أعمدة ومقالات

السودان ..الإنتفاضة تتخلق ..هذه ليست سبتمبر أخرى!

لؤي قور

غابت عبارات السب والشتم والتهديد والوعيد بالويل والثبور، التي تعود السودانيون على سماعها في خطاب الدكتور “نافع علي نافع” بالبرلمان أمس الأربعاء. فهو لم يزد على أن أعلن نبوءته “أُمنياته” بأن التظاهرات والإحتجاجات التي تشهدها البلاد لن تستمر وعلل حديثه بالقول أنه إذا كانت هذه الاحتجاجات من أجل أن يُعبر الشعب عن مطالبه، فقد وصلت رسالتها. أما إذا كانت من أجل تغيير النظام فإن ذلك ليس من مصلحة المواطن.

ويبدو أن النظام لا يزال يظن أن الحراك الذي يشهده السودان حالياً ما هو إلا “سبتمبر” جديدة، بمعنى أنه سيضرب فيها عدداً من المتظاهرين بالرصاص ليخاف البقية، ويعودوا إلى منازلهم. وربما تعالت صيحات أحزاب المعارضة بعد ذلك إلى حين. تلك الأحزاب التي أنهكتها حرب ثلاثين عاماً مع نظام لا يستثني شيئاً في حربه مع معارضيه، ولا يوفر سلاحاً. إبتداءاً من الفصل عن العمل وحتى الإعتقال والتعذيب والقتل وربما أضيف إليها الترغيب في نسخة الإنقاذ في عقدها الأخير.

يظن النظام أن الأمر لا يعدو أن يكون “سبتمبر” جديدة، يزور فيها أسر الشهداء بعد أن تهدأ الأوضاع في جوف الليل، ليُمنيهم بمنصب أو بدية مغلظة، أو يرهبهم، ويهددهم باستهداف الأحياء منهم فيصمت الناس خوفاً وطمعاً. بينما كل ما يحدث الآن يشير إلى أن هذه التظاهرت ظلت مستمرة منذ التاسع عشر من ديسمبر الجاري. وبلغت ذروتها في موكب المهنيين الذي تضامنت معه أطياف واسعة من شعب السودان، تأتي الأخبار عن إضراب الأطباء، وبيان من الفنانين التشكيليين السوداني يؤكد انحيازهم للثورة، وبيان للمعلمين يعلنون فيه انحيازهم للثورة على الرغم من إغلاق مدارسهم، وإضراب الصحفيين بالأمس القريب، بالإضافة لظهور فيديوهات لمسرحيين سودانيين يرفضون فيها قتل المتظاهرين ويدعمون الثورة.

البشير يواجه زيارة فاشلة لود مدني عاصمة ولاية الجزيرة فشلت حينما لم يخرج أحد لاستقبال البشير الذي صار يستخدم الهيلكوبتر في تحركاته. ووصل الأمر إلى حد الهتاف ضده من قبل تلاميذ المدارس في رفاعة. ولما كان الخطاب منقولاً على شاشة تلفزيون السودان فقد انقطع البث بعد أن صدح التلاميذ بالهتاف المعارض. وفي مدينة ود مدني أحرق المتظاهرون معرضاً للتراث الإثنين الماضي كان من المقرر أن يفتتحه البشير، وتم إحراق المعرض رغم وجود البشير نفسه على بعد ستمائة متر منه.

الحكومة ومن جملة تدابيرها لاحتواء التظاهر وبنفس طرقها القديمة وفرت الدقيق للمخابز في الأحياء على الرغم من أن مسيرة المهنيين نفسها التي كانت ستخرج للمطالبة بزيادة الأجور، غيرت من مطلبها لتطالب بسقوط النظام ورحيل الرئيس البشير، وحولت خط سير الموكب من البرلمان إلى القصر الجمهوري بغرض تسليم مذكرة للبشير تطالبه بالتنحي الفوري عن السلطة وتسليم السلطة للشعب.

وبعد أن تم ضرب المتظاهرين بالرصاص  وضمن دفاعاتها المجربة في سبتمبر “2013” نسبت الحكومة الحراك لحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وقالت أن مُخربين مٌدربين في إسرائيل جاءوا خصيصاً لافتعال الحرائق والتظاهرات. لكنهم ما أن عرضوهم على شاشة الفضائية السودانية، حتى تبين أنهم طلاب جامعيين من أصول دارفورية، وتعرف عليهم زملاؤهم وأساتذتهم، الشئ الذي أدخل النظام في حرج بالغ. وتضامن السودانيون مع قضية هؤلاء الطلاب عبر وسائل التواصل الإجتماعي مما أجبر أطرافاً داخل النظام نفسه على تكذيب الوجود الإسرائيلي في الحراك.

صور ضباط جهاز الأمن قتلة المتظاهرين والتي انتشرت في وسائل التواصل الإجتماعي، والحملة التي بدأت للتعرف على أسمائهم وعناوينهم، بالإضافة لاستعانة النظام بمليشياته “الأمن الشعبي” وطلاب الحزب الحاكم في الجامعات لقمع التظاهرات، مقروءة مع خطاب البشير في منطقة ود الحداد بولاية الجزيرة الثلاثاء الماضي، عن أن “من يرفع لنا عينه سنفقأها له ومن يمد يده إليه سنقطعها”، تنبئ بأن النظام يجانبه الصواب في نظرته لما يحدث في السودان اليوم وبأنه لا يزال يقرأ من كتاب سبتمبر القديم.

النظام ينظر للحراك كسبتمبر جديدة حينما يلجأ للخطاب الديني المستخدم لثلاثين عاماً، والبشير يحدث مواطني ود الحداد عن الرزق الذي هو في السماء، على الرغم من أن الجميع يعلم المستوى المعيشي للرئيس وأسرته، لكن ذلك لم يمنعه من أن يدعوهم للإقتداء بالصحابة في أكل أوراق الشجر عند المسغبة.

أحزاب المعارضة التي طالت خلافاتها تتوحد في حد أدنى هو إسقاط نظام البشير، بما فيهم حزب الأمة، الذي ما يزال زعيمه يتحدث عن مشروع وطني لم يكتمل بعد. ويُصدر فُرقاء الأمس القريب بياناً مُشتركا بهذا الخصوص، بعد أن أجبر الشارع المشتعل كافة أطراف المعارضة على الإنحياز لثورته بعد أن مهرها السودانيون بدمائهم، وهم يقدمون ما يقارب الأربعين شهيداً في أيام معدودات، فضلاً عن الجرحى ومئات المعتقلين.

الجميع الآن يعرف أن الشهداء سقطوا برصاص القناصة الذين تملأ صورهم وسائل التواصل الإجتماعي، والتي أثبتت نجاعتها بدورها في الحراك بعد أن ظلت لسنوات عرضة للسخرية، وبعد أن نجح الثوار في الوصول إليها على الرغم من حجبها بواسطة النظام إبتداءاً من أول أيام الحراك. والجميع يعرف أن طلاب دارفور بالجامعات لا علاقة لهم بإسرائيل، وأن الفساد يغرس أقدامه عميقاً في طينة الإنقاذ اللزجة.

أحزاب الحوار المشاركة في السلطة تقفز من سفينة الإنقاذ الغارقة. السيد “محمد عثمان الميرغني” رئيس الحزب الإتحادي يسحب وزراؤه من الحكومة، ويُعلن دعمه للحراك، ليحذو حذوه حزب الأمة بقيادة “مبارك المهدي”. فيما يُجاهر نواب برلمانيون ووزراء بإدانة قتل المتظاهرين، ووجوب الكشف عن قتلتهم، بعد إجراء تحقيق ينال الشهداء بموجبه العدالة المستحقة.

لم يُقدم البشير ورموز النظام خطاباً يوازي المرحلة، بل اعتمدوا على تكتيكاتهم القديمة، وهم يحسبون أنه بمجرد توفر الخبز في المخابز، والنفط في محطات الوقود سيعود الثوار أدراجهم، ومدير الأمن “صلاح قوش” ينبئهم بأن أزمة السيولة لا يمكن أن تُحل إلا في أبريل القادم. أما النائب الأول للرئيس فيؤكد قيام الإنتخابات في موعدها بعد عام ونيف.

والثورة بين استخفاف البشير ونظامه، ووعود بعض الدول الخليجية بالدعم الإقتصادي، وبندقية القناص، وتخذيل المخذلين تمضي، تمضي ببطء، وفي ثبات منقطع النظير، وهي في خطواتها الوئيدة والواثقة تلك، تهدد كل من لم يلحق بها بأن يفوته القطار. هي ثورة تتخلق إذن بلا ريب، في رحم السودان، ذلك البلد الولود.

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *