صلاح شعيب

وفر الانترنت فرصا للتعبير غير مسبوقة. وأصبح زمنه حدا فاصلا للتأريخ. وكما نقول إن ذلك الحدث تم قبل سيادة عصر الحجر فإن من العدل أن نقول إن مارادونا، أو بلاتيني، أو رومنيغا، أبدعوا قبل حلول عصر الإنترنت. تتعدد مساهمات أفانين الإنترنت في تسريع عجلات التنوير البشري. ولكن، حتما، الكتابة شكلت حجر الزاوية لهذا الجهد الإنساني النبيل. ما نشره رجال، ونساء، العالم في العشرين سنة الأخيرة ربما يوازي ما نشر في الألفية المنصرمة. وبينما تتوفر الآن بلايين المقالات المؤرشفة التي تناقش قضايا حيوية للإنسان، تلك التي أقعدت به دون الوصول إلى مرحلة التمدن، وجدنا عددا لا يحصى من التسجيلات التي تسترسل في إظهار العامة لرؤاها، وفنونها، وشجونها. وأحيانا تمظهر أنينها، وزفراتها الحرى، التي تجبر الضمير العالمي للتعاطف.

والمؤكد أنه مهما ضعفت صياغة الجملة، أو حذاقتها، أو وهنت مصداقية المعلومة، أو ذبحت قواعد اللغة ليلا، ونهارا، إلا أن جدار السنسرة قد انكسر بصورة أفظع مما حدث لجدار برلين. وبالتالي صرنا نقرأ، ونسمع، ونتجادل، حول المسكوت عنه. فالتجديف حول الدين، وفي نصوصه، ما عاد يعد اقترابا من التابو. والمعايير الإنسانية كافة ما عادت مقدسة. كل شئ، بسبب سلطة الانترنت، غدا محل حوار جديد بلا خوف، أو خجل، أو خور عزيمة. فتفكيك المفاهيم، والأساطير، والأيديولوجيات الاصولية، والرموز الراسخة، والمكرسة، وإعادة تركيبها وفق معارف ناشئة، هو ما يفهم من مغزى جدل الإنترنت الهادي، والصاخب معاً. أما نواميس السيادة الوطنية التي تقهر الشعوب فما برحت بتأثير الإنترنت تتضعضع بينما صار روح حراسها عند الحلقوم. يرغون، ويزبدون، ويتحايلون، ويخذلون، ولكنهم لن يستردوا قدرتهم المطلقة السالفة في خدمة فضاء الإكليروس.

صحيح أن كتابة الانترنت من جهة أخرى وفرت للسلطات القابضة على روح الإنسان مجالا توظف ضد الحرية، والانفتاح على الحقائق الجديدة، ولكن فإن انهيارها رهين بزمن قريب آتٍ. فتيار الوعي الجارف الذي سينتظم البشرية جميعها سيقضي على الحراس البراغيث.

باختصار، جل القواعد القديمة التي تعارف عليها الناس عند التعبير، والمعايير اللغوية الصارمة للنشر، ومحفزات الخوف من سلطات المجتمع، انزاحت بلا هوادة. كل هذا نتج عنه سيادة الرأي العام الحقيقي، والذي كانت تضطلع به حفنة من المجتمع، يسمون صحافيين، أو رجال وعظ ديني، أو مسؤولين عن إعلام، وثقافة الدولة، والقطاع الخاص، أو أدباء محتكرين لمساحات النشر، أو باحثين مخول لهم وحدهم التأثير على جبهات سياسية، وأكاديمية، وثقافية، إلخ.

-٢-

كتابة الإنترنت تفوقت على ما عداها من أشكال منتجاته المتعددة، والحيوية، والفاتنة. ولحظنا أن الانترنت مثل البستان، وقديما قال الشاعر العراقي سعدي يوسف إن “الشعر بستان الله ، ولا يطرد منه احد”، وكذا هو الإنترنت لا يظلم تأدبك معه. فحين تنظر إليه من الخارج، قارئا، أو تدخله، كاتبا، لا بد أن يثير انتباهك، أو يجبرك على تبني رد الفعل. وعلى العموم كتابة الإنترنت ساحرة بقضها، وقضيضها. تغريك بتتبعها إن لم تكن قد حركت كل حواسك للتفاعل. وهذه رحمة جديدة من الله تضاف إلى رحماته الكثيرة. والسؤال هو لماذا حرم الله على الأجيال القادمة التي غادرتنا، ولم تعاصر كتابة الإنترنت بجانب فقدانها آليات التواصل؟. لا مناص من حرية التعبير. ولكن قلبي على سقراط، وتوفيق الحكيم، وجان جينيه، وجان لوك، ومعاوية نور، وكارل ماركس، ومحمود محمد طه، الذين انحصر تواصلهم الفيزيائي مع قرائهم عبر محيط ضيق. ومع ذلك تفتحت أزاهير جديدة أمام انتشار عطائهم الفذ لتعميق وعي الكتابة، وكتابة الوعي.

أهم ما في كتابة الإنترنت أنها أعطت صوتا لمن لا صوت له، كما جرى دارج التعبير. ومع ذلك أضاف لهذا الكم المهمل من الأفراد، والجماعات المكبوتة الصوت داخل النسيج القطري، إحساسا بفخرها المُصادر لقرون. إنها خرجت من عقابيل التجاهل، ووطأة التهميش، وفداحة التدجين الثقافي، لتكتب سطورا في صفح الفضاء مفادها أنها تنشد التحرر التام، ولو كره المؤمنون. إنهم أفراد وجماعات كان الرأسمال الطفيلي العالمي، ووكلاؤه المحليون، يقمعون صوتهم، وفِي ذات الوقت يستثمرون في جهلهم، ويضربون وحدتهم الداخلية.

ولكن رعاة الصوت المغيب الآن يستيقظون من سباتهم المسبب، وكهوفهم المسورة، وأساهم الأليم، وغبنهم القاتل. أما على صعيد الأفراد المبدعين، والمغردين خارج سرب تلك التحالفات الطفيلية، فقد ملكتهم كتابة الإنترنت المستمرة الجرأة في ظل تراجع أصحاب القيم البالية. وفِي ظرف عقدين من الزمان ازدهرت أمامنا سوق موشاة بحلي الفكر، والأدب، والموسيقا، والتراث، والفلكلور، والتشكيل، والتصوير، والدراما، والأعمال الوثائقية المتقنة مضمونا، وإخراجا، وكل بدائع النفس الإنسانية.

على المستوى الآخر فإن كتابات الانترنت النيئات ضرورية حتى تنهض على سيقان المران المثابر، وتثمر. فهؤلاء الكتاب الجدد إنما نبات لثمر المستقبل. وعلى ما في كتابتهم من هنات، وإحساس هرولة، للاعتراف بهم، وقلة استوثاق أحيانا، فإن المهم هو أنهم يقضون ساعات للتفاعل مع الحرف الاخضر، يصارعون للظفر بجياده، وأحيانا تغلبهم الحيلة ثم لا يستسلمون. وسيصلون. ولعل كتاب ما قبل عصر الإنترنت لم يولدوا بينما نسب كتابتهم ساعتئذ تنتمي مكتملة للسماء، مع تحوير لشعر صلاح عبد الصبور. لا بل قد ران على حرفهم بعض التعثر في بداياتهم حتى استووا على جودي من الإتقان.

-٣-

المزيد من تشجيع الجيل الجديد من كتاب الإنترنت، وعذرهم إن إخفقوا، هو بعض من وظيفة الكتاب المجيدين، هذا إذا كانت الكتابة أصلا ترقق فؤاد الكاتب، وتحمله على عون الزهور الجديدة لتتفتح وعدا، وقمحا، وتمنٍ، كما قال شاعرنا ود المكي. بل إن كتاب عصر الإنترنت ما كان ليجودوا حروفهم، ويوسعوا رؤيتهم، ويمتنوا مداركهم، لولا أنهم وجدوا تشجيعا بالنشر، والرعاية، والنقد، الذي اعترف بأهمية تناول أعمالهم.

إن سنة الحياة، أصلا، ظلت تفرز كتابا لكل عصر. وحتما من بين بعض إخفاقات كتابة الإنترنت الشابة سيخرج طائر الزفزاف ليغرد كما كان يتفائل به الشاعر محيي الدين فارس. فكل ما يحتاجه جيل الكتاب الجديد، والذين لا يُعرف بهم خارج ثبج الفضاء، هو المزيد من الاطلاع الذي وفره الإنترنت بشكل لم يكن متاحا للجيل السابق. ومن هنا يكون الرهان على قدرة جيل الشباب على تجاوز الصور الجمالية للكتابة، والتي أحسنها جيل الأجداد، والآباء، والذين كان يصعب عليهم الحصول على مجرد صحيفة يومية لشهور. بل كان الوصول إلى دور النشر لطباعة مجموعة قصصية، أو شعرية، أو رواية، أو مقالات نقدية، أو دراسة، يعد من حظوظ القدر. وما من شك أن سهولة النشر التي حظيت بها كتابة الإنترنت لا تضرب عصفورين بحجر، وإنما ترعى تغريدهما في الجو، وتقارب في ألوانهما البهية باستمرار، وترعى خصوصية كل واحد بالحنو، والعطف. فكاتب الإنترنت الجديد ليس صيادا لعصافير الظرف الذي فيه يحيا، ويتنفس بالكتابة، وإنما صديق لها، لا قاتلا لحريتها في التحليق. فمن جهة وفر هذا الظرف سوانح لتطوير شكل الكتاب، ومضمونها، وغاياتها. إذن هناك مجالات للاقتناء المجاني لأمهات الكتب المعنية بقواعد اللغة، وتشكيلها، ورسمها. ولعل الكتابة ظلت أول ظهورها فنا في جدران المعابد، ونقشا على الورق، قبل أن تستطرد لتفلسف الواقع. ومن الأهمية بمكان الدخول للكتابة من مدخل الفن ما دام ذلك يخلق سحرا لمعانيها. وما أكثر الكاتبين، ولكن ما أقل أصحاب التميز. فلا تأثير لكتابة إن لم يتمكن صاحبها من الاحتياط لعنصر التشويق الذي يشع من جمله. فالكتابة ليست بالكم، وإنما بالكيف. فرواية واحدة مجودة لغويا أفضل من عشر روايات بلا تميز في اللغة. فما يسميه النقاد الأدبيين فنتازيا السرد إنما تقوم على قدرة الراوي على حذاقة لغة الأحداث. وفِي الشعر يسبق رنين الكتابة، وإيقاعها، الصورة الشعرية. فكما تحتاط الموسيقى، والفنون، جميعها لنوع من الإيقاع الداخلي، والخارجي، فإن للكتابة إيقاعها الخاص، والذي لا يكتمل إلا بسلامة التعبير، وتركيبه، وكثرة مخزون مفرداتها، وأحيانا اقتصاد فروعها. ولذا قال الأولون إنه كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة. وعند الكتابة الحديثة تراجعت الجمل الطويلة التي كانت تسم اُسلوب الأقدمين. وقد بدت مثل لحن واحد بإيقاعات متعددة، وانتقالات نغمية من أعلى السلم إلى أدناه، ثم وسطه. وهكذا تختلط الموازير النغمية، وتتقاطع، وتتصالح، وتتحاور، لنقف على لحن بديع في انتقالاته المقامية. أما مضمون الكتابة فلا شي يُحسنه إلا الاطلاع النهم، والمزيد منه. وهذا يكفي.