أعمدة ومقالات

فيصل محمد صالح يرد على ضياء الدين بلال

التغيير: فيسبوك

كتب فيصل محمد صالح في سياق الرد على مقال لرئيس تحرير جريدة السوداني ضياء الدين بلال بعنوان: “حذاء على الرؤوس”- تجدون نصه أدناه –  ، ما يلي:

عفوا أخي وصديقي ضياء الدين بلال

لم أقبل مقالك هذا أو أتقبله، ولا قبلت أن يأتي منك، لأن عشمي فيك كبير

نحن لسنا في مباراة كرة قدم..ولا منافسة في الخطابة في جمعية أدبية. ولسنا في خضم خلاف سياسي بين أحزاب وجماعات فكرية وسياسية في مجتمع ديمقراطي، نحن نخوض صراعا شرسا ضد نظام قمعي فاسد، ويقيننا أنه يجر البلاد كل يوم نحو الهاوية، ولا سبيل سوى مقاومته عبر الوسائل السلمية التي خبرها شعبنا وجربها. نحن من نخاف على بلادنا من أن تنجرف لحال ليبيا واليمن وسوريا، نحن من نملك هذا الخوف ونتجنب هذا المصير، لهذا لم نخرج نحمل سلاحا ولا قنابل ولا مدافع، بل خرجنا نحمل هتافاتنا وصدورنا العارية، فماذا كان رد فعل النظام…؟

لا يغرنك حديث السيد رئيس الوزراء معتز موسى عن أن هذا الحراك رد فعل طبيعي ومحترم من أناس لديها مطالب مشروعة، فما قاله السيد معتز يدينه ولا يشهد له. هو رئيس الوزراء، فماذا كان رد حكومته وأجهزتها على هذا التحرك المحترم للمطالب المشروعة..؟. إن حكومته تعتقل القيادات السياسية والنقابية وتزج بها في السجون، تمنع حق التعبير السلمي وتعتقل المتظاهرين السلميين تفرق جمعهم بالغاز المسيل للدموع وتضربهم بالخراطيش والعصي وتقتلهم بالرصاص والتعذيب في الشوارع والسجون . إما أن رئيس الوزراء لا يملك السيطرة على حكومته وأجهزتها، وهنا عليه أن يدفع فاتورة ضعفه وليس المتظاهرين السلميين، وإما أنه كاذب ومنافق، يطرح كلامه هذا للزينة في المنابر، ويوافق على ما تفعله الأجهزة.

هذا المقال، يا صديقي ضياء، يصلح ليناسب الأوضاع في بريطانيا أو فرنسا أو أي دولة ديمقراطية، حيث أنه ينسجم مع آليات حل الخلافات السياسية بالوسائل السلمية. لكن عندما أقرأه مع الواقع السياسي السوداني أحس بأنك قادم من المريخ. نحن نعيش في ظل نظام قمعي يقيد الحريات العامة ويمنع الناس من ممارسة حقوقها، بما في ذلك الصحيفة التي ترأس تحريرها ، فيمنعها أن تتعامل مع الأحداث والأخبار بمهنية، فتنشر أخباره ونشاطاته ووجهة نظره، ولا تنشر ما يجري أمام أعينها من أحداث…. أليس هذا ما يحدث.

يا عزيزي ضياء، كيف يمكن أن تساوي بين الجاني والضحية، بين القاتل والمقتول، بين من يخرج وسلاحه الهتاف ومن يخرج وسلاحه العصى والخراطيش والرصاص الحي، بين من يطالب بحقوقه الإنسانية وبين من يقمعها.

نظام يعذب المعتقلين والمعتقلات في السجون، وأرجو أن تسجل زيارة لمنزل زميلك الدكتور خالد التجاني وتستمع لشهادة ابنته التي سبق اعتقالها، نظام يموت فيه المعتقلون بأبشع وسائل التعذيب عبر التاريخ، ثم تطالبنا بان لا نستخدم ضده خطاب الكراهية…..؟

يا سيدي لا يمكنك أن تكون مع الخير إن لم تكره الشر، لا يمكن أن تكون مع القيم الإنسانية إن لم تكره من ينتهكها، لا يمكنك إن تكون متعاطفا مع الضحية إن لم تكره فعل القتل والتعذيب ومن يمارسه.

ليس مطلوبا منك أن تتخذ موقفا سياسيا محددا، فهذا خيارك الشخصي، لكن المطلوب هو موقف أخلاقي وإنساني مما يجري.

توقفت اليوم كثيرا عند لقطة فيديو لطلبة وطالبات أساس يتظاهرون في شمبات، وهم يحملون صورة الشهيد الأستاذ أحمد الخير ويهتفون في حرقة “سامحنا يا استاذ”..بكيت كثيرا، ولا أخجل من قول ذلك، بكيت لأني لا أستطيع مثلهم أن أطلب السماح، ولا أظنك تستطيع، لأن علينا أن نفعل أكثر من طلب السماح، أن نتخذ موقفا، فلا ضمائرنا ولا إنسانيتنا ولاالتاريخ ولا الخالق عز وجل سيقبل من أن نكون بلا موقف إزاء جريمة بهذه البشاعة.

يقول مارتن لوثر كينق إن آخر مكان في الجحيم محجوز لمن يقفون على الحياد عند المعارك الاخلاقية العظيمة، ونحن الآن في خضم معركة أخلاقية عظيمة، ولا أجزم بتاتا أنني أملك بوصلة الأخلاق لأحدد أين يقف الناس، لكني وبعزم وبصيرة البشر غير المكتملة أعرف أنني لا أقف على الحياد، فليس هذا طبعي ولا طبيعتي.

فيما يلي مقال ضياء الدين بلال:

حذاء على الرؤوس!

-1-

أذكر في مُنتصف التسعينيات، كنتُ أؤدِّي صلاة الظهر بأحد المساجد

الأمدرمانية، وعقب الصلاة تم القبض على لصٍّ قام بسرقة حذاء.

تكالب المصلون على اللص بالتوبيخ، وبعضهم اعتدى عليه بالضرب المُخفَّف.

تطرَّف أحدهم وخلع حذاءه الثقيل لضرب اللص على رأسه. كانت المفاجأة

بالنسبة لي، أن المُصلِّين تركوا اللص وتوجهوا بغضبهم لصاحب الحذاء

المرفوع، لإسرافه في العقاب.

استغلَّ اللص انشغال الناس بلؤم صاحب الحذاء وحصاره بالمواعظ، فولَّى

اللص هارباً من بين أيدي المُصلِّين.

المُصلُّون في ذلك المسجد يمتلكون مقياس عدل فطري، يُحدِّد لهم نوع الذنب

ومدى العقوبة، ويُشير إلى أن الظُّلم كتجاوز أعظم من السرقة كسلوك شاذ.

-2-

إذا دخلتَ في مشاجرة مع أي شخص في حضور آخرين، وأسرفتَ في الإساءة إليه،

سرعان ما ينقلب عليك الحاضرون، مُنحازين للطرف المُسَاءِ إليه حتى لو

كنتَ صاحب حق.

قلت لبعض الأصدقاء: المزاج السوداني العام، مُناهضٌ للتطرُّف في المواقف

والتعبير عنها، ومُناهضٌ للظلم والجور بالأفعال والأقوال، وله حساسيَّةٌ

عاليةٌ في التقاط عدوى الاستفزاز والإساءة.

حينما تُوجَّه إساءةٌ أو اتِّهامٌ لفئة حصرية بين مجموعة كُليَّة يجمع

بينها فعلٌ أو موقفٌ أو مشاعر مُشتركة، فإن الإساءة أو الاتهام يصل إلى

بريد الجميع، فتشتعل نوبات العطاس.3-

أكثر ما يُميِّز رئيس الوزراء معتز موسى من بين مزايا عدَّة، أنك لا تجد

في قاموسه التعبيري كلماتٍ جارحة أو مُسيئة لمُخالفيه أو صادمة

لمُستمعيه.

هو عادةً ما يميل للجدال بالحسنى والمنطق، وبناء الحجج والبراهين

واحترام من يُخالفه الرأي أو يُغايره في الموقف.

في مُلتقى الصحفيين الذي نظَّمته صحيفة (السوداني) أمس الأول، تعرَّض

معتز موسى لهجومٍ ضَارٍ من عدد من الصحفيين والكُتَّاب.

 

رئيس الوزراء تعامل مع كُلِّ ما قيل بصدر مُنشرح وذهن مفتوح، فلم يرد على

الكلمة بمثلها حدَّةً وخشونة، أو يُقطِّب جبينه في وجه مُحدِّثيه.

لم يُخوِّن المحتجين أو ينسبهم للحزب الشيوعي وحركة عبد الواحد، بل قال

إن جوهر الاحتجاجات وجود آراء مُختلفة ومطلوبات مشروعة، وشبابٌ لهم

تطلعات يُعبِّرون عنها يجب الاستماع إليها باحترام.

رغم أن غالب المُداخلات كانت ساخنة؛ لكن حينما انتهى مُعتز من حديثه

والتعقيب عليها وجد التصفيق من الجميع مُخالفيه قبلَ مُؤيِّديه.

-4-

مع استمرار الاحتجاجات وما يترتَّب عليها من قتلٍ وسفك دماء وإهدار

إمكانيات الدولة، ساد خطاب الكراهية وتصالح كثيرون مع البذاءات وصعد

آخرون إلى أسفل المدينة.

لغة الخطاب السياسي أصبحت حامضةً ولاذعةً، تنحو إلى الفصال والمُقاطعة

وأبلسة الخصوم ونفي الآخر.

حدَّة الاستقطاب السياسي واستخدام خطاب عدواني مُتوحِّش تجاه المخالفين

أو المعارضين؛ لن يحقق فائدة للوطن، بل يُلحق به كثيراً من الأذى،

ويُفاقم كثيراً من المرارات.

أي إساءة متجاوزة أو تحدٍّ مُستفز، في مرات عدَّة، ينحرف عن مساره ليُصيب

قطاعات واسعة من الجماهير؟!

-5-

صورة أو مقطع صوتي أو مادة مكتوبة مُتداولة عبر الشبكة العنكبوتية، قد

تصنع كارثةً أو تُسهم في تشكُّل رأيٍ عامٍ سالبٍ بفاعلية وانتشار لا

تُحقِّقه وسائل الإعلام القديم.

خطاب الكراهية أشعل حروب الإبادة في روندا، ومعارك السواطير والسيوف في

كينيا 2007، ولم تُشْفَ من غلوائه العراق وليبيا وسوريا واليمن إلى

اليوم.

الحرب أولها كلام، والكارثة قد تأتي على ظهر كلمة جارحة. وحينما تبدأ لغة

البارود تفقد الكلمات معانيها والأفكار جدواها، ويُسيطر على المشهد

المُتطرِّفون والموتورون والغوغائيُّون.

 

تُصبح الحكمة جبناً، والاعتدال ميوعةً والموضوعية بضاعةً مُزجاة، ويُفتح

باب المزايدات على مصراعيه. الأكثر تطرُّفاً هو الأعلى قيمة، والأشد

بذاءةً هو الأجدر بنواط الشجاعة!

 

نحن في حاجة لقاموس سياسي جديد، تتَّسع فيه مساحة التسامح، وتتراجع لغة

الاستفزاز والاستعلاء.

وترسم على ملعبه الفوارق بين النقد والتجريح، وبين التحدي والاستفزاز.

-أخيراً-

لكُلِّ طرفٍ حاكم أو مُعارِض، أن يتمسَّك بموقفه السياسي، بكُلِّ قوة

ووضوح، ولكن الواجب عليه التعبير عن هذه المواقف دون الإساءة للآخرين أو

مُحاولة ضربهم بالأحذية على الرؤوس!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى