أعمدة ومقالات

 هبة ديسمبر السودانية… فلتحذر منقار النسر

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

فايز الشيخ السليك

ليس من السهل قراءة تعقيدات المشهد السياسي، والتنبؤ بسيناريوهاته المحتملة، وبالطبع فإن مدة ثلاثين عاماً هي حكم المشير عمر البشير، ليست فترة قصيرة بمقاييس أعمار البشر، مع أنها لا تسوي شيئاً في مقاييس الأمم وعبر التاريخ الممتدة منذ خلق الكون. ومع أن للسودانيين خبرة كبيرة وتجارب ملهمة في مواجهة الأنظمة العسكرية؛ إلا أن فترة حكم البشير تطاولت، بل بلغ الأمر أن دب اليأس في نفوس كثيرين، وعاش البعض حالة لا مبالاة، وفضل ملايين اختيار الخلاص الفردي هجرةً واختيار أوطان بديلة جاهزة ومريحة، أو اغتراب لا ينتهي.

وساهم هذا الواقع في اثارة تساؤلات قلقة  قبل حدوث الهبة الشعبية الكبيرة التي اندلعت في مدن السودان ، حيث بدأت المدن تتساقط شعبياً على طريقة ” قطع الدومينو” مما أربك حسابات الأجهزة الأمنية.  و قبل الخوض في تفاصيل ما هو آتٍ في مقبل الأيام، أشير إلى وجود حقيقة تسقط كثيرا من حساباتنا، وهي أن الشعوب السودانية لم تستسلم يوماً واحداً لنظام البشير، بل فأنَّ  المقاومة بدأت منذ اليوم الأول، فالحرب في جنوب السودان بقيادة الراحل دكتور جون قرنق لم تتوقف إلى في عام ٢٠٠٥ باتفاق السلام الشامل، و كانت قد تمددت  شرقاً في منتصف التسعينات بدخول لاعبين جدد، ثم اشتعلت في دارفور في عام ٢٠٠٣.  أما؛ فيما يلي الشق المدني، فأن المقاومة لم تخمد جذوتها برغم ما ظل يصيبها من حالات مدٍ وجزر، منذ أن بدأت بأضراب الأطباء، و دخلت جامعة الخرطوم على خط المواجهة في ديسمبر ١٩٨٩، وقدمت ثلاثة شهداء هم بشير، التاية ، وسليم ، ثم لحقهم الطالب طارق محمد إبراهيم.، بعد عامين. ويضاف إلى ذلك حركة ضباط أبريل ١٩٩٠

و من الطبيعي مرور المقاومة المدنية بحالات اعياء نتيجة فقدها ما كان  يمثل لها دماً وأوكسجين، بعد تبني الحكومة  سياسات ” التمكين” وحل النقابات والاتحادات المهنية والنقابية، وتبديلها بنقابات المنشأة ، ثم أعقب ذلك عملية تجريف كبير للطبقة الوسطى، رافعة التغيير في الثورات السودانية – ابريل ١٩٨٥ وأكتوبر ١٩٦٤ – وحدوث نزيف حاد للعقول بهجرة عشرات الآلاف من  المثقفين وكوادر المعارضة النشطة إلى خارج السودان في أولى موجات النزوح التي ضربت ليصبح السودان  منطقة  غير قابلة للحياة الإنسانية الكريمة.

لقد ظلت حركة المقاومة تنهض من حين إلى آخر، تتصاعد وتتمدد وتتراكم، وتلتقي وتتقاطع أحياناً مع العمل السياسي والعسكري المعارض الذي كان يتزعمه ” التجمع الوطني الديموقراطي، ويذكر التاريخ القريب حركة الطلاب في الجامعات والمواقف الاحتجاجية المتبعثرة من هنا وهناك، ومقاومة قانون النظام العام وهبة يوليو ٢٠١٢ و انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣، والذي تلقت فيه موجة التظاهر لطمات عنيفة كان ضحيتها حوالي ٢٠٠ شهيداً برصاص قناصة الخطة (ب) التي أقر بها المشير عمر البشير في حوار مع صحيفة ” عكاظ ” السعودية في الحادي والعشرين من أكتوبر من نفس العام، حيث قال ” عندما وجدنا أن العمل تطور إلى عمل تخريبي وتدمير، تم تطبيق «الخطة ب»

حركة مد وجزر المقاومة

 

في مقاربة مع الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة نجد أن عهدي نميري، وعبود، مثلت انقلابات طغى فيها الأفراد على المؤسسات التي  بقيت دون مساس بها؛ بل احتفظت بروح ” مستقلة” لا تخلو من ” وجود كفاءات وطنية، بينما  أفقدت الإنقاذ الدولة ملامحها بعد عملية اختطاف،  جعلت  الرجل هو الدولة، مع أنه يحكم بمساعدة آخرين، في وقت يمثل فيه هو محور تماسك وصراعات للمحيطين به من أصحاب النفوذ والمصالح، ليظل  حاكماً متحكماً، يترك الآخرين يتحركون في مسارات أفقية تتصارع فيما بينها؛ دون أن تنهض رأسياً تهديداً لعرشه.

وتكونت هذه المراكز نتيجة الولاء والتبعية للحركة الإسلامية  بعد اعلان سياسة  التمكين، وتبني أطروحات اقتصادية متوحشة خلقت طبقة اقتصادية جديدة، شكلت شبكة مصالح أعمدتها الدين، القبيلة، والجهة، فصنعت مركزاً تتصارع نخبه فيما بينها وتتحالف  ضد الهامش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وما يميز الشبكة أنها مجموعة أصحاب أموال نشأت من ريع الدولة مباشرةً ، أو عبر أنشطة السمسرة، والتجارة والاعفاءات الجمركية، وعمولات الشركات الأجنبية للحصول على امتيازات أو أراضٍ بلا مقابل للمجتمع، فتخلق دولة مثل جمهوريات الموز في أمريكا الجنوبية، وشملت الأنشطة غسيل الأموال وتجارة السلاح والمخدرات.  وكان من البديهي أن تكون علاقة هذه الطبقة الجديدة مع الدولة علاقة تزاوج بني على مصالح مشتركة، حماية مقابل دفاع، امتيازات مقابل ولاء، لذلك تسعى مثل هذه الشبكات الوقوف ضد أي تغيير سياسي، أو حتى تعديل في السياسات الاقتصادية العامة يحد من تمددها ويخصم من امتيازاتها.

أما بقية خلق الله من السودانيين؛ فقرر النظام أعادة صوغهم، واجبارهم على البقاء قسرياً على هامش شبكة المصالح، لتصبح غالبية السودانيين ترزح في أغلال فقرٍ ويحيطها النظام في بممارسات ذلٍ،. وهدف مشروع النظام ( الحضاري) إلى تحويل شرائح كبيرة إلى ” تروس” في ماكينة الإنقاذ.

ولأن تالك الشبكات المتحكمة في البلاد كانت شحيحة النفس، قصيرة النظر، ضيقة الأفق فقد قضت على أخضر النفط، وأهدرت موارد الدولة التي أصبحت دولةً تتسول غذائها بين الأمم، وتتبارى في التبضع في الأزمات المحيطة بالتقلب بين المحاور على حسب ما يدفع المحور المضاد. فانعكس ذلك على وصول غالبية السودانيين الى حال مسغبة، ووقفات إذلال صفوف الاحتياجات الضرورية للحياة.  ونتيجة هذا الشح كان بالضرورة أن تنسد النوافذ أمام أي رياح اصلاحية، وأن يجد النظام نفسه أمام طرقٍ مغلقة لا تؤدي إلى خروج. وأن النتيجة المنطقية إحساس المواطن السوداني بذله، وارتفاع نسبة الوعي بين المواطنين وادركه أسباب بؤسه، فكان لا بد من هبة غاضبة حين وجد المواطن أنه لا يملك شيئاً يخسره، وليس أمامه إلا النهوض لمقاومة جلاديه،  والانتصار لكرامته الإنسانية، ولسان حالهم لا  تسقني كأس المر بمذلةً، لأنه ليس هناك كؤوس عزٍ،  فكانت  الصرخة مدويةً والهبة مجلجلةً هزت زلزلتها عرش الطاغية.

 

هل هي الأخيرة؟

 

ليس من قدرة أحد التكهن بإجابة قاطعة على هذا السؤال، فالثورات ليست محكومة بمواقيت، بل هي حركة تصاعد وانحسار، مدٍ وجزر، تقدم وتأخر وفق عوامل ذاتية مرتبط باستعداد الجماهير، حشدها وتنظيمها وقيادتها، والشعارات التي تطلقها،  وتقاطع   ذلك مع عوامل موضوعية مرتبطة بطبيعة النظام ووسائله الدفاعية، ومكوناته الداخلية ودرجة انسجامها أو تشاكسها، و ما يربطها من عوامل خارجية إقليمية ودولية. ومع أن القراءات الأولية ترشح تصاعد المد الجماهيري، إلأ أن  عدة سيناريوهات تظل محتملة ولو نظرياً.

انقلاب القصر وعملية تجديد منقار النسر

ليس ثمة شكوك في أن عرش البشير، اهتز عنيفاً هذه المرة، مع أنه، خبر إدارة الأزمات إلا أن ما يحمله في كنانته من سهامٍ   هذه المرة لن تمكنه من قتل الناس جميعا، بل أنه سيكون عرضةً للمساومة بين أجنحة النظام و بعض قادة المعارضة، و لاعبين دوليين و اقليميين؛ تحتم مصالح بلدانهم عليهم مراقبة الأوضاع في السودان عن كثب. وكلما ضعفت شوكة المشير، فأنَّ قادة أجنحة النظام  سوف يتسابقون  من أجل الفوز بورثته ، وستشعل غيرة الأنداد نيران التنافس المحموم بينهم، و بلا شك؛ فأنَّ لكل حالمٍ أدواته وقواعده وخططه، ربما يتنافس الإسلاميون المدنيون في كسب قواعد شبابية بعد أن يحملوا أوزار المرحلة الى المشير،  وسوف يستخدمون أدوات الصراع نفسها التي كانت تلتقي كل خيوطها في يد البشير يغزلها وفق ما يهوى،  ويمكن ان يتنافس جهاز الأمن والمخابرات و الجيش وقوات الدعم السريع والمليشيات الخاصة  في الوصول الى العرش عبر انقلابٍ أبيض، للانقضاض على البشير بعد أن أصبح ورقةً محروقة.

وخطورة هذا السيناريو  تتمثل في كونه ‘اعادة  تعبئة الأواني القديمة بنبيذٍ جديد، ويستند أصحاب التفكير على طريقة النسر في تجديد حياته، فالنسر يعيش افتراضياً سعبين عاماً، إلا أنه حين  بلوغ  سن الأربعين يفقد أهم خصائصه، قوة المنقار والمخالب وخفة الطيران، فيكون إمام خيارين إما أن يموت، أو أن يطير إلى جبل يجري فوقه عملية تجديد مؤلمة،  يتخلص فيها من  منقاره ومخالبه، وريشه القديم ليعود بأدوات حديدة.  وربما يتم السيناريو بتواصل مع قوى حزبية عبر شراكة في الحكم، مقابل منح الانقلاب شرعية سياسية وجماهيرية، حال السيطرة على الحراك الكبير حالياً.

ومع ذلك ليس من السهولة توقع استسلام البشير، الذي خاض معارك ضد المعارضة وضد شيخه اخوانه من أجل السلطة، كسب بعضها وخسر بعضها، إلا أنه لم يستسلم، ولربما حاول خطته اللئيمة القديمة مع توقع فشلها هذه المرة

ويتطلب نجاح هذا السيناريو  شركاء اقليميين، ربما هم إلى حركة الإسلاميين أقرب بعد أن صار البشير يفضل مآدب الرياض وقلبه في الدوحة. دون أن يكسب ثقة الطرفين؛  مثلما لا يغيب الموقف الدولي برغم  تزايد الأزمات الداخلية في أمريكا وفي بعض دول الاتحاد الأوروبي وصعود قضايا مهمة تراجع أمام حضورها الاهتمام بالسودان برغم أهميته  (الجغرافيا السياسية)  فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، وحركة العناصر الإسلامية المتطرفة إلى غرب أفريقيا ومصر وليبيا، إضافةً إلى كون السودان من أكبر بؤر ومعابر تجارة البشر وما تعتبره أوروبا ” هجرة غير شرعية” ومن هنا يجئ الحديث عن سيناريو “الهبوط الناعم”  الذي طرحه مركز السلام الأمريكي، قبل سنوات،  و يهدف الطرح إلى اقصاء البشير مقابل حدوث إصلاحات هيكلية وبنيوية داخل المنظومة الحاكمة  بعد تقليم اظافرها كاملةً مقابل شراء مستقبلها السياسي بمشاركة القوى السياسية المعارضة بما فيها الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

ورغم فتور الحماس للسيناريو وانشغال اللاعب الأمريكي بقضايا داخلية أكثر أهمية، إلا أن مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة ، ربما تثيره في أي وقت، وقد عبرت عن ذلك مباحثات في الخرطوم أجراها نائب وزير الخارجية الأمريكي، جون سوليفان، في نوفمبر ٢٠١٧  مع مسؤولين كبار بينهم وزير الخارجية السابق إبراهيم غندور، والنائب الأول للرئيس الفريق بكري حسن صالح!

 

و يسألونك عن مصير ثورة الجماهير

يظل هذا السيناريو الأكثر قبولاً للسودانيين، لأن عملية ترقيع نظامٍ متحلل لن تجدي، وهذا الإدراك اليقيني أوصل الشعوب السودانية مرحلة قطيعة نفسية وعقلية مع منظومة الحكم، ولم تكن كلف الوصول إلى هذه النتيجة سهلةً، بل جاءت عبر تراكمات أوجاع مستمرة، وخيبات متواصلة في نظام سمته الخداع والمخادعة، والتلاعب بأجندات الدين والقبيلة والجهة، وزرع بذور الفتنة المتساقطة من شجرة زقوم المؤتمر الوطني. ومع فداحة الثمن؛ إلا أن إحساس الناس بأن ما كان يفرقهم، ويدق الأسافين فيما بينهم هو النظام.  ولسوف يساهم الوعي الجمعي الصاعد في اصطياد لحظة الإدراك الفارقةً في تاريخ السودان، لأنها ستساعد في  عملية  تكوين ” كتلة حرجة”، تذوب فيها الفوارق السياسية والاجتماعية والأكاديمية والعرقية بين الجماهير المتأهبة للانقضاض على عدوها المشترك.  وموضوع الكتلة الحرجة يقودنا الى تاريخ الثورة الفرنسية في القرن السادس عشر، التي لفتت انتباه الباحثين، الذين أدهشهم أن من بين من شاركوا في مذابح زنازين ذاك العصر، كانوا رجال قانون ومفكرين. وفي تحليل تلك الظاهرة توصل الباحثون إلى أنَّ اجتماع الجماهير في ظرف( زمكاني )  واحد، سيخلق فيها  عقلية قطيع،   كقطيع  أبقار تقوده بقرة تقف في المقدمة، و يرى الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في  سيكولوجية الجماهير ” إن العديد من خصائص الجماهير سرعة الانفعال، النزق، والعجز عن المحاكمة العقلية وانعدام الرأي الشخصي والروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر”.

إنَّ نجاح هذا السيناريو يتطلب جسارة مستمرة، مع رفع درجات التنسيق والتعاون بين المدن المختلفة، ومقاومة أي عنف مفرط، فالطغاة لا يقتنعون بالهزيمة، وسوف يحتهدون في صنع نظريات الفوضى وتسويقها،  وليس ثمة شك في  صمود الناس، وقد عكست الأيام الماضية شجاعةً نادرةً أخرجت كل لؤلؤ مكنون داخل نفوس السودانيين، وأكدت أن الذهب كلما تعرض للحرق بالنار ازداد بريقاً ولمعاناً.  ويتطلب نجاح هذا السيناريو أيضاً إقامة جسر يعبرون به إلى قوى داخل النظام نفسه اقتنعت بضرورة التغيير، واقتنعت بضرورة حفظ البلاد من الانزلاق نحو دوامة عنف، وتفادي سيناريوهات (مساومة متواطئة) وانقلابات صورية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى