أعمدة ومقالات

فيديو إهانة النساء.. بذاءة عابرة أم مخطط أمني؟!

رشا عوض

عندما بدأت بعض المظاهرات في عدد من أحياء العاصمة والأقاليم في الأيام القليلة الماضية انتشر مقطع فيديو يظهر فيه أحد ذوي العاهات الفكرية والأخلاقية وهو يحمل سلاحا ويهدد كل من يدعو إلى الخروج إلى الشارع ويتوعد المتظاهرين  بفجاجة ذكورية: ” الراجل يطلع الشارع والله لو ما خليناهو زي أخته ما يكون البشير جايبنا” ” اطلعوا بس كان ما لبستو تياب وبقيتو نسوان”!!، في اليوم التالي انتشر فيديو يظهر ذات الشخص تبدو عليه آثار تعذيب وهو يئن ويقول أنا مرة (أنا امرأة) وأنا مؤتمر وطني جبان!!

وتداول البعض الفيديو الثاني بفرح وكأنه يمثل نصرا ورد شرف واعتبار “للرجولة السودانية” التي جرحها وأهانها الفيديو الأول!

والمؤسف أن الإهانة الغليظة التي تضمنها الفيديو الأول والثاني لجنس النساء لم تستوقف أحدا من المسرورين بالفيديو الثاني! ولا أدري عن أي تغيير نتحدث عندما يكون من مسلَّماتنا أن النساء هن الجنس الأدنى وأبلغ إهانة للرجل هي الهبوط به من علياء الرجال إلى أوحال ودنس النساء! وأن أوجع طرائق التعذيب المعنوي  لرجل هي إجباره على أن يقول أنا امرأة!! لأن مفردة “امرأة”  أقبح كلمة في قاموس الشتائم !

والموجع حقا أن مجرد الاعتراض على مثل هذه الغثاثة يستقبله كثيرون بالسخرية على أساس أنه تنطع وحساسية مفرطة ومزعجة!! وكأنما المطلوب من النساء التطبيع الكامل مع هذه الثقافة الذكورية وقبول فكرة ان يستخدم الرجال مفردات “امرأة ونسوان وفتيات”  للتشاتم  فيما بينهم !!

وعن أي تغيير نتحدث ونحن نستبيح التعذيب واستخدام القوة للانتقام والتشفي بعيدا عن أي  قانون أو عدالة أو اعتبار لمبادئ حقوق الإنسان التي يجب ان لا تستثني أحدا حتى المجرمين والإرهابيين!!

خطورة  هذين الفيديوهين لا تنحصر في الذكورية الفجة وخطاب البلطجة والإرهاب والاستفزاز، فكل ذلك جزء لا يتجزأ من منهج “النظام” وخطابه خصوصا في أوقات تصاعد الأزمات واحتقان الشارع.

بل تتمثل المأساة الحقيقية في أن بعض المتحمسين للتغيير كثيرا ما يقعون في فخاخ من الراجح ان تكون صناعة أمنية بامتياز! ولا أستبعد ان هذين الفيديوهين(الأول والثاني) من إعداد وترويج أجهزة النظام، بهدف  إلهاء الرأي العام بمعارك وانتصارات وهمية!

فما هو الجديد فيما قاله ذلك المعتوه الذي ظهر في الفيديو؟ أليست قيادات النظام بمن فيها البشير نفسه لا تترفع عن خطاب التهديد والوعيد  والبلطجة السياسية ولهم في ذلك صولات وجولات؟! أليس من البداهات التي يعلمها كل سوداني  أن هذا النظام يحكم بالقوة العارية ويواجه من يخرجون إلى الشارع بالسلاح وفي احتجاجات سبتمبر قبل خمس سنوات قتل أكثر من 200 متظاهر!! وهل يخفى على “قوى التغيير” أن أي مواجهة مع النظام لن تكون مجانية وسوف تترتب عليها خسائر؟ فما معنى القبض على المعتوه الذي ردد كالببغاء نفس تهديدات البشير ونافع وحميدتي – مع زيادة في جرعة البذاءة والانحطاط- وضربه وتعذيبه وتصوير ذلك كانتصار عظيم وفتح مبين!

رد الاعتبار الحقيقي للشعب السوداني والثأر لكرامته لن يتحقق  إلا عبر الانخراط في “المعركة الكبرى” ببسالة وشرف وهي تحدي عمالقة الإنقاذ وليس أقزامها، بالخروج إلى الشارع وتصعيد المقاومة حتى النصر!

“مقاومة الإنقاذ” لا بد أن تتم بوسائل مختلفة نوعيا عن “وسائل الإنقاذ”!

اختطاف رجل نكرة وتصويره بالفيديو مضروبا معذبا مذلولا يردد بالإكراه عبارات “انا مرة وأنا مؤتمر وطني جبان” بلطجة دنيئة لا تليق بقوى التغيير، وإدانتها والتبرؤ منها فرض عين على كل مواطن سوداني كبير العقل والنفس، مترفع على الصغائر،  منحاز لحقوق الإنسان ويناضل في سبيل إقامة دولة العدالة وسيادة حكم القانون.

أسئلة لأجهزة الأمن والشرطة:

من هو الرجل الذي ظهر في الفيديو يهدد ويتوعد؟ إلى اي القوى النظامية ينتمي؟ وما هي الصفة الرسمية التي تؤهله لقول ما قاله؟ وما هي الجهة التي أعطته الضوء الأخضر ليفعل ذلك؟ ولماذا لم تحميه؟ أم أنه تصرف هكذا من تلقاء نفسه؟ وفي هذه الحالة أليس من واجب الشرطة القبض عليه؟

ومن هم الذين قبضوا عليه وعذبوه؟ هل فتح بلاغا ضدهم؟ ما هو مكان كل هذا العبث من قوانين النظام نفسها؟ ألم تقبض الشرطة على الفنانة منى مجدي سليم  بسبب ظهورها في صور متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي وهي ترتدي زيا قالوا انه فاضح؟ لماذا لم يقبضوا على رجل نصب نفسه متحدثا رسميا باسم الدولة وبث خطابا فاضحا لا يسمح به إلا نظام فاضح ومفضوح؟ لماذا لم يقبضوا على من ارتكبوا جريمة تعذيب مواطن وبثوها في مواقع التواصل الاجتماعي؟!

دون الإجابة على هذه الأسئلة، سيكون الراجح هو ان الأمر برمته صناعة أمنية في إطار عملية التلويث الممنهج للمناخ السياسي، وتكريس الهبوط والابتذال.

 

تعليق واحد

  1. لا فض فوك. أود الإشارة إلى أن ما حدث في الفيديو الثاني يمثل الثقافة السائدة بغض النظر عن من بثه (الأمن أو خلافه). وعلى الإسلاميين أن يحصدوا ما زرعوه لأنهم سيشربون من نفس الكأس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى