أعمدة ومقالات

د.حيدر إبراهيم علي يكتب : تحية إجلال للشباب السوداني

تحية إجلال للشباب السوداني : بين ربيع 1968 وشتاء 2018

انفجرت طاقات الشباب السوداني ، وتقدم مسيرة الحريه والكرامة نحو السودان الديمقراطي المتعدد والمتسامح . فقفزوا بشعارات ثورتهم المبدعة الرائعة الى قيم القرن الحادي والعشرين مباشرة، متجاوزين القبلية والطائفية والتعصب الديني الاقصائي المغلق . أعادتني اتتفاضة الشباب السوداني الى ذكريات ثورة ربيع 1968م وقد عشت بعض أصدائها في فرانكفورات بألمانيا واقتبست منها شعار ” كن واقعيا واطلب المستحيل ”  في عمل مركز الدراسات السودانية، كان شبابها متفائلين وواثقين في المستقبل , لذلك كانت ثورتهم ضد الماضي وضد المؤسسات القديمة , وضد سلطة الاب ولذلك سموا أنفسهم أبناء الزهور (blumen kinder) بالألمانية،أي أبناء الطبيعة  المتجددة،  وفي فرنسا ثاروا  ضد السلطة الأبوية وسلطة الدولة،  فكان شارل ديغول يمثل الأب والحاكم معا فكانت البداية ضرورة إسقاط جمهوريته .

صعد اليسار الفرنسي  مكونا مع الحزب الشيوعي الإيطالي والإسباني ما عرف بالشيوعية الأوربية (Euro- Communism ) المعادية للنموذج السوفيتي القمعي والمطالبة (بحلم السوفتيات) اي المجالس كما دعت الثورة البلشفية المبكرة قبل اختطافها .

أما في ألمانيا فتسبب ضعف وتشتت اليسار والشوعيين وغلبة الاتجاهات الاشتراكية  والديمقراطية ذات الميول الليبرالية بشكل أكبر.

في هذا السياق  تشكل حزب الخضر من منطلقات بيئية لمحاربة الرأسمالية المتوحشة .

نحن لا  ندعو  لتقليد تجربة الشباب الأروبي ولكن أي ثورة جديدة لا بد لها من  موقف نقدي ورافض للماضي، فلا بد من تجاوز  “الأب” كخازن للماضي وحامٍ  للقمع  وإعادة انتاج التاريخ بكل عيوبه، فليس  كل الماضي والتراث لحظات مضيئة أو صاعدة!

لقد  أثبت الشباب السوداني أنهم  طليعة للنهضة والحداثة، رغم أن النظام  الفاسد حاول حصارهم وتغيبهم من خلال  نظام تعليمي” قروسطي” – أي ينتمي للقرون الوسطى يغيب العقل  وروح  الحياة الجادة والممتعة.

هذه الطليعة النهضوية، مرتكزاتها ومرجعياتها المواطنة والعقلانية والعلم , لبناء مجتمع سوداني إنساني، يكون  الانسان فيه هو القيمة العليا .

وكما قال الشاعر الفيتوري: ” الأعلى من قدر الانسان هو الانسان”! أي خلق مجتمع يكون الانسان فيه هو الهدف، وهو الغاية والوسيلة في نفس الوقت. المجتمع الإنساني  السوداني هو بالضرورة مجتمع مدني وواقعي وليس خياليا ولا غيبيا، يفهم نفسه ويعدل اخطاءه من خلال فهم الواقع وتحليليه  واستشراف المستقبل .

الطليعة  يكون موقفها  من  التاريخ والتراث نقديا،  فلا تقبله بعلاته وعيوبه، فيجب أن لا تتخذه مثلا وقدوة، ولا تجعل من البنى القديمة  مسلَّمه واجبة  القبول.

تراثنا السوداني  كللته قديما  نزعات العنصريه وتجارة الرقيق، كما لونه العنف بسبب النزاعات القبلية، فكانت الشجاعة  تعني القتل والنهب،  لا  الشجاعة الاخلاقية والمعنوية، في كثير من الأحيان .

وتزخر أغاني الحماسة بتمجيد من يقوم بقطع الرقاب (فرتاق حافلن ,ملاي سروجن دم ) وفي نقاش بين المحجوب وحمزة المك طمبل حول الادب ,قال الاول – أن الماضي هو الذي سنبني على أنقاضه , وان صرفت النظر عنه كنت كالبنيان  القائم على غير أساس .

هذا الوهم السائد ننسفه لكم  بهذا السؤال: على أي أنقاض قام بناء خزان سنار!!! , انه لم يقم على أنقاض! ولكنه بناء جديد، قام على اساس جديد( الأدب السوداني وديوان الطبيعه -1973م ص 51)

على الطليعة ان تحذر الاغتراب سواء من الزمان او المكان!  فالأول يعني اعتبار الماضي هو الفردوس المفقود و”اليوتيوبيا” التي لابد ام استعادتها! والثاني(اغتراب المكان او الجغرافيا هو اعتبار أن  الغرب هو الحضارة  التي علينا أن نقلدها او نلحق بها، فهو  النموذج  المثالي النظري .

البداية هي الواقع الذي يستشرف المستقبل دوما وجود السلطة الابوية والذكورية هو  المشكلة، وعلينا نحن الكبار  ان نرفع أيادينا  عن توجيه هذه الطليعة. يخاطبنا جبران خليل جبران:

“أولادكم ليسوا لكم

أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها

بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم.

ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم.

أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم,

ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم

, لأن لهم أفكارا خاصةً بهم.

وفي طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادهم.

ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم.

فهي تقطن في مساكن الغد، الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى في أحلامكم.

وإن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم.

ولكنكم عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم.

لأن الحياة لا تعود القهقرى, ولا تلذ لها الإقامة في مساكن الأمس.

أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم.

فإن رامي السهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللانهاية,

فيلويكم بقدرته لكي تكون سهامه سريعة بعيدة المدى.

لذلك, فليكن التواؤكم بين يدي رامي السهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة.

لأنه, كما يحب السهم الذي يطير من قوسه, هكذا يحب القوس الذي يثبت بين يديه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *