أعمدة ومقالات

الثورة انطلقت

خالد فضل

يعيش غالبية السودانيين هذه الأيام عنفوانا ثوريا باهرا , ولما لا وصوت وداللمين يجلجل في ذاكرة أجيال منهم  (الثورة انطلقت ) ذاك الحداء الجميل يعيد للناس الحيوية وهم يسترجعون ذكريات ثورة اكتوبر 1964م , التي كانت باكورة الغضب الشعبي الثوري ماركة السودان ضد أول سلطة وطنية  ديكتاتورية عسكرية صرفة حكمت ل8سنوات فقط ثمّ انقشعت قتامتها سريعا وعاد السودانيون لوضعهم الفطري الطبعي كشعب متعدد الأعراق والثقافات والديانات واللغات وبالضرورة إزاء هذه التعددية الفطرية أن يكون نظام حكمهم ديمقراطيا تعدديا كما هي طبيعة مجتمعهم .

بلا وانجلا وانهد كتف المقصلة , صوت وردي العذب بحداء النادر الشريف محجوب ,أهزوجة سارت مسرى الحكمة والمثل في أوساط السودانيين عشية ثورة مارس /أبريل 1985م , التي أطاحت بسلطة المشير جعفر محمد النميري فيما عرف بالحقبة المايوية ذات الطبعات المختلفة والحاكم الفرد المستبد  , ثار الشعب السوداني في وجه الديكتاتور النميري , وهو بعد ابن أسرة سودانية عادية تسكن الجالوص وتقتات مما يقتاته عامة الشعب , لكنه استبدّ وكلما زاد علامة في كتفه المرصّع بالعلامات العسكرية زاد طغيانه , فلم يعد ابن الناس الطيبين ذاك , ولم يعد الضابط الثوري الحانق على الطائفية والإستغلال باسم الدين , بل صار مطلوب الرأس لدى الجماهير حتى حوّر الخيال الشعبي مقطع موسيقي في  أغنية  حمدالريح المشهورة (ساقية عمر الدوش) إلى هتاف داو  (راس نميري مطلب شعبي يحيا الشعب يحيا الشعب ) وقيل إنّ جهاز أمن النميري قد منع بث هذه الأغنية عبر الإذاعة والتلفزيون لما ارتبطت به من هتاف لدى عامة الناس .

في اكتوبر وأبريل وبينهما 20سنة , انصرمت منها ست عشرة في ملاواة ومعافرة ونضال وثورة وغضب ضد السلطة المايوية في مختلف طبعاتها وتقلباتها وأربع فقط هي التي تنفس فيها الشعب هواء الحريات وبلا وانجلا ولم يهنأ السودانيون طويلا بما أنجزوه في أبريل , إذ سرعان ما ظهر البشير .

كان الإسلاميون , في تلاوينهم المختلفة (مثل الحربوية ) , من ضمن الجماهير التي ثارت في اكتوبر وفي أبريل , وكان زعيمهم الراحل د. الترابي أحد القادة الذين أعلنوا صراحة فشل وإفلاس النظام الديكتاتوري الأول في حل مشكلة الحرب في جنوب السودان وقتذاك , وحدد بوضوح أنّ حل مشكلة جوبا يكمن هنا في حل مشكلة القصر الرئاسي في الخرطوم , أي الثورة ضد الديكتاتورية واستعادة الحرية والديمقراطية , وهو قول صحيح ووصفة سليمة إذ ما من مشكلة لم تحلها الأنظمة الديمقراطية يمكن أن تحلها سلطة مستبدة عقيم , وفي أبريل عندما فضّ النميري تحالفه الإستبدادي المريب مع جماعة الترابي وزجّ بقادتهم في المعتقلات لأيام قليلة قبيل إندلاع ثورة الشعب وقواه  الحيّة في النقابات والإتحادات الطلابية وتجمعاته الفئوية الأخرى , لتنطلق الثورة الشعبية الثانية وتدك بإقتدار عرش الديكتاتور وفرّ جمع الطاغية , وعاش السودانيون في فضاء حيويتهم وحريتهم وديمقراطيتهم وبحلم عريض في تجاوز أعراض التسنين وبلوغ سن الرشد  على أمل بناء وطن خيّر ديمقراطي  ما بنبنيه فرادي ولا بالضجة في الرادي ولا الخطب الحماسية وليرحم الله قلب الشعب ونبضه وجنا حشاه وشاعره محجوب شريف , كان الإسلاميون على كل حال إلى جانب الثوار أو على الأقل في جانب الحياد والتردد فلم يكونوا عونا للسلطان وأدوات قهره , ولذلك عادوا للظهور ومارسوا حقّهم الطبعي في التمتع بقيم وبيئة الحكم الديمقراطي , ولكنهم كانوا في واد المكر والخداع يهيمون , وفي أتون خيانة الشعب والعهد يعمهون حتى استوت طبختهم المرّة , فخلعوا دثار المداهنة للشعب وسلّوا سيوف الغدر وأجهزوا على الحلم بالوطن في ليل بهيم منذ 30يونيو1989م وما يزالون .

ثلاثون عاما من عمر الشعب السوداني لم يعش مثلها من قبل ولن يعيش مثلها بعد زوال سطوتهم وجبروتهم إن شالله , ثلاثة عقود من السهر والوجع والحمى في كل شبر من أرض الوطن الذي قزموه إلى حدود طمعهم وجشعهم البغيض , كأن لم ترضعهم أمهات ولم تهدهدهم في المهد حبوبات على قول الطيب صالح ! تبرأ منهم القريب والبعيد حتى الشيخ يسن عمر الإمام أحد قادتهم التاريخيين الذي قال قولته المشهورة  ثمّ مات ,بأنّه يخجل من الدعوة للإسلام في مسجد الحي الذي يقطنه من هول ما عمّ البلد من فساد السلطة والإسلاميين ! وأعترف زعيمهم الترابي من قبل بأنّ الإسلاميين قد أفسدتهم السلطة , ونفض غازي صلاح الدين يده من بطشهم واستهانتهم بأرواح الناس عقب مجزرة سبتمبر2013م, وعاد يوسف الكودة يناهضهم ويجاهر بالرأي السلبي في ممارساتهم البغيضة , وأشهر عثمان ميرغني قلمه في نقد ما يقترفون , وكتب د. التجاني عبدالقادر في كشف وذم ما يعاقرون من مفاسد وما آلت إليه أحوال النظام من عقم مبين , وصرّح د. الطيب زين العابدين , ومحجوب عروة بما يردده دوما من كانوا على النقيض من ممارسات سلطة الإسلاميين , هولاء بعض الذين كانوا من كار الإسلاميين , وربما صحت ضمائرهم فعرفوا حجم ما أُرتكب في حق الوطن والشعب من جرائم فنفضوا أياديهم عن كار التمكين , ومعهم دون شك كثر آخرين , بل والعجيب حقا أنّ صلاح قوش نفسه قد شرب من ذات كأس التجريم والتلفيق وعرف كيف تكون ممارسة الباطل ووقعها على النفوس , خبر كيف يمكن للمؤامرات والدسائس والمكائد أن تدوس على الحقائق والوقائع وكيف للتلفيق سطوة على الواقع , وللباطل نزوة تعلو على الصحيح , ومع ذلك عاد لنفس الوكر يمارس ضد الشعب ما ذاقه هو بنفسه على يدي (أركان النظام وحرّاس عدالته, الذين يسبق سيفهم عدلهم ويمشون إلى الحكام بنميم ) أو كما قال في خطبته العصماء تلك في ديار أهله الشايقية صبيحة اطلاق سراحه بعد شهور من الإعتقال !!!!!فأي صنف من البشر هذا الذي يجري البطش في شرايينه حد استمرائه ولو مورس ضده ؟ أي نفس بشرية تلك الأمارة دون لجام بالقهر والبطش !!! أعوذ بالله كما يخط قلم حبيبنا شبونة .

إنّ الثورة الواعية لجماهير شعبنا تعرف دون وسيط من مارس ضدها كل الموبقات التي لا تخطر على أنفس سوية , تعرف جماهير شعبنا الثائرة في وجه الطغيان أنّها هي صاحبة القرار ومن حقّها أن تحكم بإرادتها الحرة وأنّ السيادة الوطنية ليست مضمضمة شفاه وكلمات فارغة المضمون يابسة تخرج من لسان مجبول على الكذب والخداع , تعرف الجماهير بوعيها وحسّها الإنساني الرفيع من هم أعداء الإنسان . ولذلك لا مجال لتلوين الحقائق بالصبغة المعتادة التي صارت باهتة من كثر الإستخدام ,( مخربون , عنصريون, بغاث الطير , …إلخ) هذه ثورة شعبية انطلقت بدوافع الحق الواضخ الذي لا يحتاج إلى تبيان , ثورة شاملة عارمة تستمد قوتها من الحق , فما هي دوافع القنّاصة ؟ وما هي دفوعات سدنة القهر والبطش والإذلال ؟ عمّا يدافعون وضد من ؟ أيحرسون التحطيم والفقر والمهانة والذلة التي يمارسها أسيادهم ضد غالبية شعبهم ؟ أيحمون سلطة ارتكبت من الجرائم الوحشية ما لا يخطر على بال ؟ والثورة انطلقت لهدم الطغيان , ثورة الفجر ضد حالك ليالي القمع , ثورة شعب يريد الحياة الحرة الكريمة ليعيش كريما وليمت عزيزا , ثورة للتغيير الشامل والتام لبناء وطن سامق شامخ بعزة أبنائه جميعا , هذا هو صراط النضال المستقيم , ولن يمت شعب كشعبنا أبدا لن تهدأ جذوة الثورة حتى النصر والنصر آت آت آت ولو تمترس كل الطغاة خلف جبال الرصاص والسلاح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق