أعمدة ومقالات

الغضب الشعبي وإرهاصات التغيير الشامل

 

خالد فضل

 بدءا كامل التضامن , والتعازي لأسر وذوي الشهداء الذين سقطوا وهاماتهم سامقة تؤذن بإنبلاج فجر الخلاص الوطني من ربقة الإستبداد والقهر والطغيان , والتمنيات للمصابين بالشفاء العاجل والبرء الوطني الشامل إن شالله , وكذا التضامن مع المعتقلين من بنات وأبناء شعبنا , وندعو لإطلاق سراحهم فورا , فهم لم يرتكبوا جرما بل قدموا جهدا وطنيا صرفا . والتحية لآلاف المواطنين في مدن وقرى السودان , الأقاليم والعاصمة , أولئك الذين أكدوا ما كان وما يزال  صاحب هذا القلم يؤمن به (الشعوب لا تموت وإن بدا عليها الإعياء ) , وتحية خاصة لجماهير عطبرة الذين أشعلوا فتيلة الغضب الشعبي الجارف , وعبّروا عن تطلعات وتوق ملايين السودانيين في  الداخل والخارج لرؤية وطنهم يخرج من جحر الضب الخرب الذي حشرته فيه ثلة من الأبناء العاقين .

     دعونا الآن نقرأ سويا ما تؤذن به هذه الهبّة الشعبية القوية من عدة زوايا :

أولا , تأكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّ التعبير الشعبي الصارخ لم يقتصر على مطلب معيشي يتعلق بأزمة خبز أو بصل , إنّما وهذا هو الأهم برفض تام لمجمل البيئة العطنة التي خلقها هذا النظام وفيها وجدت كل الكوارث الوسط الملائم لتنمو وتتشعب , وإذا كانت السلطة مفسدة بطبيعتها فإنّ السلطة المطلقة تمثّل فسادا مطلقا , وهذا ما عاشه الشعب طيلة ثلاثة عقود انصرمت من عمر الشعب والوطن وكلها كرب ومحن وبلاوي يشيب من هولها الولدان , في هذا السياق تأتي رمزية إحراق دور الهرم الكرتوني البائس المسمى بحزب المؤتمر الوطني , ولا يزعمن أحد أنّ ذاك عمل تخريبي ! في الواقع هو عمل رمزي يشير إلى ما يعرفه الناس وما جربوه من ويلات تحت ظل هذا المسخ الشائه .

ثانيا , رمزية إنطلاق شرارة الغضب من الشمال النيلي , بل من وسط الحاضنة الإجتماعية لمعظم القيادات المتنفذة على مدى 30سنة يتناوبون فيها مراقي الحكم ويتجولون بين ردهاته مثل نجوم البارسا في قمة مجدهم وهم يتحكمون في الميدان طولا وعرضا , ورغم ما يبدو وكأنّه تحيّز جهوي من سدنة السلطة لمناطقهم , وتكريس جلّ الموارد وتوجيه الإستثمارات وفتح أبواب التوظيف بإنحيازات جهوية وقبلية , مما يلحظه أقل الناس انتباها وتركيزا , بيد أنّ إندلاع شرارة الغضب من ذات الوسط الإجتماعي الموسوم بالتمييز الإيجابي , يؤشر إلى أنّ هذا الوسط على درجة عالية من الوعي والرشد, بحيث لم تشدّه إصرة القرابة أو الجهة لغض الطرف عن مخازي السلطة حتى لو كان جلّ قادتها منهم لحما ودما ورحما , وفي تقديري هنا رسالة طمأنة مهمة لسكان المناطق الموسومة والمرزوءة بالتهميش التاريخي , أنّ الوعي ولا شئ غيره هو ما يعيد الحقوق ويوطن العدالة ويسترد الوطن المخطوف من بين مخالب وأظافر الخاطفين , فعطبرة والدامر ودنقلا وكريمة وغيرها من مدن الشمال يقطنها مواطنون سودانيون يشعرون بالخيبة والفشل الذي ظلّ ملازما لأداء هذه السلطة المغتصبة للحكم .  وهو مؤشر جيّد كذلك بأنّ سودان المستقبل قد يشهد تغييرا شاملا وتحريرا حقيقيا من المفاهيم الضيقة والممارسات البدائية البغيضة التي كرّس لها نظام الفشل والإستبداد بزعم الإنقاذ أو الإسلام !

ثالثا , أكدت هذه الهبّة الشعبية العارمة أنّ أدوات القهر والقمع التقليدية من أجهزة أمنية وشرطية وجنجويدية وغيرها , ومهما تعاظم دورها أو استحمكت قبضتها , ومهما خصصت لها من موارد ومخصصات لقياداتها , فإنّها لا تغني عن الطوفان الشعبي شيئا , ولأنّ هذه الأجهزة نفسها ورغم صولجانها وسطوتها إلا أنّ بها من الأفراد ما يستطيعون التمييز في اللحظات الحاسمة ويختارون الإنحياز لأهلهم وشعبهم , عندما يكتشفون على الأرض إنّ دورهم هو الدفاع عن الباطل , ومهمتهم هي تكريس القمع والقهر على حساب حقوق شعبهم , ساعتها ستغمرهم لحظة الحقيقة بضوئها الساطع فلا مناص من (الإستعدال) عوضا عن الإستعداد لضرب المدنيين والعزل الأبرياء من أهلهم .

 رابعا وهذا مؤشر مهم , هو تقدّم الوعي الشعبي , ووسط الأجيال الشابة على وجه الخصوص , فمعظم قواد والناشطين والشهداء والجرحى والمعتقلين , هم في الواقع ممن ولدوا أو نشأوا تحت ظل هذا العهد التعيس , خرجوا من القوقعة التي تمّ (كبسهم) فيها منذ الطفولة , وعافوا الشعارات الكذوبة والوعود المضروبة بلا أجل للوفاء . شبّوا وهم خلو من تجربة نقابة مهنية رفيعة وحزب سياسي حر وديمقراطي بل عدموا مدرسة وفصل ومنهج قويم مثلما عدموا الخبرة بواجبات الدولة تجاه شعبها في كفالة حقوقه في حدّها الأدنى علاج وتعليم مجاني ومواصلات ميسورة وغذاء كاف , بل على العكس نشأوا في عهد يدعوهم للموت في القتال ضد أبناء شعبهم لترتع القطط السمان في موارد الريع العام . عاشوا طفولتهم وصباهم في حرمان من أدنى حقوق الإنسان وهم يشاهدون انهيار كافة قطاعات النشاط البشري , وفي المقابل تنمو وترعرع منابت السحت والثراء الحرام , فما أبتأسوا بل قاوموا بوعي فطري (أظنّه) وحدس إنساني  سليم , فكان الشباب وما يزالون هم عنوان التغيير وروّاده وفي ذلك درس بليغ بأنّ مستقبل الوطن لن يكون أسوأ من حاضره وماضيه القريب .

  هكذا تقول عبر التاريخ القريب المعاصر , فلم ينجُ القذافي من غضبة الشعب ومقتله المذل عبرة وعظة مثل صدام العراق وحسني مصر وزين تونس وصالح اليمن وبشار سوريا ينتظر , ولن نزعم بعلو كعب شعبنا على كل العالمين , لكن لشعبنا مكان رفيع بين الشعوب , خاصة في منطقته الإفريقية والعربية إن لم تك مكان الريادة , وهو بقادر على استعادة زمام أمره واللحاق بركب التقدّم بعون الله ومهما تكالب العدوان والطغيان والرصاص والبمبان . والغد للحق رغم تطاول الباطل للعدل رغم سموق المظالم , والمجد لشعبنا والخلود للشهداء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق