أعمدة ومقالاتاخبار مستمرة

فتحي الضو: عشر نقاط مُضيئة في مسيرة ثورة الكرامة السودانية!

فتحي الضَّو  

لا أظن أن فرحاً غامراً اجتاح أفئدة السودانيين في حيواتهم، مثل هذا الذي يعيشونه الآن في ظل ثورة الكرامة التي دخلت شهرها الثاني. ولا يساورني أدنى شك في أن مسيرتها الظافرة ستتواصل إلى أن تحقق غاياتها الكبرى، والمتمثلة في اقتلاع نظام الجبهة الإسلامية من جذوره. ليس ذلك فحسب بل إقامة دولة المواطنة والبديل الديمقراطي، الذي يحقق للإنسان السوداني عزته وكرامته، وتزدهر تحت راياته الدولة وتحقق رفاهيتها وتقدمها، ومن ثمَّ تتبوأ مكانها الطبيعي بين الشعوب والأمم. تلك أهداف ظلت على مدى ثلاثة عقود زمنية أشبه بالحلم المستحيل، لأن الطغمة الحاكمة مزَّقتها إرباً إرباً، غير أنه ما إن أطلَّت برأسها مع تباشير ثورة الكرامة، حتى ارتفعت هامات الشعب السوداني، عدا قلَّة من جلاوزة العُصبة ذوي البأس، والذين أقبل بعضهم على بعض يتلاومون. بيد أنه قبل أن يطوي التاريخ صحائفه بالنصر المؤزر قريباً، علينا – من باب التوثيق – أن نستوقف أنفسنا في المعاني العظيمة التي صاحبت ثورة الكرامة، وأحصينا منها عشراً حتى لا تضيع هدراً (كما ضَاع عِقدٌ على جِيد خالصة) كما قال أبو نواس. أما (خالصة) هنا، فهي (عازة) التي يُكني بها الوطن! 

أولاً: ثمة حقائق موضوعية يجب تثبيتها، يأتي على رأسها أن ثورة الكرامة هذه، قوامها الشباب – إناثاً وذكوراً – جنباً إلى جنب. بل من المفارقات التي تدعو للدهشة، هي أنهم الجيل نفسه الذي وُلد وترعرع في سنوات العهد الغيهب. كما أنهم هم الذين عانوا الأمرين من سياسات دولة الفساد والاستبداد. وزاد عليهم ظُلم ذوي القربى، بأحكام خاطئة تحط من قدرهم وتعتبرهم ميؤوسين منهم، ولا يُرجى منهم نفعاً! 

ثانياً: جاءت مشاركة المرأة بمختلف أعمارهن، بحجم قياسي كأكبر مشاركة في تاريخها منذ ولادة الدولة السودانية. وفي تقديري أنه علاوة على الدوافع الوطنية، فقد وقع على المرأة من الظلم تحت جبروت هذا النظام، أضعاف ما أوقعه على الشعب كافة (أكثر من خمسين ألف جُلدن تحت سياط قانون النظام العام سيء الصيت) أما العنف اللفظي والتحقير فحدث ولا حرج! 

ثالثاً: إن سلمية الثورة قد ألجمت قول كل خطيب، فقد تأكد للشعب السوداني أن اللاعنف يُعد سلاحاً أكثر فتكاً من أسلحة الدمار الشامل. وقد أجهض الثوار المسعى البئيس للطغمة في محاولات جرِّهم إلى ممارسة العنف، لكي تجد مبرراً للفتك بهم كما حدث في انتفاضة سبتمبر 2013 والتي وضَّحت بما لا يدع مجالاً للشك، أن تراكم الفعل الثوري أنضج الثورة على نار هادئة، وصولاً لاكتمال شروطها الذاتية والموضوعية بمثلما حدث الآن! 

رابعاً: كادت الثورة أن تقع في حبائل التحجيم التي نصبها نظام الطغمة، باعتبارها (حراك) من أجل الخبز والوقود والسيولة. وبالفعل بدأت ماكينة تزييف الوعي الإعلامية، تضخ في هذه الأكاذيب وتروج لها، إلى أن أخرستها الحقيقة الساطعة في أنها ثورة كرامة لا تقبل التأويل ولا التحوير، وذلك ما ترجمه الثوار لشعار أصابوا به كبد الحقيقة (حرية.. سلام.. وعدالة) ويعد هذا الشعار من أصدق ما رددته الألسن، إذ عبَّر تماماً، عن القيم التي افتقدها السودانيون في ظل العصبة الحاكمة، رغم أن شرورها طالت كل شيء! 

خامساً: عليه واهمٌ من أراد تزييفها وظنَّ أنها انتفاضة جياع، وواهمٌ من شاء تحجيمها في اقتلاع المشير ساكن قصر غردون وحده، وواهمٌ من اعتقد أنها ستتوقف عند اسقاط حكم الطبقة الأوليغارشية Oligarchy فحسب. لقد أثبتت الوقائع مكتملة الأركان، أنها ثورة ضد مشروع الإسلام السياسي الذي لا يُعبر عن واقع الشعب السوداني، أرادت العصبة الحاكمة أن تعيد به صياغة الإنسان السوداني كما ادَّعت، فإذا بالشعب يعيد صياغتها ضربة لازب. ولا اعتقد بعد هذه التجربة المؤلمة أن هناك من سيجرؤ على تكرار خديعة الإسلام السياسي مرة أخرى، ويستخدم الدين كفزاعة لحجب فساده وتغطية أكاذيبه، ويكفي جدلاً ارتفاع أصوات بعض أئمة مساجد من على المنابر. بل من المفارقات أن يهرف عبد الحي يوسف (أحد صنائع المشروع البائد) بقوله إنه لا ينبغي أن تستخدم منابر المساجد في السياسة، وهو نفس القول الذي كفَّر المذكور نفسه الذين نطقوا به آناء الليل وأطراف النهار ولسنين عددا. 

سادساً: إذا استدعينا أعلاه وأسقطناه على المقولة السائدة (بضدها تتبين الأشياء) يمكن القول إن الثورة أكدت مدى توق السودانيين للديمقراطية، فثمة قناعة بدأت تترسخ في أن الديمقراطية هي النظام الذي يتوافق مع التعددية الثقافية والفكرية والدينية التي يتميز بها السودان، وأن السباحة ضد تيار هذا الواقع، هو ما أوقع الدولة في براثن الفشل، ذلك عندما لم تحسن النخب إدارة تلك الدولة بتنوعها المذكور، وزادت الطغمة الحاكمة على الفشل بإقامة دولة الفساد والاستبداد. 

سابعاً: لقد كشفت وقائع الثورة عمن الذي يصنع العنف؟ أو بتعبير آخر من هو الطيب ومن هو الشرير؟ أو من الذي ينبغي أن يعتز بهويته ومن الذي دنَّسها؟ وبتفسير أدق لقد رأينا ماذا فعلت الأيديولوجيا بأزلام الطغمة الحاكمة. فالذين اغترفوا أمام أعيننا موبقات يندي لها الجبين، يفترض أنهم سودانيون يشاركوننا نفس الهوية، ولكنهم تدجنوا وطمست الأيديولوجيا مشاعرهم وعواطفهم وإنسانيتهم، وأحالتهم لقوم أشر من الدواب، أي صم بكم لا يعقلون. لقد شاهد الناس كيف أن رجالاً أشداء ينقضُّون على طفل يافع بالضرب المبرح كأن بينه وبينهم ثأر عظيم. ورأوهم يمارسون الخطيئة نفسها على النساء وأوسعوهن ضرباً وشتماً وقذفاً يعف اللسان عن ترديده. ورأوهم أيضاً ينتهكون حرمات البيوت بلا رقيب أو حسيب. هل هم بالفعل (إخوان الشيطان) على حد توصيف من نصبوه إماماً؟ في التقدير أن الناس قد وجدوا إجابة شافية لمقولة الراحل الطيب صالح، التي يستدعيها البعض كلما ضاقت عليه الأرض بما رحبت جراء ممارسات العصبة ذوي البأس؟  

ثامناً: لكن في المقابل أحيت الثورة القيم السودانية التليدة، فظهرت الشجاعة والمروءة والصدق والكرم والنزاهة وإيثار الذات، ومع نفحات الحرية تفتقت المواهب شعراً ونثراً وأناشيد وطنية كأنها نبعت من باطن الأرض. وفي المواقف الإنسانية شاهد الناس ما أدمع العيون وفطر القلوب. وبين طرفة عين وانتباهتها اختفت ثلاثية التخويف والتيئيس والتخذيل التي قلنا عنها من قبل، إنها السلاح الأشد فتكاً من أسلحة الدمار الشامل، وطفق سدنة النظام يرددونها ويروجونها كلما ضاقت الأزمة واستحكمت حلقاتها عليهم! 

تاسعاً: لقد أثبتت الثورة خطل فكرة ما أصطلح على تسميته بالمركز والهامش. إنهما محض أكذوبة تلقفتها ألسنة بعض النخب، وراحوا يرددونها لشيء في أنفسهم، والنظام يضحك ملء شدقيه في الفخ المنصوب. إذ ادَّعت العصبة البراءة وهي تظهر بمظهر من ليس له ناقة ولا جمل في معترك هو في الأصل صنيعها بغية خدمة أهدافها التي ترجو بها البقاء على سدة السلطة بألاعيب الحواة. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، يمكن القول أيضاً إن الثورة طوت صفحة العنصرية البغيضة والقبلية النتنة، لا سيَّما، وقد استخدمتها الطغمة كسلاح لذات غرض البقاء على سدة الحكم! 

عاشراً: تعد ثورة الكرامة هذه من أكبر الثورات في تاريخ الشعب السوداني، وذلك من ناحية تعداد الجماهير التي شاركت فيها، وكذا شمولها الأجيال كافة، إلى جانب المشاركة غير المسبوقة للمرأة السودانية كما ذكرنا، إضافة لوصولها القُرى والنجوع والحضر بانضمام كل الأقاليم لها بعد ما كانت قِصراً على (الحيشان الثلاثة) وإذا زدنا على كل ذلك بذكر التصميم والإرادة اللتين دخلت بهما شهرها الثاني وكذا الحاضنة الاجتماعية التي توفرت لها، والتي تعد من أهم مقومات استمرارية الثورات وتمددها ونجاحها في الوصول إلى أهدافها المرجوة، نكون عندئذٍ أمام ثورة سياسية ثقافية مجتمعية غير مسبوقة في التاريخ السوداني، ودول المنطقة! 

تلك عشر نقاط ليست حصراً، ولكنها تمثل في تقديري أهم علامات التميز التي جعلت من ثورة الكرامة فعلاً ثورياً غير مسبوق، ليس على مستوى السودان وحده، وإنما على مستوى الإقليم، فقد أكد السودانيون أنهم نافسوا أنفسهم بوقائع هذه الثورة، وأنهم أجابوا على الذين كانوا يتساءلون عن غياب السودان من منظومة ثورات الربيع العربي، إجابة مختصرة تقول إنه شعب يمهل ولا يهمل! 

لقد اقتربت لحظة هزّ منسأة سليمان!! 

وتسقط بس!! 

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية ولو طال السفر!! 

faldaw@hotmail.com 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى