تقارير وتحقيقات

لغز الدبلوماسية الرئاسية …ما هو “العائد الخفي” من جولات البشير؟

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

الخرطوم-شوقي عبد العظيم

سنتان من الزيارات المتبادلة بين السودان وبيلاروسيا على مستوى رؤساء البلدين، آخرهما كانت زيارة عمر البشير إلى مينسك الأسبوع الماضي، غير أن كل هذا الوقت ولا شيء سوى الدباجة التي باتت محفوظة، والتي تتردد كلما زار البشير بلدا من البلدان المسموح له بالسفر إليها، والعبارة المعلومة لديكم ” الزيارة أكدت على تعزيز التعاون المشترك، وخاصة في المجال الاقتصادي، وتم التوقيع على عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والصناعية ، التي ستعود بالنفع على البلدين”.

لوكاشينكو …المنقذ

بطريقة مدراء الشركات التجارية، و الإعلانات التلفزيونية، خاطب الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، أعضاء “البرلمان” في السودان، أبان زيارته للخرطوم مطلع عام 2017،  موحيا لهم و للسودانيين أنه المنقذ لبلادهم من أزمتها و تراجعها الاقتصادي، وقال ” عليكم أن تعلموا أن رئيس بيلاروسيا ليس كرئيس الولايات المتحدة، ما يعد به يفي به” ولم يخذله أعضاء البرلمان الذين تجاوبوا مع عبارته بتصفيق حاد، ليمضي قدما ويقول لوكاشينكو ” سنجعل عملنا معكم أكثر من عملكم مع موسكو وبكين” مع أن اقتصاد بلاده مقارنة مع اقتصاد أي واحدة من البلدان الثلاث التي استشهد بها ضئيل ومتواضع.

وبعد أن انتقد ألكنسدر بطء حركة السودانيين،  وابدى دهشته من فقر بلد ينتج  80 طنا من الذهب سنويا وبه مليون رأس من الماشية، قال أنه اتفق مع البشير على تشييد مصنعين لإنتاج اللحوم ، لتحقيق الاكتفاء المحلي وتصدير فائض إنتاجهم إلى أفريقيا.

ولم تنتهي الوعود عند ذلك الحد، و ابدى استعداده لإنشاء مصانع للجرارات والشاحنات والسيارات ومصانع الأدوية وتشييد قمر صناعي، كل ذلك دفعة واحدة، وقال مخاطبا أعضاء البرلمان، دون أن يتخلى عن الطريقة الاستعراضية ” لو أنكم تحتاجون لهذا قولوا ذلك، نستطيع أن نبني مثل هذه المصانع هنا، كل ما تودون إنشاءه سننشئه لكم”

وبعد مغادرته مطار الخرطوم، ترددت العبارة ” الزيارة أكدت على تعزيز التعاون المشترك، وخاصة في المجال الاقتصادي، وتوقيع عدد من الاتفاقيات……..ألخ” و سوف تتردد أيضا في مطار الخرطوم عند عودة البشير قادما من بيلاروسيا.

ومعلوم أن السودان لم يطلق قمرا صناعيا بمعاونة بيلاروسيا، ولم يكتفي من اللحوم، حيث لم يشيد أيا من المصنعين، و في الواقع يعيش أزمة طاحنة في الدواء ، وربما حال تحقق ما وعد به ألسكندر قبل عام في تصنيع وتصدير الدواء لعمل على تخفيف الأزمة قليلا.

سفارة في خضم الأزمة

إن كان هناك ثمة اختلاف في زيارة البشير الأخيرة إلى بيلاروسيا، فهي افتتاح سفارة السودان في العاصمة ممنيسك، وكلما ذكر اغلاق أو افتتاح سفارة، تذكر الناس إبراهيم غندور وزير الخارجية السابق، الذي انتابته نوبة من نوبات الشفافية، كشف فيها عن أوضاع متردية تعيشها وزارة الخارجية، وخاصة في ميزانيتها واوضاعها الاقتصادية، ورسم حالة بائسة للدبلوماسية تسندها الحقائق عندما قال أنهم عاجزون عن سداد رواتب الدبلوماسيين لستة أشهر مضت وتلاحقهم بلدان عديدة لسداد متأخرات العقارات التي تقيم فيها السفارات التي تراكمت لسنوات، نوبة الشفافية كلفت غندور منصبه.

المفارقة، وفي اليوم التالي لافتتاح البشير للسفارة في منيسك، نشرت صحيفة التيار في عددها الصادر أمس الأول  أن أزمة رواتب الدبلوماسيين عادت من جديد، وأن هنالك من لم يتسلموا رواتبهم لستة أشهر.

بيلاروسيا والصين والقطط السمان

مؤكد لا تقتصر علاقات الدول، على التعاون الاقتصادي والمنح المالية والتجارية، وإن كانت تستند على مبدأ المصالح أولا وأخيرا، ولكن في حالة السودان الذي تفاقمت فيه الأزمة الاقتصادية للحد البعيد، لتصبح في أول الأجندة، إن لم تكن الأجندة الوحيدة، لا ينظر إلى تحركات البشير، إلا على أنها في إطار إيجاد حلول ومخارج من الأزمة الاقتصادية، و لا يتأخر الإعلام الرسمي في الترويج لذلك، غير أن تحركات الرئيس في إطار ما يعرف بالدبلوماسية الرئاسية، باتت تسفر عن نجاحات متواضعة.

في آخر زيارة للصين، التي أطلق عليها الإعلام الرسمي “زيارة المكاسب الكبيرة”،  ومشاركة البشير في المنتدى الأفريقي الصيني، وبحسب أنها الشريك التجاري الأكبر، إلا أن كلما تحقق، لم يتعدى موافقة الحكومة الصينية لا على اعفاء ديونها على السودان ولكن فقط على التفكير على جدولة ديونها من جديد، وبجانب الوعود الدبلوماسية منحت الصين السودان (88) مليون دولار للمساهمة في حل الأزمة الاقتصادية، والجدير بالذكر أن الرئيس الصيني خلال المنتدى أعلن عن مشروعات صينية بميزانيات ضخمة لأفريقيا لم يكن للسودان منها نصيب يذكر.

وكذلك ما يعد في خانة الجديد، وانجازات الدبلوماسية الرئاسية، الغرض الذي قدمته بيلاروسيا للسودان بقيمة 250 مليون دولار، إلا أن في رأي كثيرين أنه مبلغ ضئيل جدا ولن يكون له أثر في معالجة الأزمة القائمة.

وعلى رأي كثيرين، أن حاصل جمع المبلغين الصيني والبيلاروسي، سنجده أقل بكثير من ثروة واحد من أعضاء المؤتمر الوطني الذين تم توقيفهم في حملة القطط السمان، ومثال لذلك فضل محمد خير الذي تجاوز مبلغ التسوية لإطلاق سراحه (70) مليون دولار ما يعادل أقل من (10%) من ثروته

السعودية …لو نعرف السر

ربما مصطلح الدبلوماسية الرئاسية نفسه تم صكه، لرفع الحرج عن مؤسسة الرئاسة التي لم تستنكف فتح خط مباشر مع المملكة العربية السعودية، بعيدا عن وزارة الخارجية،  في عهد مدير مكاتب الرئيس المتهم بالتخابر طه الحسين، وأسفرت هذه العلاقة المباشرة في قطع العلاقة مع إيران ومشاركة السودان في عاصفة الحزم، و في السنوات الماضية، وحتى عام 2017، كانت السعودية البلد الذي أكثر استقبالا للبشير، وزارها في عام واحد خمس مرات، دون أن يتطلب ذلك زيارة أي مسؤول سعودي في مقام الرئيس السوداني.

إلا أن هذه الزيارات توقفت بطريقة مفاجئة، ولم يشهد هذا العام سوى زيارة يتيمة للسعودية، لمناقشة قضايا مشتركة في مقدمتها الجنود السودانيين في اليمن، بجانب مشاركة البشير في القمة العربية في الدمام .

و تشهد علاقة البلدين تبدلا مفاجئا لا يعرف سره أحد، ورغم مشاركة السودان في عاصفة الحزم بعدد كبير من الجنود، الأمر الذي يستوجب علاقات دبلوماسية ممتازة، ولكن الشواهد تقول غير ذلك.

من بين هذه الشواهد، اتهام مدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق صلاح قوش للسفير والمخابرات السعودية، بسعيها وتجنيد صحفيين ليتخابروا لصالحها ضد السودان، ووصل الأمر إلى استدعاء الصحفيين والتحقيق معهم، و قال قوش ” قلنا للصحفيين السافروا للسعودية الماشين فيهو ده تجنيد”

ومن الشواهد أيضا، لا مبالاة السعودية بالأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها السودان، وبالذات أزمة الوقود الذي تعد أكبر منتجيه ومصدريه في العالم، و قطعا المساهمة في حلها لا يكلف الكثير بالنسبة لها، وخاصة أنها قد تتسبب في نهاية حكم الرجل الذي دفع بجنوده لحماية أرضها حال نأت بنفسها عن التدخل للحل.

محطات هامة

الملاحظة الهامة، بعد التدقيق في قائمة في زيارات البشير الخارجية في عام 2018 الذي يلوح بالوداع هذه الأيام، أنها خلت من زيارة لقطر، وبالذات إذا قرنا ذلك بالضمور الغامض في العلاقة مع السعودية قائدة المعسكر المعادي للدوحة، كما أن البشير زار الدوحة في أوج الأزمة الخليجية العام الماضي في حين أنه لم يزرها هذه السنة .

حصلت إثيوبيا هذا العام على عدد الزيارات الأكبر، ولم يفوت البشير مناسبة لزيارتها، إن كانت تتعلق باجتماعات القمة الأفريقية أو اجتماعات الإيقاد أو احتفالات يوم الشعب الأثيوبي، وزارها البشير في أقل من شهر مرتين،  وافتتح فيها مركزا ثقافيا باسمه في مدينة جيما

إما الجارة مصر و كما جرت العادة تساهم زيارات الرؤساء إليها في تخفيف حدة التوتر وحلحلة المشاكل الناجمة عن هذه التوترات، إلا أنها سرعان ما تعود من جديد، وزارها البشير خلال هذا العام مرتين، وفي الزيارة الأخيرة أفرج عن المنتجات المصرية التي كانت محظورة بأمر من وزارة الصحة وهيئة المواصفات.

موسكو كانت من المحطات الهامة التي زارها البشير، وإن تداخلت مع دعوات لحضور نهائيات كأس العالم، إلا أن الزيارة مثلت تحديا قويا من البشير للمحكمة الجنائية الدولية، وفرصة نادرة لم تتحقق منذ عشر سنوات، أن يشهد المشير احتفالا يشارك فيه رؤساء دول أوروبية ودول موقعة على ميثاق روما

إلا أن المصالح المتحققة من ذلك لم تتعدى مشاورات ونصائح من خبراء روس للحكومة السودانية للخروج من الأزمة الاقتصادية، والتي يتوقع أن تتسبب في مشاكل كبيرة للسودان.

كما شارك البشير خلال هذا العام في حفل تنصيب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وصحب البشير للحفل عدد من الوزراء، و حث البشير وزير الاقتصاد التركي على الإسراع في فتح بنك زراعات التركي المتخصص في التمويل الزراعي في السودان، إلا أن ذلك لم يحدث، وبالمقابل حصلت تركيا على أراضي شاسعة في السودان، طرحتها لرجال الأعمال الاتراك لاستثمارها لتحصل على فوائدها.

وعلى حد رأي دبلوماسيين فإن التقارب السوداني الروسي والتركي، كانت له ظلال كثيفة على علاقات السودان مع بعض الدول، من بينها أمريكا ودول الخليج وربما تستمر هذه الظلال إلى وقت طويل.

هل فقدت الانقاذ حرفتها؟

نجحت الإنقاذ، منذ أن وقع الانقلاب، في اللعب على التناقضات الدبلوماسية، والخروج من أزماتها عبر تسويق نفسها لأحد الأطراف المتصارعة، العقيد معمر القذافي كان أول الداعمين في أيام العشرة الأولى، بالمال والوقود والسلاح، متحديا تشكك السعودية وعدد من دول الخليج في الانقلابيين الجدد، و يذكر الناس منظر القذافي وهو يقود البلدوزر بنفسه لهدم حائط سجن كوبر بعد أن أوهمه تلاميذ الترابي بأنهم اعتنقوا مذهبه، ولم يتأخروا في تأسيس اللجان الشعبية في السودان تأسيا بالجان الشعبية في ليبيا، غير أن البشير لم يتحرج في أن يعلن دعمه لثوار ليبيا لقتل الداعم الأول .

صدام حسين، لم يبخل بالدعم وبالذات بعد أن هتف الإسلاميون في شوارع الخرطوم، صدم صدم يا صدام بالكيماوي يا صدام، بعد اجتاحت قواته الكويت وشرد أهلها، قدم صدام أيضا المال والوقود والسلاح، بعد معركة بغداد، لم تجد الانقاذ حرجا في إشهار وجود الحوزات الإيرانية في أحياء الخرطوم وربوع السودان الشاسع، وكان للدعم الإيراني أثر واضح في الدفاع عن دولة الانقاذ.

صراع آخر جنت منه الانقاذ ثمارا هنية، و هو الصراع الدبلوماسي التجاري بين الصين وأمريكا والصين والعالم الأول، والذي أسفر عن خروج النفط من باطن الأرض، في ظل عقوبات أمريكية، وليس بعيدا عن ذلك كان لابد من أن تجد أمريكا والعالم الأول، دورا في ما يجري، فكان اتفاق السلام، وإعمار الجنوب، و مؤتمرات المانحين.

بعد الانفصال، وآخر أموال النفط التي تبددت، ظهر الصراع الخليجي المعلن والمكتوم، فكان للدبلوماسية نصيب من الأزمة، وتجلى في جيش يقاتل وجنود يلاقون ربهم في جيزان والحديدة وصنعاء وتعز

اليوم، الأزمة الاقتصادية تسيطر على المشهد، وسيناريوهات الفوضى والانهيار لم تعد مستحيلة الدبلوماسية الرئاسية لم تجدي فتيلا، الصين فتر حماسها، الخليج العربي بكل تناقضاته وصراعاته يجلس على مقصورة المتفرجين، تصريحات المسئولين المتناقضة في آخر المطاف تجعل من السودان بضاعة كاسدة ” ليس لدينا علاقة بالحركة الإسلامية ” و” نحن حركة إسلامية كاملة الدسم” .

حلفاء الدبلوماسية الجدد، أقل من الأزمة بكثير، روسيا تسعى لتحقيق نفوذها في أفريقيا بتكاليف زهيدة في ظل الأزمة الخانقة، وتقدم قليلا من الدعم وكثير من الخبراء والرجال على الأرض، بالأمس قالت أعفي جزء من الديون مقابل تسهيلات.

الدبلوماسية الرئاسية، تجهد نفسها بلا نتائج، والجنيه السوداني يفقد في ثلاثة أشهر ثلثي قيمته، و طوابير الخبز تتعاظم، وشبح الجوع يفزع الجميع، وصفوف العربات تمتد إلى ما لانهاية ، وأزمة الكاش تدفع الناس إلى الجنون، هل فقدت الانقاذ حرفتها؟

من “التغيير” : أسئلة تبحث عن إجابة!

أمام هذا الحصاد المتواضع جدا “للدبلوماسية الرئاسية” بحسابات المصالح الوطنية وعلى رأسها المكاسب الاقتصادية يبرز السؤال عن “العائدات الخفية” من اللعب على المحاور الإقليمية والدولية، ومن الشروع في تقوية  العلاقات مع دول مثل بيلاروسيا الدولة الحليفة  لجمهورية روسيا الاتحادية إذ تتماهى معها تقريبا في العلاقات الخارجية، هل تنحصر جدوى هذه العلاقات في تأمين استمرار نظام البشير في السلطة؟ وفي هذا الإطار هل هناك صفقات وأرباح مادية مخفية عن الرأي العام لا تجد طريقها إلى مؤسسات الدولة؟ وما هي الجهة التي تهندس مثل هذه العلاقات وما هو موقع “المصلحة الوطنية العليا” للسودان من كل ذلك؟ وهذا سؤال يلازم بإلحاح كل صفقة جديدة لبيع أو تأجير أراضي زراعية شاسعة  أو موانيء بحرية أو تصفية ممتلكات قومية كالخطوط الجوية أو البحرية، لا سيما أن السودان مصنف ضمن الدول الأكثر فسادا وانعداما للشفافية على مستوى العالم حسب مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية العالمية.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى