أعمدة ومقالات

18يناير سموق القامات الفارعة

خالد فضل

ذاك الفتى المقدام الذي يفتح صدره للرصاص الجبان في شوارع الخرطوم  الآن , يقدم شهادة فداء للشعب العظيم , يؤكد خصال هذا الشعب الذي يأبى الضيم والجبروت ويعاف القهر والإذلال ,وفي 18يناير 1985م كان الأستاذ الشهيد محمود محمد طه , يلوّح بإبتسامته الساحرة التي فاض بها وجه شيخ جاوز منتصف السبعين , وهو يتجه صوب حبل المشنقة في سجن كوبر ؛ فداء لهذا الشعب الكريم . وأكثر من أربعين شهيدا حتى الآن , سمقت قاماتهم إرتقت أرواحهم إلى مصاف القديسين والأبرار في درب الفداء السالك , والأستاذ , طيلة عمره ظل ينافح عن حرية الفكر , ينقي دين الإسلام من أوشاب الأرزقية تجار الدين وربائب الهوس المجنون, الأستاذ محمود المفكّر الذي طابقت أقواله أفعاله فكان حريا به أن يقود بعث الإسلام حيّا في القلوب والعقول , بعدما ران على القلوب صدأ الأنانية وطغى على العقول إفك المهوسيين وغلواء المشعوذين الذين يتخذون الإسلام ستارا يتقيأون خلفه أسوأ ما في النفس البشرية من مخازي , ولا خُزي يعادل إزهاق الأرواح , ظلما واستكبارا وطغيانا , وبالنتيجة طوّح جسد محمود النحيل تدلى جسده من على حبل المشنقة وسط تهليل وتكبير مرضى العقول والقلوب , ولولا المحبة التي عاشها محمود وسرت في الوجدان السليم عقلا وفكرا وعملا ومعاظلة شرسة مع النفس الأمّارة بالسوء , لجرّدنا القتلة السفلة من صفة إنسان ,  ولكنّنا نتدبر, فإلى أي صنف من مخلوقات الله الجبّار يمكن رد هولاء أو عقد شجرة نسب لهم؟  أي كائن في الوجود تسمح لنا أنفسنا بتلطيخه بعار بعض بني البشر من أبناء جلدتنا , فالحجر الصلد يتفتت إلى حبيبات ليّنة طائعة تفيد الصانعين , والبهائم من فرط حساسيتها ,  الذئبة تدافع عن نطفتها  , والنمل حتى النمل يعتزّ بثقب الأرض ,أمّا هولاء فلا تهتز لهم رقبة . والوصف لمظفر النواب .

في 18 ينائر من ذاك العام قبل بضع وثلاثين سنة طوّح الجسد , فاضت الروح , ولسان حال الأستاذ يتلو دعاء القديس فرانسيسكو الأسيزي , فيسري اليقين بأنّ من اصطفاهم الله هم الأخيار , ردّهم إلى جواره

يا رب

اجعلني أداة للسلام

فحيث الكراهية , اجعلنا نزرع المحبة

فحيث الإنقسام , اجعلنا نزرع الوحدة

فحيث الشك , اجعلنا نزرع الإيمان

فحيث اليأس , اجعلنا نزرع الأمل

فحيث الحزن , اجعلنا نزرع الفرح

فحيث الظلام , اجعلنا نزرع النور

يا الله

اجعلني أسعى لتعزية الآخرين قبل تعزية نفسي

وأن أتفهمهم أكثر من أن يتفهموني

وأن أحبهم أكثر من أن يحبوني

لأننا نأخذ عندما نعطي

ونُسامح عندما نُسامح

ونحيا إلى الأبد عندما نموت

في 18 ينائر ذاك , انتقلت روح محمود لتحيا إلى الأبد , في سبيل الحق والخير والجمال , في سبيل الشعب الحر الكريم الأبي , في سبيل الفكر المعافى والروح النقيّة الشفافة , في سبيل الوطن سلامه حريته وعدالة أوجه العيش فيه وفي 18ينائر هذا تغرغر الدماء في الصدور العارية , تشهق الأرواح في شفاه شباب كان آخر هتافهم (حرية سلام وعدالة ) , ذات المعاني التي كرّس لها محمود حياته , ها هي تمثّل مطلوبات الجيل الذي لم يعش في عصر محمود , وما بلغه من آثاره مسخ مشوه من سدنة الهوس والأفاكين الذين خسروا كل شئ وسيمضون إلى سلة قمامة تاريخ الشعب العظيم , نعم سنصلبهم عرايا على بوابة التاريخ ونعبئ الأيام بالنسيان كما في حداء الجميل الصادق الرضي .

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق