أعمدة ومقالات

إرتقاء الشهداء وسقوط بعض الإعلاميين

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

خالد فضل

   مجددا أرسل التعازي لأسر وذوي ورفاق ومعارف الشهداء الجدد الذين سقطت أجسادهم بالرصاص والتعذيب خلال الأيام القليلة الماضية  وارتقت أرواحهم لتضيف سطرا في تاريخ الفداء النبيل في سعي الثوار الدؤوب لبلوغ وطن الكرامة والإنعتاق من ربقة المستبد الفاسد , وقد شقّ عليّ مجددا نبأ إغتيال الأستاذ أحمد الخير عوض الكريم , للملابسات التي اكتنفت رحيله الفاجع , ولحجم الأذى الذي تعرض له ولابدّ قبيل مفارقة الروح الجسد , وهي حالة تماثل حالة الطالب عبدالرحمن الصادق الذي وجد مقتولا وقيل في سبب الوفاة (الغرق) , إنّ الموت تحت التعذيب أشد ألما ووقعا على النفس السوية من القتل السريع بطلق الرصاص في الشارع ,فالقتيل تحت التعذيب يعد في خانة قتل الأسير , فمن سيطرت عليه الأجهزة القمعية بالإعتقال فقد موضوعيا أي قدرة عملية على إزعاجها بالهتاف في الشوارع , وليس للثوار من سلاح سوى الهتاف سلمية سلمية ضد الحرامية , فهل الأجهزة تلك هم الحرامية ؟ أم مهمتهم حماية وتأمين الحرامية ؟ أم أنّ الهدف من القتل والترويع والتعذيب هو تخويف الناس وجعلهم كالأرانب المذعورة يتلفتون من هلع خشية ملاقاة المصير الذي لقاه الشهداء والجرحى والمعتقلين والمعذبين . ومن ثمّ يخلو الجو لـ (تقعد بس) ! في تقديري كلا الغايتين بائستين حقا , فحماية النظام أو السلطة أو الإمتيازات المادية المتحققة الآن لسدنة الحكم وحماتهم من الكتائب المسلّحة والمدججة بالحصانة , كل ذلك أمر زائل إن لم يكن بالثورة وسقوط النظام فبالموت الذي يمثل الحقيقة الأزلية رغم أنّ النفس تأبى إلفتها وتصديقها لأول وهلة خاصة في حالة فقد الأحباء , فهل يضمن قاتل الشهداء الأبرار الآن في الشوارع وبيوت الأشباح وزنازين التعذيب أن يكمل مهمة التعذيب والقتل دون أن يخطفه هو نفسه الموت قبل ضحيته , قد يتراءى له في لحظة ضغطه على الزناد أو رفع العصا أو آلة التعذيب أنّه مكمل مهمته لا محالة ولكن ليس هناك ضمان أن يكملها فعلا , وحتى إذا كان غافلا أو متغافلا عن تلك الفرضية البسيطة فإنّ غفلته لا تلغيها . أقول هذا وقد مرّ كل واحد منا بتجربة فقد عزيز عليه بسيناريو أقرب للخيال ولكنه حدث وتجرعنا مرارته في حينها , لدرجة تمني لو كانت الروح تُفدى لفدينا من نُحبُّ بأرواحنا , وهنا تنتفي فرضية التخويف بالقتل كذلك , فكل نفس طالت سنواتها أم قصرت ملاقية الذي لا فرار منه , أمّا التعذيب فإنّه حالة طارئة مهما عظُم ألمه في حينه , وإذا اشتدّ على الجسد والروح فإنّ المعذّب ( بفتح الذال وتشديدها ) يجد الراحة حقا في الموت ؛ وحتى بعض المرضى بأمراض فتّاكة يتمنون الموت طلبا للراحة من تباريح الجسد والروح , وكثيرا ما نجد الناس يرددون في بعض حالات الوفاة ( فلان/ة ارتاح بالموت) .

ما الذي يدفع بعض الزملاء الإعلاميين إلى السقوط في اختبار إنساني واضح , نعم أحترم تماما رأي من يخالفني الرأي حول أمور الحياة العامة , ولا تثريب على الأخ الزميل الطاهر حسن التوم مثلا أن يوالي سلطة الإنقاذ , هذا حقّه الطبيعي , أمّا غير الطبيعي فهو غمطه لحقوق الآخرين في الرأي الآخر , بل الأفدح من ذلك أن يتم إيقاف وعقد مجلس محاسبة لزميل إعلامي آخر لأنّه ترحّم على أرواح الشهداء الذين خضبت دماءهم وما تزال شوارع الوطن , في أتون ثورة طلب الكرامة والحرية والسلام والعدالة . فلا بأس أن يكون زميلنا الطاهر ضد تلك القيم النبيلة التي ينادي بها المتظاهرون أو يكون لديه موقف ضد الشيوعيين والبعثيين وجماعة عبدالواحد والإتحاديين والأنصار والمؤتمرجية والناصريين والحركة الشعبية والإصلاح الآن والكودة وشباب الشعبيين  وأساتذة جامعة الخرطوم والأطباء والنواب والإختصاصيين وشبكة الصحفيين وتجمعات المغتربين والمهاجرين في أصقاع الكون , لا بأس أن يكون ضد أطفال المدارس وشباب الجامعات وصبية الأزقة وشابات المهنيين والمطربين والشعراء والحقوقيين بل حتى عبد الحي يوسف وشيخ الأمين !! لا نغمطه حقا أبدا أن يكون مع تاتشرات الرعب وبنادق القنص وعبوات الغاز وسياط وخراطيش الجلد فكل ميسر لما خلق له , أو كل إناء بما فيه ينضح , ولكن بالمثل أليس من حق الزميل التاج أن يطلب الرحمة فقط لمن هم بين يدي الله !! بحجة مفارقة المهنية وتقاليد وسياسات فضائيته التي يدير , ولا أعلم ما هو موقف صاحبها رجل الأعمال وجدي ميرغني , أهو موافق على موقف الطاهر أهي السياسات التي وضعها بحجر مجرد التعليق أو الترحم على شباب يموت في الشوارع وتحت التعذيب ؟ أم أنّ الأمر سقوط من عل للزميل الطاهر الذي كان يُحظى بتقدير كبير لقدراته الإعلامية ونجاحه في هذا المضمار فإذا به ينحطّ لأسفل سافلين بهذا الموقف غير الأخلاقي ولا أجد حرجا في وصفه هكذا .

  إنّ الثورة التي اندلعت حقيقة لا ينكرها إلا مكابر , التغيير مطلب عام يشمل كل فئات المجتمع , والعلاج الأمني والعنف والسجن والترويع وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان لا تزيد الوضع إلا سوءا , وإرادة الشعوب لا تُقهر بىلات القتل , وموت المناضل لا يعني موت القضية , والوحش يقتل ثائرا الأرض تنبت ألف ثائر يا كبرياء الجرح لو متنا لحاربت المقابر , الرحمة للشهداء الأبرار العافية للجرحى والحرية للمعتقلين والصبح قريب قريب قريب قريب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى