أعمدة ومقالات

كلمات ووقائع كافية لإشعال الثورة.. الفضيحة العنصرية ومأساة الشهيد عبد الرحمن!

رشا عوض

المشهد الأول:

 

بعد أن تصاعدت انتفاضة 19 ديسمبر بقوة في معظم مدن السودان، وخرجت جموع الشعب السوداني إلى الشوارع واثقة شامخة تمد لسانها لخطاب التيئيس الذي راهن عليه أعداء الحرية، لجأ نظام البشير إلى الحيل القديمة في تقسيم الشعب السوداني رغبة في شل الحراك الثوري عبر تضليل الجماهير بتسويق اكذوبة أن العدو الرئيسي لهم ليس النظام! بل ان هناك عدوا آخر أكثر فتكا وشراسة هو خلايا تخريبية تابعة لحركة مسلحة في دارفور تنفذ مخططا بقيادة الموساد(جهاز المخابرات الإسرائيلي)! وإمعانا في الانحطاط تصدى إعلام النظام في تقديم الأدلة على هذا الافتراء:

قبضوا على عشرات الطلاب المنحدرين من إقليم دارفور وبوسائل الإرهاب والتعذيب المعروفة أجبروهم على الاعتراف بأنهم جزء من هذا المخطط المزعوم في مشهد من مشاهد القهر للإنسان السوداني يكفي وحده لإشعال الثورة!

ولكن هؤلاء الطلاب الأبرياء شهد لهم زملاؤهم في جامعة سنار بالبراءة من هذه التهمة ووقف الرأي العام السوداني الذي يعبر عن روح انتفاضة ديسمبر مدافعا عنهم ومستنكرا للعقلية العنصرية التي يتعامل بها النظام مع شعبه! ولكن رغم ذلك تمادى النظام في مواصلة الخط العنصري وزعم أن  الاجهزة الامنية ضبطت خلية مسلحة مكونة من عشرة افراد بالدروشاب شمال الخرطوم تتبع للمتمرد عبد الواحد محمد نور تتمثل مهامها باحداث اغتيالات وسط المحتجين والقيام باعمال تخريبية”

الهدف من كل ذلك هو إرباك حراك ديسمبر المتصاعد عبر استنفار مخاوف تعزف على وتر “الفصل العنصري”  وتسويق أكذوبة أن النظام هو صمام الأمان لأهل الشمال والوسط من حركات دارفور التي ستقتلهم على الهوية! ولكن الذي أثبتته الحقائق المحسوسة الملموسة لأهل الشمال والوسط أن قاتلهم هو نظام الاستبداد والفساد الذي يقتل كل من هدد سلطته وقوائم الشهداء والجرحى والمعتقلين تشهد من سبتمبر حتى ديسمبر! فكيف نغفل عن القاتل الأكبر ونطارد قاتلا وهميا لم يقتل منا أحدا بل إن هذا “القاتل الوهمي” ممثلا في مناصري حركة عبد الواحد هو نفسه من ضحايا القتل والتعذيب في قلب الخرطوم وليس في دارفور! وبهذه المناسبة أتساءل: لماذا لم تقبض الحكومة الساهرة على أمن المواطنين وسلامتهم على قتلة الشهيد علي أبكر موسى؟ والشهيد جعفر محمد؟ والشهيد عوض الله أبكر آدم؟ وشهداء جامعة الجزيرة الأربعة عام 2012 ؟ وغيرهم من طلاب دارفور وكل الطلاب المعارضين في طول السودان وعرضه؟

إذا كانت الأجهزة الأمنية خطيرة جدا لدرجة انها تقبض على القاتل الذي لم ينفذ جريمته بعد مثل الأولاد الصغار الذين قبضوا عليهم وزعموا أنهم خلية قتل فلماذا فشلت هذه الإجهزة في القبض على القتلة الذين نفذوا جرائمهم في وضح النهار؟

 

يبدو أن المقصد الأساسي من هذه “التلفيقات” العجولة والفطيرة  هو تقديم تبرير استباقي لقمع المتظاهرين وقتلهم بواسطة خلايا “الأمن الشعبي” ثم تعليق دمائهم على رقبة الخلايا المزعومة وعملاء الموساد!

وفي هذا الإطار لا بد أن نتذكر أن الموساد لم يعد بحاجة إلى صبية مستضعفين أو طلاب أبرياء من دارفور لتنفيذ مخططاته في السودان! لأنه ببساطة يتعامل مباشرة مع نظام البشير الذي لا يتردد في تقديم أي تنازلات لأي جهة خارجية مقابل الحفاظ على “كرسي الحكم”!!

وقد قدم النظام “الإسلاموي” كل فروض الولاء والطاعة لإسرائيل ابتداء من تسليم كارلوس والتعاون مع إسرائيل في ضرب شحنات أسلحة حزب الله المتوجهة إلى غزة  وقطع العلاقات مع إيران، فعلاقة النظام بإسرائيل الآن زي السمن على العسل والدليل ان الدولة العبرية توسطت للنظام لدى الإدارة الأمريكية في موضوع رفع العقوبات ورشحت في الصحف الإسرائيلية أنباء الزيارات السرية لتل أبيب من بعض عناصر النظام!

فلو كان هذا النظام يستحي لأوقف تماما أسطوانة المزايدات الوطنية، لان الوقائع الماثلة أثبتت أنه مجرد عصابة هدفها الوحيد هو الخلود في كرسي الحكم لمواصلة استباحة الدولة السودانية بانسانها ومواردها وفي سبيل ذلك مستعد لاستخدام أي وسيلة لسحق اي تحرك سوداني يهدد سلطته سواء كان من دارفور او الشمالية أو حتى حوش بانقا!

وآن الأوان ان يعي السودانيون ذلك ويقفون صفا واحدا لانتزاع مصيرهم جميعا من هذا النظام!

 

المشهد الثاني:

 

Sabah Aljabal

منقول من صفحة والد الشهيد الصادق سمل Alsadiq Sumel
السلام عليكم جميعا

من اللحظة الاولي و التي دخلنا فيها الي المشرحة للتعرف علي جثمان ابني عبدالرحمن الصادق سمل انا و امة و جده و اعمامه و معنا اصدقاء لم نصدق جميعا ان الجثمان المسجي لغريق ولكن من اثار الدماء علي الاذنين و الانف و مؤخرة الرأس لدينا جميعا يقين ثابت ان ابني قتل

ثانيا

من حقة علي ان اعلن عن ذلك و اطالب بوضع الاجراءات في اطار اخر يحقق في فرضية الموت غرقا

ثالثا

بمجرد اعلاني هذا كنت ادرك تمام الادراك انني قد نقلت القضية الي رحاب اوسع و هو الرحاب الانساني العام و بالتالي دخلت القضية في دائرة اهتمام اصحاب الضمير الحي و حقوق الناس بمختلف تخصصاتهم و ما اكثرهم و انبلهم في هذة البلاد و شهدت انهم لا يكترتون لحياتهم الخاصة بقدر اهتمامهم بقضايا الانسان

رابعا

لا اتوقع ان احصل علي تقرير من السلطات المختصة بالمشرحة يفيد بحقيقة ما جري

ما الذي سافعلة !

قررت ان انقل هذة القضية الي فضاء ارحب و اوسع الا و هو عدالة السماء فهي اشمل و لا تضيع عندها الحقوق
ولن اشرع في رفع اي نوع قضايا قانونية في بلاد لا اضمن فيها ادني فرصة لنيل حقوقي

قد لا يتفق معي الكثير من الناس في ذلك ولكن كل لة الحق ان يري بمنظور مختلف .
و ان كان لا بد من توضيح هنا فهذا من حق الناس و من واجبي ايضا و هذا التوضيح كالاتي

منذ زواجي بزوجتي الحبيبة جدا ايمان عبد الرحمن اتفقنا علي تكوين اسرة و انا اعتبر و اؤمن بان ولائي لهذة الاسرة و انتمائي لها هو الاول علي كل شئ
و الاسرة هي الخصوصية و التفاصيل الحميمة و الامان و الوفاء لاهم مخلوقات اللة و هي المرأة و انا لا احتمل بعد ان فقدت ابنها الاول ان اسلك طريقا يمكن ان يشعرها بالقلق او الحزن علي بقية اولادها ان كنتم ترون ان القضية اكبر وهي قضية وطن فانا اري ان زوجتي وطن .
الوطن يا سادة في ابهي معانية امرأة .

لكم حبي
الصادق سمل

هذه الكلمات من والد الشهيد عبد الرحمن الصادق سمل في حد ذاتها وقود يكفي لإشعال الثورة !

وعبد الرحمن فقد يوم 25 ديسمبر وعثر على جثته في المشرحة بالمستشفى الأكاديمي وزعمت السلطات انه غرق في النيل الأبيض!!!

الأب متأكد من أن ابنه قُتل!

ولكنه متأكد كذلك من استحالة حصوله على تقرير طبي يبين سبب الوفاة!

وهو محق جدا في ذلك! فكل شهداء سبتمبر رفضت المستشفيات إصدار شهادات وفاة لهم تتضمن سبب موتهم وهو معروف لنا جميعا!

والأب الجريح فاقد الثقة في القضاء!

وهو محق في ذلك تماما! فنحن لا نملك قضاء مستقلا ونزيها يستطيع أن يشهر سيف العدالة في وجه القتلة لأنهم ببساطة يقتلون بأمر سلطات فوق القضاء وفوق القانون!!

فهو قضاء ينطبق عليه حكم الأستاذ الشهيد محمود محمد طه( ضعيف أخلاقيا وغير مؤهل فنيا وتحت أمر السلطة التنفيذية)!!

والأخطر من ذلك كله أن الأب المنكوب بفقد ابنه متأكد من أنه لو مضى في طريق تصعيد القضية قانونيا فإنه سوف يتعرض للخطر وربما يتعرض بقية أبنائه للخطر!

وهو بكل أسف محق في ذلك! لأن القانون الأسمى في هذه الدولة هو تحصين أجهزة القمع من المساءلة والمحاسبة حتى لا تتردد في القتل والتعذيب ولو للحظة واحدة! وبهذا التحصين يضمن النظام المجرم تفاني هذه الأجهزة في تحصينه هو وحماية سلطته الفاسدة المستبدة!

ان القصاص العادل لكل الشهداء وضحايا التعذيب والمعتقلين وضحايا الحروب من المدنيين الأبرياء هو تحرير السودان من نظام الاستبداد والفساد والمجازر الجماعية وإقامة النظام الديمقراطي في دولة المؤسسات وسيادة حكم القانون وصيانة حقوق الإنسان!

وبهذا فقط يمكن تحقيق العدالة لهؤلاء الأبطال!

وللسيد الصادق سمل وزوجته الأم المكلومة أقول:

جميعنا نحس بحزنكم ونحترم خياركم، ونتألم لفقد هذا الشاب النبيل، فكلما ارتفع شهيد إلى علياء مجده توجع كل الأحرار!

أعلم أن كل كلمات المواساة تتضاءل أمام ما انتم فيه!

صبرا صبرا فإن موعدكم الحرية!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق