أعمدة ومقالات

تسوية أم إلحاق ؟

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

خالد فضل

مشهد الحياة العامة في السودان الآن يكشف بوضوح عن معطيات واقعية لا يمكن تجاهلها بسبب رغبتنا في حدوث التغيير , هذا من جانب من جانب آخر فإنّه من الضروري كذلك للقادة السياسيين الذين يحاولون التعاطي مع هذه الوقائع أن يكونوا صادقين في قولهم وفعلهم تجاه ما يجري ومآلات ما يتم من تحركات سياسية هنا وهناك .

  صفوة القول في توصيف الواقع أنّ نظام الإنقاذ الإسلامي قد تحوّر إلى مجموعة تكبر وتقل حسب الظرف الآني , تحرس في مصالحها الخاصة بعد أن فقدت القدرة أو لم تكن لها في الأصل القدرة والرغبة في التعاطي مع الواقع السوداني على مميزاته الكثيرة وعلله الكبيرة , هناك الآن سلطة أمنية عسكرية قابضة لا تمتلك مشروعا سياسيا واضح المعالم , ومتى كان الفعل الأمني والعسكري يمتلك رؤية أو مشروعا سياسيا يمكن قياسه ومتابعته , القوة الأمنية يهجسها التوجس الأمني فقط , لهذا لا تنفق وقتا طويلا في تدبر نتائج فعلها على المستقبل بقدر ما يدفعها هاجسها وتصورها اللحظي للجم أي خطر قادم يتهدد مصالح أفرادها من أدنى رتبة إلى أعلى نيشان .وعلى مدى 30سنة تمت معالجات أمنية وعسكرية لكثير من القضايا قادت في النهاية لتشعب القضية الواحدة إلى قضايا كثيرة , وبمواصلة ذات النهج تولّدت عن كل قضية فرعية قضايا أخرى جانبية حتى صارت الفروع نفسها أصول وهكذا دواليك في تناسل القضايا مما قاد إلى الوضع الحالي الذي عنوانه البارز الإنهيار في كل قطاعات وأوجه الحياة ماديا ومعنويا .

  الهاجس الشخصي للرئيس البشير ووضعيته حال مغادرة منصبه باتت هي الأخرى واحدة من القضايا التي تصرف السلطة تماما عن النظر في حلول جذرية للقضايا المتناسلة , وصارت المقصلة منصوبة للسلطويين الذين تبدو عليهم سيماء الإقتراب من هذه المنطقة المحرّمة منطقة المناداة بمغادرة البشير أو تذويقها بسلوفان (التجديد) , وحول هذه النقطة يبدو جليا تمحور الصراع بين سدنة النظام من عسكريين وأمنيين ورأسماليين وتنفيذيين , وإذا كانت المعايير فيما مضى من سنوات الإستبداد الطويلة تدور حول السبق في الإنضمام للإسلاميين والمساهمة في الإنقلاب والمشاركة في متحركات الجهاد ضد المواطنين المعارضين , فإنّ معايير هذه الفترة صارت , تأييد بقاء البشير رئيسا مدى الحياة أو رفض ذلك . ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما سميت بالحرب ضد الفساد واصطياد القطط السمان , فكانت المحصلة تسويات مالية وتنازل عن أسهم وبنوك ومصانع وغيرها مما حازه إسلاميون في وقت كان للإسلاميين وقع خاص وباسمهم تتم المعيرة قبل انتقالها لمعايير شخصية , ربما يكون من ضمنها في الأيام القادمة (الإستلطاف الرئاسي) لتولي المناصب العامة !!

  على جبهات القتال تبدو صورة قوات الدعم السريع هي المسيطرة على زمام الأمور , ولأن تكوينها الأساس تغلب عليه روح القبيلة والجهة , لا يعوزها التهور في فعل كل شيء غض الطرف عن نتائجه , ويمكن ببساطة أن يقوم بعض أفرادها بحلاقة شعر الشباب في طرقات الخرطوم أو قتل مواطن في ضواحي الأبيض , ولأن قائدها حميدتي لا تشمل سيرته الذاتية انضمامه للحركة الإسلامية في الثانوي أو الجامعة , فهو انضم للسلطة عندما وجدها تحتاجه ووجد فيها تلبية طموحه الشخصي كفارس قبلي , وبعفويته تلك يكشف الأوراق سريعا , خاصة عندما وجد نفسه في بؤرة الضؤ الإعلامي وذاع صيته وصارت صوره تظهر بصحبة البشير ويشار إلى قواته بالاسم في كل خطاب تمجيد للفعل العسكري والأمني . فهو يطالب دول الإتحاد الأوربي بسداد مستحقات نشاطه في لجم الهجرات غير الشرعية لأوربا ويقرن ذلك بطلب رفع العقوبات الأمريكية  عن حكومة السودان , ثم تصريحه المثير عن المكان الطبعي لأحمد هرون , وهو السجن وليس كرسي الوالي حسب تصريحه في قناة سودانية 24لأن هرون (جاب السمعة السيئة لقواته).

 أين الدولة السودانية  الأصلية التي يمكن اصلاحها عبر الإلتحاق بها , ما هي الأدوار والمهام التي يمكن أن ينجزها فصيل مني أركو مناوي أو جناح عقار في الحركة الشعبية , ولا أعني هولاء القادة شخصيا أو أقدح في قيمتهم النضالية العالية , ولكن لابد من النظر إلى ما يفضي إليهم إلتحاقهم بالسلطة الراهنة التي لا تلقي بالا لأي كارثة تصيب الشعب , بل ينصب جل همهما في كيفية السيطرة على الأوضاع الكارثية لكي لا تتطور إلى ثورة غاضبة تنزع السلطة من الأيدي المتشبثة بها , أزمات معيشية وحياتية ووجودية يعيش في ويلاتا ملايين الناس يوميا ولا حلول منطقية يتم تقديمها أو الحديث عنها فقط مجرد تصريحات وفرقعات إعلامية وتهديدات أمنية وتحسّب أمني وشرطي لا غير , فهل انضمام وإلتحاق أي فصيل مقاوم يغيّر من هذه العقلية المتمترسة حول مصالح الذات ؟ بل حتى التوصيف الإعلامي للمعارضين يتم تخفيفه بمصطلح (الممانعين) أي لا قضية ولا وجهة مغايرة يحملها المعارضون , هم فقط ممانعون في الحاق بركب تقدّم , الحوار الوطني وقد انتهى , وثيقة الدوحة طويت صفحاتها وجرى الإستفتاء حول مصير الإقليم , خارطة الطريق تم بلها وشرب أمبيكي مويتها , عبدالواحد يجري تصنيفه إرهابي , والجيش الشعبي عصابة إرهابية كذلك . هذه هي الخلاصات الأخيرة  لما تقدمه السلطة من بنود تفاوض في الدوحة وأديس كلا على حده , فما قول المقبلين على التفاوض ؟ أيبغون تسوية فيها أخذ وعطاء وتنازل ومكسب وخسارة أم أمامهم فقط فرصة وحيدة هي الإلتحاق ؟؟ما هي خياراتهم البديلة لما تطرحه السلطة ؟ هل يصدقون القول أم يلونون الوقائع بما يشتهون من ألوان ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى