أعمدة ومقالات

سودان ما بعد الثورة لم يعد كما قبلها

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

خالد فضل

 لم تخب أبدا رهانات من ظلوا يراهنون على قدرة شعبنا الكامنة , وأعد نفسي من أولئك المراهنين ولله الحمد , تعلمت الكثير من علاقة إنسانية رفيعة بالراحل شاعر الشعب محجوب شريف ؛ هذه واحدة من أعظم الفرص التي منحتها الحياة  لشخصي , كنت في أوقات عصيبة ألوذ بشعره , وفي مرات أسعى للقياه , وفي كلا الحالتين كنتُ أتزوّد بطاقة جديدة نقية صافية , وبعبور باذخ للحظات الإحباط , وظلّ الرهان على الشعب دوما حاضرا عند محجوب , ومن لدن  يديه البارعتين تعلمنا إحترام الشعب , أقول هذا الآن , ومرأى مريم ومي يورق في ذاكرتي , وأمهن أميرة , ومحجوب يخاطبهن من خلف ترباس السجن , وعبر بنياته ينشر سحائب الأمل للأجيال القادمة , صبايا وفتية امرحوا في صباح الغد , خفاف ولطاف سؤالم رد وثابين أوان الجد دفاعا عن حياض السلم والإفصاح , يسلّم عليهم , سلموا لي عليهم جملة حتى اللسه قبل الخلق والتكوين , بشوفم كلّهم هسه . بلوغا لوطن مدرار جرت تتسابق الأنهار كما تتعارف الأعراق كما تتمازج الألوان كما تتصافح الأديان هجينا من سلالات الفخار والعز , وهيبة على امتداد الكون علما في حماه النجمة حتى الزهرة والمريخ , شبح حرب النجوم انزاح  , بالله عليكم أليس الرهان على قدرات شعبنا رهان رابح حقا , أو لا ترى عزيزي القارئ أنّ رؤيا ورؤية محجوب تتمطى الآن في شوارع الخرطوم , وفيافي الحلّال , وشعبا تترب قد قام .

  وفي ثورة الشعب تجلّت عدة وقائع لابد من التأمل فيها بجدية ورسم المستقبل على ضوءها , من أولى تلك المعطيات أنّ سودان ما بعد ثورة ديسمبر يناير وربما فبراير …. حتى النصر , لن يكون بأي حال من الأحوال مثل ما كان قبلها  طيلة الثلاثين سنة الماضية , فقد انكسر حاجز الخوف , وبات الأطفال يتلاعبون بالتاتشرات المدججة بالجندرمة والعسس المتوحشين , ويتفنون في الهزؤ من جبروت الرصاص والغاز المسيل للدموع والعصي الغليظة والسياط التي تُدمي الأبدان وتستّل الأرواح , لكنها لا تزيد العزائم إلاّ إصرارا ولا تزيد القلوب إلاّ ثباتا وبفضل هولاء الشباب والصبايا صارت الشجاعة معدية حقيقة وليس مجازا , هولاء الذين شملهم محجوب بالسلام قبل الخلق والتكوين تلقفوا الرسالة الصادقة وكانوا على قدر العشم والفال الحسن . وهم يصنعون لأنفسهم وشعبهم تاريخا مجيدا من الجسارة والبصيرة النافذة وسرعة البديهة والحضور الذهني والنفسي في أتمّ تجلياته , لديهم رد حاضر في التو والحين , فعندما يهرش السفاحون بالكتائب , تمتلئ الشوارع في أم درمان تحت الغاز والرصاص بالهتاف الداوي (ما بنخاف ما بنخاف) , وعندما يدمدم المجرمون بقطع الرقاب يسارعون بالرد الحاسم (إسبوع كتير إنت تطير ) وساعة تنطلق الأكاذيب المعهودة  عن جماعة عبدالواحد ونشر العنصرية المنتنة يأتي الجواب العاجل (يا العنصري المغرور كل البلد دارفور ) , هولاء شباب نشأوا على حب الوطن وفداء الإنسان والتقدم بثبات نحو المستقبل الذي سيسودونه رغم أنف كل متاريس القبح والقيح المستبدّة بالراهن المتوحش , ونشيدهم نحن جند الله جند الوطن , وراياتهم علم السودان يرفرف فوق الشوارع تحمله يد وبالأخرى تتقي رصاص وغاز وهراوات الطغاة , هذا تأسيس لازم لوطن المستقبل وملامحه المغايرة دون شك , فقد ارتفعت الروح المعنوية للشعب وارتقى الوطن سامقا تتعارف الألوان وتتحاور اللغات وتشتعل المشاعر وجدا وشوقا وطربا وأسى في أرجاء الكون الفسيح , وعبر قاراته كلها ينهض الوطن من قبو الأحزان , تمتلئ الحويصلات بالزاد الثوري المنتج غصبا للقهر والبطش وأرتال الشهداء ومشاهد الإذلال ووقائع الغبن , والهتاف المجلجل تسقط بس , حكومة الجوع والذل والخوف والقهر والفقر والكوز والجبهة والعسكر , ولمن يقولون إنّ الشعار خاو من المضمون نقول , أو ليس ما سببه الشعار من أسباب كفيلة بالمطالبة بسقوط النظام وتحطيمه لبناء وطن  بعد كنس الأنقاض المسرطنة !

  السودان بعد الثورة صار منقدا لمن يقعدون على صدر الشعب , وزمر الشهداء تتقاود كل شهيد يسلم الراية لشهيد , وتمتد أيادي الغدر والقهر والبطش لبيوت العزاء وصيوانات المآتم , وفي كل مرّة يبرق أمل جديد , والقصاص لأرواح وكرامة الشهداء واجب السداد على دائر الجريمة , لا استئصال لمن لم يلغ في الدماء , وحتى المجرمين تتم محاكمتهم في محاكم عادلة تتوفر لهم فيها كل مقومات المحاكمة العادلة حتى يعرفوا الفرق بينهم وبين سودان الثورة وشباب الثورة  الواعي الراقي , وهذا بند آخر من بنود التغيير في السودان , حيث المثال الأقرب للكمال , وطن بالفيهو نتساوى نحلم نقرا نتداوى .

  سودان ما بعد الثورة , وبالروح الوطنية الوثابة وبالوحدة الشعورية النادرة سيكون أرضا للأحرار ووطنا لائقا بالإنسان , الصراع فيه من أجل الأفضل والخلاف في بيئة ديمقراطية تحترم آدمية الإنسان والحقوق فيه على قدم المساواة لا تمييز بسبب اللون أو الدين أو العرق أو الثقافة أو النوع , وقد أحدثت الثورة بالفعل قدرا كبيرا في مضمار تحطيم الصور الذهنية السالبة عن الأجيال الصاعدة , الآن شباب السودان يتجدد , النساء يتقدمن الصفوف الأطفال في براءتهم يلهجون بالتغيير , الآن في السودان يتضاءل حجم الجبروت , يتقزّم الطغيان , بفضل الثورة وروحها المتقدة في كل الأصقاع , وعبر وسائط التواصل وامكاناتها المهولة مع إجادة التوثيق لم يعد شئ يخفى , وما عادت الترهات البائخة عن البنت بتاعة البندقية تنطلي على غر أبله , الآن ينطلق شعب السودان لتحقيق غاياته الأبهى , طلبا ونضالا من أجل حقّه الأبهى ووطنه المسروق وثرواته المنهوبة , وليتفرّج العالم على ملاحم رائعة يسطرها هذا الشعب العملاق , والنصر حليف الثورة مهما تمدد الطغيان النصر حليف الشعب ولابد لليل أن ينجل لابد للفجر من إصباح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى