دولارية من صادرات المنتجات الزراعية، وقال في خطابه أمام مجلس الوزراء أن النتائج المتوقعة للإنتاج هذا العام تقارب 7- 8 مليارات دولار منها 5 مليارات دولار عائد الصادرات الزراعية.

و صدر قرار تحجيم السيولة لدى الجمهور من لجنة مراقبة سعر الصرف، التي كان يرأسها البشير وتهدف إلى خفض سعر الدولار

السيولة والوقود ..أزمات متطابقة

الأمر الذي فاقم الأوضاع في مناطق الإنتاج، تطابق أزمة الوقود والسيولة، في وقت واحد، وفشل البنك الزراعي في توفير الجازولين المخصص لتحضير الأرض للزراعة في الوقت المحدد، وقال المزارع أحمد بشير ل (التغيير) ” لم نتسلم الجاز المخصص لحرث الأرض وتحضيرها من البنك إلا بعد الحصاد، وهناك من لم يستلم حتى الآن” وفي وقت الاستعداد للزراعة كان البنك يوفر جاز لمزارع واحد فقط في اليوم، وعلى آلاف المزارعين انتظار دورهم، و قال بشير أن سعر برميل الجازولين بلغ (6000) جنيه، مع ندرة كاملة، وكذلك كان على المزارع توفير مبالغ نقدية، لتسيير العمليات الزراعية التي يتم التعامل فيها بالكاش، وخاصة حقوق العمال ومنصرفاتهم اليومية، وقال بشير ” عدد من المزارعين تأخروا في الزراعة بسبب الكاش ” ومضى قائلا ” لا ندري أيهم كان أصعب توفير الجاز أم الكاش، ولكن كلاهما تسبب في خسائر كبيرة للمزارعين و معاناة ”

الربا : ذنبنا على الحكومة

لم يتحرج ابراهيم في الاعتراف بأنه يتعامل بالربا وقال ” نعم، تعاملنا بالربا، أين سنجد أموالا للحصاد إن لم نفعل” لم يعد التعامل الربوي في سوق القضارف أمرا مخفيا، ولم يعد يتحرج منه أحد، وبحسب كثيرين لم يترك لهم انعدام السيولة بدا من اللجوء إلى الربا

و يتحايل البعض، بالتظاهر بشراء سلعة من تاجر بالشيك، لتبيعها في نفس اللحظة لذات التاجر بالكاش، بعد أن تخسر فيها مبلغا مقدرا وهو ما يعرف ب”الكسر”

وشرح ابراهيم العملية بالتفصيل وقال ” ذهبت إلى تاجر واعطيته شيك بمبلغ مليون ومائة جنيه، على أنه مقابل سكر، لم أرى سكر بعيني، المهم أرسلني إلى دكان مجاور منحتهم إيصال الشراء بالشيك، واعطوني مبلغ  (920) ألف جنيه”

وصرح معتز موسى في وقت سابق أنهم ارسلوا (500) ألف جنيه نقدا للقضارف، كدفعة أولى، لمواجهة التزامات الحصاد، إلا أن مصرفيين أكدوا لـ(التغيير) أن المبالغ التي وصلت في الدفعة الأولى كانت (200) ألف جنيه، وقال مزارعون  أن الأموال التي أرسلت في النصف الأول من أكتوبر انتهت خلال عشرة أيام، ولم تحضر الدفعات التي وعد بها رئيس الوزراء، وظلت البنوك تستقبل حصصا منخفضة من النقود.

و انتشرت معاملات الربا بشكل كثيف في المدينة، وتربح منها تجار استطاعوا توفير الكاش، و قال إبراهيم ” الكاش موجود، إلا كيف يحصل التجار عليه  للمضاربة به” وأضاف ” هؤلاء التجار استفادوا في هذا الموسم أكثر من المزارعين”، وأطلق الامن الاقتصادي حملة لمكافحة تجارة الأموال إلا أنها لم تحقق أي فائدة.

و زار وفد من هيئة علماء السودان القضارف لتذكير الناس بحرمة الربا، إلا أن الوفد لم يجد أذنا صاغية في ظل أزمة السيولة وقال ابراهيم ” على هؤلاء العلماء أن يعظوا الحكومة، لن نسمع لهم ونترك زرعنا يتلف” ومضى قائلا ” السمسم لا ينتظر حال لم يحصد في وقته يتشتت، لذلك اتجهنا للربا وذنبنا على الحكومة”

(13) مليون جنيه

إبراهيم رانفي، وزير الزراعة والغابات بولاية القضارف، قال أن حصاد كل المساحات المزروعة يحتاج (13)مليون جنيه، وأكد موظف بأحد البنوك طلب حجب اسمه أن البنك المركزي لم يوفر أكثر من (30%) منها، بجانب عدد (60) ألف برميل وقود لموسم الحصاد توفر منها (60%).

و بلغت المساحة المزروعة في القضارف ما يزيد على (8) مليون فدان، و يحتاج المزارع للكاش لمواجهة التزامات العمالة وجوالات التعبئة (الخيش)، وارتفعت يومية العامل من (75) جنيه إلى (200) جنيه بسبب ارتفاع الأسعار بعد الإجراءات الاقتصادية الأخيرة وهناك قلة في العمالة نفسها.

سوق المحصول…تأمين صحي

تسبب شح السيولة في ربكة واضحة في سوق المحاصيل، وبالذات في أسعار السمسم، إذ يوجد ثلاث أسعار للقنطار ، كاش وشيك و وجزء من المبلغ كاش وجزء شيك ، وهو ما يعرف ب( التأمين الصحي) لجهة أن ربع قيمة الصفقة يدفع كاش، والبقية بالشيك

ويبلغ سعر القنطار بالشيك (13- 15) ألف جنيه، بينما يبلغ السعر بالكاش (10- 11) ألف جنيه، أما التأمين الصحي يتراوح بين (11-14) ألف جنيه، و بجانب طريقة السداد أيضا يتحكم في السعر

و تسبب تعدد الأسعار في خسائر كبيرة للمزارعين وبالذات أصحاب المساحات المحدودة – صغار المزارعين- وقال حامد- مزارع صغير- ” مجبرين على البيع بالكاش، علينا التزامات” وأشار إلى أن سعر الكاش يقل عن الشيك ب(3000) جنيه.

وكذلك اشتكى كبار المزارعين من تعدد الأسعار وقال إبراهيم ” شح السيولة أدى إلى تجميد مبالغ كبيرة في بيعة واحدة، لذلك نضطر إلى كسر الشيك نفسه في السوق، ويخسر من قيمته 15%، لذا ارتفعت الأسعار بعد اضافة خسارة الشيك إلى أرباح التاجر أو المزارع” .

الصادر …من المشتري

” شراء السمسم بالأسعار الحالية للمنافسة في الأسواق العالمية مخاطرة كبيرة لأننا تجاوزنا السعر العالمي، ولم يعد السودان المنتج الوحيد للسمسم بعد دخول إثيوبيا والهند بمساحات كبيرة وانتاج مقدر” هذا ما قاله أحمد محمود الخبير الزراعي والمستثمر في سوق المحاصيل.

ويدخل سوق المحاصيل يوميا أكثر من 30 ألف جوال سمسم، لا يتعدى المباع منها في دلالة السمسم 50%، و دخل سوق المحاصيل يوم الأحد 25/11/218 (34,714) جوال سمسم، المباع منها (13,983) جوال والمرفوض (20,731) ، وبلغ أعلى سعر للقنطار (3904.00) جنيه وبلغ أدنى سعر (3250.00) جنيه، ويعادل الطن (22.26) قنطار، ويبلغ سعر الطن وفقا للسعر الجاري أكثر من 2000 دولار .

ويلاحظ مصدرو السمسم إقبال شركات لا علاقة لها بصادر السمسم على الشراء، ويرى مصعب – مزارع ومصدر- أن هذه الشركات، تنشط في شراء السمسم لتحقيق هدفين، أولا إخراج أموالها من المصارف، وهي شركات تشتري عن طريق الشيك، وثانيا الحصول على دولار من عائد الصادر لاستيراد سلع  و قال مصعب ” المشتري الأكبر شركات أموالها محجوزة في البنوك، ولا تجد دولار في السوق لاستيراد بضائع، وصادر السمسم يحقق لها ما تريد”

وتتحصل الحكومة على (6%) في القنطار، لا تتضمن الزكاة، وهي عبارة عن رسوم تسويق، وضرائب، وقيمة مضافة وأرباح أعمال

و من بين الشركات التي تشتري كميات مقدرة من السمسم شركة منيفارما وهي شركة تعمل في مجال الأدوية وشركة أجياد وهي تعمل أيضا في مجال المبيدات، ويتردد أن بعض شركات الاتصالات تشتري عبر وكلاء، كما تشتري من الدلالة شركات مأمون البرير والشركة الأفريقية أحدى شركات مجموعة محجوب أخوان، ومن أكبر المشترين بنك الاستثمار المالي.

آفة السمسم : خضر جبريل حاضرا

من بين المشاكل التي تواجه محصول السمسم هذا العام، دودة السمسم، وهي آفة فشلت وقاية النباتات في مكافحتها، وأتلفت الدودة هذا الموسم (70%) من المشاريع في جهة دوكة والمنطقة الجنوبية.

وزار وفد من “البرلمان” ووقاية النباتات، المشاريع الزراعية، الأسبوع الماضي، للاطلاع على حجم الضرر الناجم عن آفة السمسم وإيجاد مبيد مكافح لها.

وكان خضر جبريل ضمن وفد وقاية النباتات، و يعتقد أن خضر احيل للمعاش بعد قرار يحدد سن الخدمة ، إلا أنه أكد أنه باق في إدارة وقاية النباتات.

وفشلت وقاية النباتات في مكافحة الآفة، التي تسببت في أضرار كبيرة للمزارعين، وقال خبراء من الوقاية للمزارعين بأنه لا يوجد مبيد لآفة السمسم في السودان.

وظلت الآفة تتلف المحصول لثلاث سنوات ماضية دون أن تتحصل الوقاية على المبيد المناسب.

وقال مزارع أن المبيد الذي يقضى على الدودة غير مسجل في السودان، وتسعى إدارة وقاية النباتات للحصول على استثناء لاستيراده .

الزكاة “كاش” ولا نقاش

من المفارقات التي تستحق الذكر، أن الجهات الحكومية تلزم المزارعين والتجار بتسديد الرسوم الحكومية ” كاش” ولا تقبل الشيكات في تعاملاتها

وتحصل الزكاة على زكاة المحصول عينا  و يتنازل المزارع عن جوال مقابل كل (12) جوال، وحال كان المحصول أقل 12 جوال تتحصل الزكاة نقدا.

وتتمسك إدارة الزكاة بأن يدفع المزارع نقدا، ولا تقبل الشيكات، كما لا تتعامل بماكينات الدفع الإلكتروني.

و أعلنت الحكومة بأنها لن تقبل التعامل مع الجمهور في المعاملات الرسمية بالكاش، بعد نهاية الشهر المقبل.

وتعد ولاية القضارف الأولى في تحصيل الزكاة، وتحقق سنويا معدلات تتجاوز الربط المطلوب بأكثر من 100%

وتبلغ الزكاة في سوق المحاصيل أكثر من (3000) جوال يوميا تأخذ عينا، بينما تبلغ زكاة جوال السمسم نقدا 750 جنيها ، وتقدر الزكاة سنويا بأكثر من (850) مليون جنيه.

و تعد ولاية القضارف من الخمس ولايات الأولى في السودان، في حجم الدخل الضريبي، إلا أن المواطنين لا يرون أن الزكاة والضرائب تنعكس على الولاية.

وتأسف معتز موسى على تردي البنى التحتية في الولاية عند زيارته لها، وأمر بالعمل على تحسينها

لا حلول في الأفق

من اللافت أيضا أنك لا تشاهد صفوفا أمام ماكينات الصراف الآلي، كما هو الحال في الخرطوم مثلا، ولما سألنا سائق الركشة عن سبب، أجاب ساخرا ” لماذا يقف الناس أمام صرافات فارغة” وأضاف ” أيام طويلة ولم يتم تغذية الصرافات بأموال” .

وبالمقابل تشاهد طوال الطريق من الخرطوم للقضارف، عربات النقل، واللواري متوقفة في صفوف طويلة أمام طلمبات الوقود.

الأمر الذي يؤكد أن  الأزمات ستمتد إلى فترة أطول وأن الافق القريب لا يبشر بحلول، مما سيكون لكل ذلك آثار سالبة على إنتاج وتسويق محاصيل الموسم الزراعي الصيفي، الذي ينتظر الاقتصاد السوداني منه الكثير.