د.الشفيع خضر سعيد

نعم.. الجميع يتلهفون لإدراك كنه ما يحاك في معامل ومطابخ المجتمع الدولي تجاه السودان. ومنهم من قفز في يمّ الخيال سابحا بحثا عن السيناريوهات المتوقعة والممكنة. وإذا كان ذاك التلهف، وتلك السباحة، يمكن تفهمهما وقبولهما من جموع الناس العاديين غير المنخرطين في العمل السياسي المنظم، فمن المزعج جدا، حد الكارثة، أن تكون الحركة السياسية المنظمة في زمرة هؤلاء السابحين في الخيال، تكتفي بأن تظل قابعة في وضعية المراقب المنتظر لنتائج ما يحاك، ثم تعلّق فقط، شجبا أو إدانة أو قبولا، على ما سيُطرح من سيناريوهات.
ما نعتقده صحيحا، هو أن تقتحم الحركة السياسية المنظمة حلبة التعامل مع المجتمع الدولي، نقاشا وتفاعلا، بل وصراعا، بعيدا عن التقوقع والانعزال، وبهدف التأثير المباشر حتى يكون الناتج متماشيا مع أهدافها، كحركة سياسية معارضة، ليس فقط في المادة المكتوبة على الورق، وإنما في آليات التنفيذ والضمانات الضرورية واللازمة حتى يتم التنفيذ وفق ما هو متفق عليه.
وبالمناسبة، فإن خطاب المجتمع الدولي تجاه الأزمة في السودان، في كثير من محتواه وجوهره، يكاد يتطابق مع خطاب المعارضة السودانية بالنسبة لقضايا إطلاق الحريات وكفالة حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي. أنظر إلى قرارات مجلس الإتحاد الأوروبي الأخيرة حول السودان، والصادرة من اجتماعه رقم 3652، ببروكسل بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، والتي من بينها حث الحكومة السودانية على تنفيذ الإصلاحات السياسية الواسعة التي لم يتم الوفاء بها حتى الآن، وخاصة تلك المتعلقة بكفالة حقوق الإنسان والحكم الرشيد، وتوفير الاحتياجات الإنسانية لمناطق وقطاعات واسعة من السكان، والتصدي للصراعات الداخلية التي لم تحل حتى الآن.
وشددت القرارات على محاسبة جميع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات في السودان، داعية السودان للتعاون بشكل كامل مع العدالة الدولية لمحاربة الإفلات من العقاب، ومشيرة إلى ضرورة التزام حكومة السودان بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وفقا لقرار مجلس الأمن المعني. كما دعا الإتحاد الأوروبي السودان إلى المشاركة البناءة في دعم الاستقرار في المنطقة، خاصة وأن موقع السودان، كدولة ساحلية على البحر الأحمر، وضفّيّة على ضفاف أنهر حوض النيل، يلعب دورا جيوسياسيا حاسما في أمن القرن الافريقي الاوسع، بما في ذلك ترسيخ السلام في دولة جنوب السودان، ودعم المبادرة الأفريقية للسلام والمصالحة في جمهورية أفريقيا الوسطى، ودعم الوصول إلى توافق في المحادثات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان الخاصة بسد النهضة الإثيوبي.

وفي كل الأحوال، فإن التقوقع والانعزال لن يوقف مسار ما يجري وما يُحاك. فنحن اليوم، نعيش في عالم لا يقبل العزلة والانعزال. عالم تحكمه قوانين العولمة التي لا فكاك منها، والتي توفر تربة خصبة لتجلي ظاهرة التفاعلات والتداخلات بين مكونات هذا العالم، كظاهرة موضوعية وحتمية.
وهذه الظاهرة الموضوعية الحتمية، دائما ما تأتي تحت عنوان تحقيق السلام والاستقرار في العالم. ومن هنا قناعتنا بحتمية دور المجتمع الدولي ومساهمته في المشهد السياسي في بلدان العالم الثالث، مستوطن الأزمات والكوارث السياسية والاجتماعية.
وسؤالنا البسيط هو، أيهما أفضل لقضية شعبنا: التداخل والتفاعل أثناء عملية الحياكة وقبل ظهور نتيجة ما يحاك، والعمل على التأثير فيها وتطويعها لصالح قضية شعبنا، أم ننتظر النتيجة النهائية لنكتفي بالتعليق؟. مع ملاحظة أن بعض الفاعلين السياسيين السودانيين يشاركون في عمليات الحياكة هذه. وقد أشرنا في مقالنا السابق إلى التحركات الأخيرة التي جرت وتجري مع الحركة الشعبية قطاع الشمال، وحركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان. كما نقرأ معا تغريدة رئيس حركة تحرير السودان، القائد مني أركو مناوي بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، والتي أفاد فيها بأنه تم التغلب على العقبة الأخيرة التي كانت تحول دون توقيع حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة على إتفاقية «ما قبل التفاوض» مع الحكومة، والتي ستفتح الباب أمام إستئناف التفاوض بين الحكومة والحركتين. وجاء تصريح القائد مني عقب إنتهاء إجتماع ضم حركته وحركة العدل والمساواة مع الإتحاد الإفريقي في أديس أبابا يوم الجمعة الماضي.
وفي ذات السياق، صرّح رئيس حركة العدل والمساواة، القائد جبريل إبراهيم، بأنه تم الاتفاق على وجود آلية مستقلة جديدة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه حول قضية دارفور. ويبدو أن هذه كانت العقبة المتبقية، بعد أن وافقت الحركتان من قبل، في برلين، على اعتبار اتفاق الدوحة كأساس لأي تفاوض بين الحركتين والحكومة. وأعتقد أن ما تم يعد إنجازا للحركتين ولفكرة التفاعل والتداخل مع المجتمع الدولي دون تخليهما عن أي مسارات أخرى. ودون التقليل من مسألة الاختلال في موازين القوى، إلا أن حديث البعض بأن الحركتين أرغمتا على موقفهما الجديد بسبب الانتكاسات العسكرية الأخيرة غير صحيح، بشكل مطلق. ففي كل الأحوال لم تنتهي الحرب، ولم تتوقف مساعي الحكومة للتفاوض مع الحركتين.
ومن زاوية أخرى، فإن التدخل والتفاعل مع المجتمع الدولي وما يطرحه من حلول، لا يعني أن نوقف مسارات، أو تكتيكات، عملنا الأخرى من أجل التغيير. بل على العكس، يمكن لأحد المسارات أن يوفر فرصة لنجاح مسار آخر. مربط الفرس هنا، أن تكون لدينا فعلا مسارات أخرى نسير فيها بهمة ونشاط.
ومع ذلك، ومع التأمين مجددا على قولنا بأنه لا يمكن لأي عاقل أن يرفض مساهمات المجتمع الدولي لحل أزماتنا، فإننا نشدد، مرة أخرى، على أن السياسي الذي يظل منتظرا هذه المساهمات، ناظرا إليها فاغرا فاهه وكأنه يتفرج على أحد أفلام الآكشن والإثارة، دون أن تكون لمساهماته هو القدح المعلى، ودون أن يأخذ حذره حتى لا تأتي هذه المساهمات على حساب مصالح شعبه، هو سياسي غير جدير بالثقة. فأولا وأخيرا: لا يمكن حل قضية شعب من خارجه وبالإنابة عنه.

(نقلا عن صحيفة القدس العربي)