أعمدة ومقالات

تركيع السودان أم تركيع الإخوان ؟؟

خالد فضل

تسنى لي على مدار يومين متتاليين في الأيام القريبة الماضية  مشاهدة جزء من كلمتين لرئيس الوزراء معتز موسى أمام المجلس الوطني (برلمان السلطة ), وللرئيس عمر البشير أمام جمع من قيادات الشرطة يقودهم وزير الداخلية الطبيب أحمد بلال عثمان .وقبلا استمعت كذلك إلى جزء من خطاب جماهيري للرئيس البشير في استاد مدينة ودالحداد بجنوبي ولاية الجزيرة . وددت كتابة كلمتي لهذا اليوم تعليقا على ما سمعته في تلك الفعاليات من رئيس الدولة ورئيس وزرائها .

اتفق الرئيس ورئيس وزرائه في عبارتين تقريبا هما , قدرة السودان وامكاناته المهولة وموارده الغنية وثرواته الواضحة التي ينقصها فقط حسن الإدارة والتوظيف الصحيح . ثمّ اتفاقهما كذلك على معاناة السودان من ضغوط هائلة , قالها رئيس الوزراء هكذا فيما أضاف إليها الرئيس التكملة الضرورية ( لتركيع السودان ) ! أمّا في ود الحداد فقد أفصح الرئيس عن سبب المعاناة وردّها مباشرة إلى كوننا (مسلمين)  , مطالبا الجماهير بحذو حذو صحابة رسول الله في ربط الأحجار على البطون وأكل أوراق الشجر !

أولا لابد للمرء أن يتفق مع الرئيسين حول امكانات السودان وموارده المادية الظاهرة والباطنة وموارده البشرية التي تعجّ بها كل بلدان الدنيا تقريبا مقرونة في الغالب بالسيرة الحسنة والسمعة المميزة , وكثيرا ما نطالع كتابات في الصحف الخليجية  خاصة , لكتاب بارزين ينوهون إلى محمدة السودانيين في بلدانهم  ,أمّا سؤ الإدارة والتوظيف لهذه الموارد فهذا هو جوهر الخلاف بين جماعة الإسلام السياسي (الجبهة الإسلامية أو سابقا الإخوان المسلمون)وبين معظم جماهير الشعب السوداني سواء القوى السياسية المدنية  والتنظيمات المهنية والحركات السياسية المسلحة (المتمردة)_علما بأنّ التمرد هنا صفة ايجابية _ أو حتى في أوساط عامة الناس من غير ذوي الإهتمام التنظيمي بالشأن العام , وسؤ إدارة الموارد والفساد فيها هو مسؤولية مباشرة يقع وزرها على كتفي المشير البشير أولا , ويتبعه رئيس وزرائه وطاقمه الحزبي وحركته الإسلامية , فقد انقلب البشير على نظام سياسي وإداري ديمقراطي رغم نواقصه إلاّ أنّه يمثل أفضل بيئة سياسية متاحة حاليا على وجه الأرض ,  لأنّها ببساطة شديدة توفر العناصر اللازمة لحسن الإدارة من خطط وبرامج وتمويل ومتابعة واشراف وتقييم وتقويم ومراجعة ومحاسبة إلخ.., غياب هذه العناصر في الإدارة التي يرأسها البشير لمدة 30 سنة وسيادة وممارسة نقيضها هي التي قادت إلى الإنهيار التام الحادث الآن في السودان , وليست هناك أي ضغوطات أو ممارسات خارجية تهدف إلى تركيع السودان كما يزعم البشير وزمرته , وإن كانت هناك ضغوط للتركيع فهي في الواقع تهدف لتركيع تنظيم الإخوان وليس السودان , اللهم إلاّ في حالة اعتبار السودان كله أرضا وبشرا من ضمن حيازات إخوان السودان الخاصة , صحيح هناك ابتزاز فاضح للبشير وجماعته من جانب كل من هبّ ودبّ من دول وحكومات العالم البعيدة منها والقريبة , لدرجة تثير الخجل وطأطأة الرأس للسودانيين المنتشرين في الهيئات الدولية والإقليمية بين رصفائهم من الدول الأخرى , هذه الوضعية الحرجة والمذلّة حدثت بفضل جهود التحطيم المثابرة على مدى 3عقود من الزمان انفقها شعب السودان تحت رايات عهد الإنقاذ الإسلامي وتنظيمه الفاسد , والاّ ماذا نسمي هذه التصرفات مثلا : النفي القاطع بالإنتماء لتنظيم الإخوان المسلمين من جانب البشير في لقاءاته الصحفية في دول الخليج والسعودية , ثمّ عودته لتأكيد انتمائه للحركة الإسلامية بنسبة100%في مؤتمر الحركة الإسلامية ؟التواطؤ مع السعودية  والإمارات في حرب اليمن ضد الشيعة الحوثيين , والتواطؤ مع بوتين والأسد وإيران وحزب الله الشيعي ضد الإخوان المسلمين والجماعات السلفية السنيّة  المدعومة من السعودية وتركيا في سوريا ؟ استضافة فلول الإخوان المسلمين الفارين من سوريا وتوفير الملاذات لهم وزيارة بشّار في دمشق ربما لأخذ خبرته وتجربته في إبادة التظاهر السلمي ووأد حق التعبير !!التماهي مع نظام السيسي في مصر حد الإنبراش الإستخباراتي والصمت عن احتلال الأرض , ونسيان محمد مرسي الأخ المسلم القابع في سجون السيسي ؟ ومع ذلك لا يتلجلج البشير في خطبه الصماء أو العصماء أمام البسطاء في ودالحداد وأمام الرتب والكتوف المرصّعة بالعلامات في دار الشرطة وبحضور الطبيب أحمد بلال , في تلاوة آيات القرآن التي تتحدث (كما في العهد القديم؛ التوراة) عن القصاص , أي على رجل الشرطة أن يقتص من المتظاهر السلمي في شوارع المدن والقرى  (بقتله) أو كما قال !وعندما يأتي أوكامبو بالدليل من أشرطة التلفزيون (يقول في محفل آخر : هنالك ضغوط لتركيع السودان)!!!ويولول معتز موسى من هول الضغوط , ومعتزا هذا كان في سنة الإنقلاب الأولى لم يزل طالبا في جامعة الخرطوم يحمل السيخ ليرهب أعداء الله من الطابور الخامس الذين هم في الواقع أكثر من 90%من زملائه وزميلاته في الجامعة . ويتحدث سعادته بعد 30سنة من التخريب الممنهج عن سؤ الإدارة الذي أهدر ويهدر الموارد , ولو نظر قليلا في تجربته هو نفسه لبان له العوار , فما هي الدرجة الوظيفية التي كانت مدخله للخدمة العامة يوم ولجها ؟وكيف تدرّج فيها حتى صار جامع المنصبين رئيس ووزير في آن !!

إنّ الإدعاء الزائف بأهداب الإسلام لا يجدي أمام ثورة شعب شعاره (حرية  سلام  وعدالة ), والإدعاء الأجوف أمام البسطاء القرويين في ريفي ود الحداد بالتآسي بحياة الصحابة رضوان الله عليهم لا يقف على ساقين فنحن في عصر المعلوماتية وشكرا( قوقل) الذي ينفي كل وهم زائف بالإتيان بالحقائق من مصادرها وهو متاح لملايين السودانيين الثائرين الآن في كل أرجاء الوطن الكبير , وبحث بسيط في دراسة معايير إسلامية الدول تحديث 2017م توضح موقع حكومة البشير ومعتز موسى من (الإسلام) وفق 113مؤشر مستمدة من القرآن والأحاديث النبوية , ضغطة واحدة على عنوان (معايير اسلامية الدول) تغني عن التوهان في لجج التفسير لما يهرف به البشير من آيات القصاص في غير سياقها . وضغطة أخرى على قوقل بعنوان (جوزيه موخيكا) تُريك كيف يعيش صحابة القرن 21م وليس صحابة القرن السابع وحدهم , موخيكا رئيس الأورغواي من مارس2010__ مارس2015م, من مواليد 1935م , مقاتل سابق في منظمة توباماروس اليسارية , ووزيرا للثروة الحيوانية والزراعة والثروة السمكية ثمّ عضوا بمجلس الشيوخ , مهنته سياسي وفلاح , ورئيسا منتخبا لدورة واحدة لم يسع لتجديدها رغم تعلّق الشعب به ومناداتهم بدورة واحدة فقط وليس مدى الحياة , تبرّع ب90%من راتبه الشهري (12ألف دولار)لصالح جمعيات خيرية ومنظمات شبابية منتجة , عاش في منزل زوجته التي شغلت مقعدا في مجلس الشيوخ هي الأخرى وتبرعت بجزء من راتبها لذات الجمعيات الخيرية , سيارته فولكسواجن موديل 1987م , وقد فتح في 2014م أبواب القصر الرئاسي أمام المشردين الذين عجزت دور الإيواء عن إيوائهم ليجدوا في (غرف) القصر أجمل سكن !!!! ويقول رئيسنا (الأخ المسلم) في الداخل , و(الشينة منكورة ) في الخارج ؛ أمام جماهير الحداد: الصحابة ربطوا الحجار وأكلوا الشجر , وأمام نياشين الشرطة وقائدهم الطبيب أحمد بلال (اقتصوا (أي أقتلوا) المتظاهرين المخربين )!1 ولا عجب فموخيكا كل رصيده الديني وسام من جمعية مسيحية محلية . ولأنّ دينه على خفيف لم يقتن مزرعة في (سليت) الأورغواي, ولم يبتن نُزلا في حي الصالحين فيها, وشقة في نًزل النصر والهزيمة سيان.  ولأنّ الحساسية الإنسانية والوطنية تكاد تكون معدومة , فقد أشار الرئيس البشير في خطابه(عن القصاص) أمام ضباط الشرطة إلى أنّنا كسودانيين أكرم من أن نصير لاجئين , أي دولة ستقبلكم ؟ جنوب السودان؟أو غيرها من دول الجوار ؟ وللعلم فقط , هنالك أكثر من 600ألف لاجئ سوداني يعيشون الآن في معسكرات على الحدود الشرقية لدولة تشاد , هل هولاء ضمن (أكرم السودانيين)؟ , وهناك2000 منهم 200أسرة في معسكر أغادير في جمهورية النيجر أهولاء من كرام السودانيين أم من أوضعهم مقاما ؟ هناك أكثر من 55ألف لاجئ في معسكر إيدا في جنوب السودان فرّوا من جبال النوبة  فضمن أي درجة (كرامة) سودانية يمكن إدراجهم ؟ وهنالك حوالي 200ألف لاجئ آخرين من النيل الأزرق وجبال النوبة في إثيوبيا , فمن هم هولاء , وما حظّهم من كرامة السودانيين التي يباهي بها الرئيس البشير أمام الرتب الشرطية الرفيعة وطبيبهم أحمد بلال !!

مطلب السودانيين الصريح (ارحلوا) , ويعرف السودانيون كيف يديرون وطنهم بعد جلاء وباء الإخوان , وسيرحلون طال الزمن أم قصر فثورة شعب يريد الحياة والكرامة الحقة ويعتنق الأديان السمحة والمعتقدات الروحية الكريمة , شعب متعدد الأعراق والثقافات , وأرضه وسماءه تفيض بالخيرات , يحتاج إلى إدارة مدربة وكفؤة ونزيهة , شعبنا لا يحتاج إلى (قطط سمان) ّّفصيلة (الإخوان)!

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى