أعمدة ومقالات

حقوق الإنسان العالمية واليسار المفقود!

رشا عوض

يشهد العالم اليوم  تراجعا  لليسار  إلى حدود كبيرة عن دوره الأساسي في الحياة السياسية وهو الدفاع عن الحقوق الاقتصادية، والنضال في سبيل  التغيير الاقتصادي والاجتماعي الجذري لصالح نظام يعيد هيكلة الاقتصاد ويحقق التنمية المتوازنة التي تحرر الانسان من استعباد الفقر والبطالة والحرمان من الرعاية الصحية والتعليم والسكن اللائق بالكرامة، وتبني سياسات دولية معززة للسلام والتعاون، وأصبح محصورا في الدفاع عن شق واحد من حقوق الإنسان هو ذلك الشق اللبرالي معزولا عن الحقوق الاقتصادية ومطالب العدالة الاجتماعية وكبح جماح الاستغلال ومقاومة سحق الفقراء والمستضعفين عالميا.

هذا “التراجع اليساري” في ظل التصاعد المتسارع لسياسات “النيولبرالية” بات مشكلة سياسية واجتماعية  في أوروبا وأمريكا ، أما  في عوالمنا الجنوبية  فهو كارثة كبرى!

المأزق العالمي الآن

أهم تجليات المأزق العالمي حاليا هي استشراء وتعمق الفقر بين أغلبية سكان العالم، وفي المقابل تركز الثروات في أيدي قلة من الأثرياء بصورة تعكس خللا أساسيا في النظام الاقتصادي العالمي.

فقد أكد تقرير صدر بداية هذا العام  عن اوكسفام – وهي منظمة بريطانية تنشر تقريراً دورياً حول الفوارق وعدم المساواة فى توزيع الثروة على مستوى العالم – أن  82% من الثروة التى تحقّقت خلال عام 2017 ذهبت إلى جيوب 1% من سكان الأرض! وأن ثروة أغنى 42 شخصاً فى العالم بلغت  1.1 تريليون دولار، وهو ما يعادل إجمالى ممتلكات 3.7 مليار شخص! ولاحظ التقرير اتساع الفجوة بشكل مطرد، ففى العام 2016 كان 61 ثرياً هم من يملكون ما يعادل نصف ثروات العالم، وفى 2009 كان العدد الذي يملك نصف ثروات العالم  380 مليارديراً! ومنذ 2010، ازدادت ثروة هذه «النخبة الاقتصادية» بمعدل 13% سنوياً، أى أكثر بست مرات من معدل ارتفاع أجور العمال فى الفترة نفسها حسب ذات التقرير.

، وشهدت الفترة بين مارس 2016 ومارس 2017 الارتفاع الأكبر فى التاريخ لعدد الأشخاص الذين تتجاوز ثرواتهم المليار دولار، بوتيرة «ملياردير جديد كل يومين»! وحذّرت المنظمة، فى تقريرها من أن «الاقتصاد يجب أن يعمل للجميع، وليس لصالح أقلية غنية فقط»، ودعت إلى تحديد أرباح المساهمين وأصحاب الشركات، وإلى سدّ «الفجوة فى الرواتب» بين الرجال والنساء، ومكافحة التهرّب الضريبى.

هذا المأزق العالمي يطرح سؤالين، الأول: هل يمكن ان يتجه  الغرب الرأسمالي إلى التخلي تدريجيا عن دولة الرفاه   وشبكات الضمان الاجتماعي، وهي الإصلاحات  التي نجحت في الحفاظ على استقراره وقادت لانتصار نموذجه الديمقراطي  في الحرب الباردة، وذلك في إطار التحول إلى  سياسات النيولبرالية(عدم التدخل في توجيه الاقتصاد وعدم الاكتراث لقضايا العدالة الاجتماعية)؟ والسؤال الثاني: لماذا لم يؤدي ابتعاد العالم بشكل مطرد عن العدالة إلى بروز يسار قوي يركز على تحدي سياسات النيولبرالية بشكل حاسم وتكون دائرة اشتغاله الرئيسة هي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؟  لماذا أصبح لزاما على الأحزاب اليسارية في كثير من الدول الاوروبية التخلي عن جوهر توجهاتها الاشتراكية  إن أرادت كسب الانتخابات كما فعل حزب العمال البريطاني مثلا  في برنامجه الانتخابي  عام 1983  والذي شُبه بأنه رسالة انتحار؟

القراءة الخاطئة لنتيجة الحرب الباردة!

الإجابة الصحيحة على السؤالين السابقين تتطلب استخلاص الدرس الصحيح من الحرب الباردة، وهو أن الذي انهزم في المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي هو الاستبداد والدكتاتورية الغليظة والانغلاق الآيدولوجي  الذي اعتقل الماركسية في نموذج التطبيق اللنيني الاستاليني، وفرضية مقايضة الحريات  السياسية والمدنية بالحقوق الاقتصادية، وحبس الشعوب في هذه المقايضة البائسة بالحديد والنار والأسلاك الشائكة في ظل دولة بوليسية قمعية مارست على مواطنيها أسوأ أنواع  القهر والتعذيب ! فهذا النموذج انهزم لأنه غير مؤهل للانتصار بسبب إهداره لقيمة الحرية التي بدونها تصاب المجتمعات والشعوب والدول بفقدان المناعة السياسية الضرورية للبقاء والتطور.

ولكن قضية “العدالة الاجتماعية” ستظل حية وتشكل على الدوام التحدي الأخلاقي والسياسي والاقتصادي  الأكبر.

القراءة الخاطئة لنتيجة الحرب الباردة هي افتراض ان “العدالة الاجتماعية” هي شبح قُبر تحت أنقاض سور برلين! وان العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي يشكل جزء من “الشرعة الدولية” لحقوق الإنسان أصبح نصا منسوخا لا مكان له من التطبيق الآن، وأن الإصلاحات  التي نجح “الفكر الاشتراكي” في تطبيقها على  أوروبا الغربية بشكل ديمقراطي وكان من ثمارها “دولة الرفاه” ونظام الضمان الاجتماعي ورعاية الشرائح الضعيفة هي أعباء آن الأوان للتخلص منها بأسرع ما تيسر.

هذه القراءة الخاطئة هي وقود سياسات “النيولبرالية” المتصاعدة بقوة الآن، وفي حال عدم مقاومتها سوف يدخل العالم إلى نفق مظلم.

ربما يكون العاصم من هذا النفق المظلم في اوروبا هو رسوخ النظام الديمقراطي، وحرية التعبير والتنظيم والبحث العلمي، وحيوية الفكر النقدي، باختصار طبيعة التجربة الديمقراطية ومن أهم خصائصها الانفتاح المستمر على إمكانيات التصحيح، وأن أي تحولات جذرية في السياسة والاقتصاد تظل رهينة لإرادة الناخبين، وهذه الإرادة هي التي حرست مكتسبات “دولة الرفاه” حتى الآن. وربما يكون صعود اليمين الشعبوي الآن في أمريكا وأوروبا مؤقتا، وربما يكون عاملا محفزا لنهضة جديدة لليسار هناك.

ولكن المتفق عليه الآن هو وجود حالة اضطراب سياسي،أدت  لصعود اليمين الشعبوي، وهذا  تراجع فكري وأخلاقي تسبب فيه ضعف اليسار وانحساره.

اليسار المفقود في السودان

تتلخص  أزمة اليسار السوداني بكل فروعه(الحزب الشيوعي والأحزاب القومية العربية) في أنه غير ديمقراطي (بحكم منطلقاته الفكرية)، متكلس أيدولوجيا، ومعزول جماهيريا بسبب عوامل دينية وثقافية في البيئة الاجتماعية، ومحاصر محليا وإقليميا بعداء اليمين الديني التقليدي، وهناك متغيرات دولية ساهمت بشكل مباشر في إضعافه على رأسها انهيار نماذجه المرجعية(تفكك  الاتحاد السوفيتي ثم انهيار مشروع القومية العربية في نسختيه البعثية والناصرية)، وأخيرا موجة صعود خطاب الهويات الإثنية والدينية حتى في الدول المتقدمة ذات الديمقراطيات الراسخة، وهي الموجة التي تغمر السودان ومحيطه الإقليمي حاليا بصورة أكثر كارثية بحكم التخلف وغياب الكوابح الفكرية والمؤسسية.

أين توجد التأثيرات الملموسة لليسار السوداني اليوم؟

انتقلت فاعلية اليساريين السودانيين بشكل كبير إلى منظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال حقوق الإنسان، ومن خلال متابعة الحراك الحقوقي والخطاب المرتبط به وتقييم مستوى النجاح الذي حققه نستطيع الجزم بأن حقوق الإنسان في السودان تفتقد بشدة “اليسار السياسي” المصادم بكفاءة في معركة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بما  ان المعلوم بالضرورة من ثقافة حقوق الإنسان هو الشمول وعدم القابلية للتجزئة، فلا بد من البحث عن البيئة  الملائمة لبذر بذرة حقوق الإنسان ثم نموها نموا طبيعيا وازدهارها ، ومن أهم شروط هذه البيئة القضاء على الجوع والعطش والأوبئة والأمية، باختصار تحقيق الشروط الابتدائية لوجود الإنسان نفسه بشكل يؤهله لفهم واستيعاب حقوقه ويؤهله للاستمتاع بها!

والسودان يفتقر لهذه البيئة إلى حد كبير، ولذلك فإن خطاب حقوق الإنسان المعياري النظري على أهميته، يظل شيئا طافيا على السطح لغياب  الشروط الموضوعية لنجاحه.

مشروع حقوق الإنسان في السودان الرازح الآن تحت نظام اقتصادي غير قابل للتصنيف بالمعايير العالمية، وهو أكثر وحشية من اي نمط رأسمالي أو حتى نيولبرالي لأنه واقع في قبضة استبداد أرعن متحرر من اي ضوابط قانونية أو أخلاقية، يحتاج هذا المشروع بإلحاح إلى مشروع تغيير سياسي مقترن بتغيير اقتصادي اجتماعي ملتزم بتحقيق العدالة الاجتماعية.

ومثل هذا المشروع يحتاج إلى يسار ديمقراطي يكون قادرا على كسب المشروعية السياسية والثقافية في المجتمع، وقادرا على اجتراح حلول واقعية للمعضلات الاقتصادية السودانية وابتداع نموذج ملائم للتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية عبر توطين “السوق الاجتماعي” الذي يتيح للدولة التدخل في توجيه الاقتصاد لتحقيق أهداف معينة دون إلغاء لدور القطاع الخاص وهو نمط اقتصادي له قصص نجاح كبيرة،  والاستفادة منه تتطلب قدرات معرفية وخبرات نوعية في التعامل مع ما هو متاح من فرص محليا وعالميا وحسن استثمارها لصالح الرفاه العام.

سبعون عاما مضت على توقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان! وما زالت هذه الحقوق تعاني من غربة موحشة في عوالمنا، ولكي تتحول هذه الحقوق إلى واقع معاش فإنها تحتاج إلى إرادة سياسية نافذة واستعداد لدفع الاستحقاقات المادية لذلك من قبل الصغار والكبار في هذا العالم على حد سواء.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى