أعمدة ومقالات

ابتدأت معركة كسر العظام داخل أجنحة النظام المدنيون ضد العسكر فمن سيكسب الرهان؟

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

د. اليسع عبد القادر

ابتداءاً هنالك أمر يستدعي التوضيح وهو يمثل بعض الحقائق عن الحركة الإسلامية ونشاطها، فربما يستغرب البعض اذا قلنا أنه لا توجد حركة إسلامية لها هيكل تنظيمي فاعل منذ ليلة تسليم المصاحف الشهيرة في بداية التسعينات، والتي حل بموجبها شيخ حسن الترابي الحركة الإسلامية، وأصبح ممسكاً بالملف التنظيمي في إطار الفكر والتنظير العام ليس للإسلاميين السودانيين فحسب، بل لكل جماعات الإسلام السياسي في العالم وكلنا يتذكر تلك المؤتمرات الإسلامية العالمية التي كانت تعقد في السودان في مطلع التسعينيات، ووصلت ذروتها بدخول بن لادن ومعه بعض الأفغان العرب واستقرارهم واستثمارهم في السودان ، تاركاً لتلاميذه إدارة الجانب التنفيذي للدولة والذي تخبطوا فيه بشعارات خاوية، تحت دعوى ما يسمى بالمشروع الحضاري، وهو أشبه بعجل السامري الذي ظل الجميع عاكفاً حوله، مردداً رجع صداه، ولكن على أرض الواقع لا شيء، واتحدى اي إسلامي أن يخرج للناس ويقول هذه مسودة ورؤية المشروع الحضاري، ومع مرور الوقت كبر التلاميذ وكبرت أحلامهم، وبدأت تظهر عند بعضهم علامات التمرد على شيخهم الترابي حيث يعتقدون أن سوقهم قد قوى وساعدهم قد اشتد، وبدأوا ينازعوه الأمر والخلافة، حتى وصل الخلاف لمذكرة العشرة التي مهدت للمفاصلة، وبعد المفاصلة كان الإتجاه حينها مواصلة تغييب الحركة الإسلامية، ولكن مع إسناد أمر قيادتها لشخصية في الجهاز التنفيذي حتى لا تحصل منازعات لتقود لمفاصلة أخرى، وتوافق التنفيذيون برئاسة البشير لاسناد أمرها للأستاذ على عثمان، وهذا ادخل الحركة في ثلاجة النظام، يخرجها لترى النور في وقت الأزمات فقط، مدغدغاً بها مشاعر العضوية العاكفة حول عجل سامريها.

 

واستمر تغييبها إلى أن آلت كل المواضيع للبشير فأوكل أمرها للشيخ الزبير محمد الحسن، وهو شيخ طيب، وتم إختيار بكرى حسن صالح نائباً له، كيف ولماذا؟ لا أحد يدري ذلك غير الذي اختاره “البشير”، وبعد بيع الثلاجة بعزل علي عثمان عن موقعه كنائب اول للبشير، تم تحويل الحركة الإسلامية إلى أمانة دعوة صغيرة في حزب المؤتمر الوطني، دورها انحصر في مشاريع صغيرة ومتواضعة كالهجرة والفرار لله وتوزيع البروش على المساجد وهكذا، ويأتي السؤال الذي يفرض نفسه هل انتهى أمر الإسلاميين عند هذه النقطة؟، اقول لا، كاشخاص فإنهم موجودين، ولكن كجسم لا يوجدون، حيث أن الحركة الإسلامية ليس لها هيكل تنظيمي فاعل، وإنما هي مجرد لافتة، وتستخدم لافتتها كقميص عثمان، باعتبار إنها حاكمة وتدير أمر الدولة، ولكن في واقع الأمر هي ذاتها محكومة، وأصبح امرها كما أمر كل النظام، يدور في فلك “البشير” والكل في حالة ضعف وهوان أمامه، وتحكم البشير عبر الأذرع العسكرية الجيش والأمن كادوات حكم سيطر بهما على المال والسلطة والإعلام، يقرب من ينفذ أوامره ويقصي من يرفع صوته بالنقد، مستفيدا من إعلاميين تمت صناعتهم بعناية مع ربط مصيرهم بالنظام، ظلوا يرددون دوماً ان وجود البشير هو الضامن لسلطة الوطني والإسلاميين، وأحياناً يزودون العيار ويربطون مصير السودان بوجود البشير كأنما السودان دولة تأسست عام ١٩٨٩م، والسؤال لهؤلاء ولكل المغيبين، هل سيزول السودان إذا انتقل البشير إلى الرفيق الأعلى؟ وهذا امرٌ واقع بالطبع إذ الخالد هو الله وحده، ويا للسذاجة نجد ان البعض يصدق ذلك.

واستفرد البشير كما اسلفت بكل شيء وكل من يرفع صوته منتقداً للنظام باسم الحركة الإسلامية، أو غيرها، توجد للنظام تهم جاهزة ترفع ضده عبر إعلامييه، ويوزعون التهم على حسب القالب الذي يختاروه لك “هذا يريد سلطة، وهذا قبلي أو جهوي وهذا مغبون، وهذا له علاقة بالمعارضة، وهذا عميل، وهذا يصرح خارج إطار المؤسسة ( طبعا المؤسسية هي رؤية البشير) لأنه يأتي لاجتماعات المكتب القيادي وهو حاسماً لأمره مع أسرته وبعض أصدقائه منهم الوفيين (بكري وعبدالرحيم) ومصحوباً بتقارير المخابرات والأمن، منتشياً بقوته التي فاخر بها كثيراً، مردداً لمن حوله أنا اقصيت الترابي ولن يقف أمامي أحد، وقال ذلك في إحدى لقاءاته مع القنوات الفضائية “أشرس خصم قابلته هو شيخ حسن”، وبالفعل ركن له الكل وهانوا واستكانوا، وفي بدايات العهد بعد المفاصلة كان يستمع لهم ثم يقول رأيه، ولكن في الاجتماعات الأخيرة وعلى ندرتها، حيث لم تعد هنالك إجتماعات روتينية للمكتب القيادي للوطني حتى مع هذه الأزمة التي تمر بها حكومته، أصبح يقول لهم منذ بداية الإجتماع هذه رؤيتنا فيبصمون ويباركوها مغلوبين على أمرهم، خوفاً من التهم الجاهزة التي ذكرناها انفاً والتي يعرفها كل من نادى بالاصلاح او انتقد النظام، إضافة لاقذر سلاح مارسه الإسلاميين ضد بعضهم البعض وضد خصومهم وهو سلاح الابتزاز بالملفات “مالية كانت أم أخلاقية”، الناتج لذلك صمت كل صوت إصلاحي داخل النظام اللهم إلا همسا، حتى وصلنا إلى مرحلة الوهن والهوان الذي عليه الجميع اليوم، إيثاراً للسلامة الشخصية او إصابة لدنيا او سلطة او جبناً وخوف من مواجهة آلة النظام الفاعلة في الاغتيال السياسي والمعنوي.

 

ومع استمرار البشير واستفرداه بالأمر وتقريبه لاسرته ونسبائهم واصدقائهم، وتمكن الفساد من الدولة لدرجة أن رائحته أضحت تشم في كل من ينتمي للنظام، حيث لم يعد هنالك طاهراً يرضى لنفسه العيش في بيئة فاسدة، ومع العجز عن محاربة الفساد، ابتعد البعض رويداً رويداً، وارتفعت بعض الأصوات بعدم التجديد للبشير، وكان أقواها امين حسن عمر والأمين دفع الله واخيرا نافع على نافع، ولكن انخفضت سريعاً بعد أن أطل علي عثمان من مخبأه، عبر الصحف مردداً ان الدستور ليس بقرأن وسنعدله من أجل البشير، هدفه من ذلك إستخدام قوة البشير في إقصاء خصمه التقليدي نافع على نافع، ومن ثم الانقضاض على البشير، وبالفعل نجح في ذلك فسيطر عبر الموالين له على الحزب فأتى ب عبدالرحمن الخضر “رغم ملف فساد مكتبه، ورغم قول عبدالرحيم محمد حسين بأنه قد باع كل الحتات”، وأتى بالفاتح عزالدين وبعض التابعين الآخرين، ومع الفاتح عروة أعاد الثقة في قوش مديرا للأمن مرة أخرى، وبذا تمكن وأقصى مجموعة نافع، وعليه وضع قدما متقدمة في مفاصل الحزب والدولة وبالتالي خلافة البشير في حالة تغييبه لأي سبب، وقطعاً البشير يعلم ذلك نسبة لتمرسه في هذه المجموعة، فقد ضرب الترابي بتلاميذه، وضرب قوش بنافع، وضرب علي ونافع مع بعض، وضرب اولاد نافع في الجهاز بقوش.

 

ولكن تأتي الريح بما لا يشتهي ربان الأجنحة الثلاث “البشير وعلي ونافع”، ونسبة لأن الفشل كان جماعيا والفساد جماعيا والقصور جماعيا، وقعت الدولة في أزمة الأزمات وهي الإنهيار الاقتصادي، حيث فشلت كل الخطط الاقتصادية للنظام في معالجتها، فخرج الشعب ثائراً، موجهاً الضربة القاضية للنظام، ولم تعد هنالك اي حلول للأزمة الاقتصادية، بل تتسارع وتيرة الإنهيار، حتى بلغت درجة ان كبار، كبار خالص سحبوا أموالهم لاستنابول وآخرين لدبي، وهرب المستثمرين المحليين إلى أديس أبابا، لدرجة جعلت من أديس كقوة من اكبر مصدري السمسم السوداني، وهذا ليس تهريبا للسمسم وإنما تهريبا لرؤوس أموال ضخمة، والآن الكل ينتظر المكنة لتطبع رب رب رب، ليسحب أمواله للخارج، فبعد الصدمة، التى صاحبت المظاهرات صحى الجميع على أن النظام الاقتصادي أصيب بعلة دائمة ولا شفاء منها وهي الشلل، وعليه تلاشى الأمل، وللعارفين ببواطن الأمور أضحى السقوط مسألة وقت، حيث أول انهيار سيكون للقطاع المصرفي، ولن يصمد لأكثر من شهر، هذا بتقدير الخبراء، فالان لا توجد اي عمليات إيداع للبنوك بل سحب فقط، وفي المرحلة المقبلة المودعون مع مجالس الإدارة سيتجهون إلى بيع أصول البنوك للايفاء ببعض الإلتزامات، وسيبدأ الأمر بالفروع، والآن كثير من البنوك قد اغلقت بعض فروعها والعامل منها يفتح ويقفل بلا عمليات حراك مالي وبالتالي خسارة تشغيل وصرف بلا مقابل، كل ذلك مع عملية تسريح الموظفين وهؤلاء عبء جديد لأن لهم حقوقهم.

 

استمرار المظاهرات مع عدم توفر الحلول اللهم إلا الطباعة رب رب رب، والمواجهة الأمنية الباطشة للمتظاهرين والتي زادت من نسبة الغبن والكراهية للنظام وعضويته، لدرجة قد تصبح ظاهرة اجتماعية وربما تصل حد العزلة الإجتماعية، والنتيجة مزيدا من الإنهيار، حيث تراجع الجنيه مع العملات الأخرى، فكان في بداية الأزمة ٥٣ مقابل الدولار، والآن ٨٦ جنيه للدولار، وسيصل المائة على حسب افادات بعض آراء الخبراء وتجار السوق الأسود للعملة، وأهم من كل ذلك انسداد الأفق السياسي فلا حلول يملكها النظام، غير القمع، والذي فشل، وعلى حسب افادات مصدر أمني ذكرتها سابقاً، وهي فشل كل الدراسات والخطط والمعالجات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتعلقة بقمع الثورة، وعليه لا يستطيع أحد أن يحدد ما إذا كان النظام سيصمد أم لا.

 

وعوضاً عن إنتظار الأقدار بلا حيلة، والذي يعد في عرف السياسة “انتحار سياسي”، بدأت التحركات الفردية تنشط داخل أذرع النظام، لا سيما بعد انفضاض سامر الناصحين، وتراجع العضوية لدرجة جعلت قادة النظام معزولين وتحت نيران الجميع، ليس لهم أي خط دفاع، بل أضحى الدفاع عن النظام سبة تستدعي الخجل وتلثيم الوجه، بل وصل الأمر إلى أن يكتب بعضهم في الصحف دون أن يدون اسمه، ومع استمرار سفك الدماء البريئة وتجاوز كل الأعراف في فض التظاهر، تحسس كل فرد موقفه، لاسيما من له خلق قويم، فبعضهم خرج نتيجة انسلاخات فردية وبعضهم خرج كجماعات وبعضهم عن طريق المبادرات التي رفضها ويرفضها قادة ورأس النظام باستمرار، والقادم سيكون مفاجأة للجميع.

والآن وصلت التحركات داخل أجنحة النظام مداها، ففي يوم أمس تم تأجيل جلسات البرلمان الداعية للتجديد للبشير، وتلاها إقصاء بكرى حسن صالح من موقعه كنائب أمين عام للحركة الإسلامية وتعيين كرتي وحسبو عبدالرحمن كنائبين في مكانه، والأمر لم يكن اعتباطاً او محض صدفة، بل له دلالة كبيرة لانهما من الشخصيات الإسلامية ذات الطابع والمهام الأمنية في الحركة الإسلامية، بل اكثر من ذلك فعلي كرتي من المؤسسين للدفاع الشعبي وله علاقة بالعسكريين إبان إنقلاب ١٩٨٩م وكان مسئول ملف الإدخال في المؤسسة العسكرية والأمنية، اما حسبو فهو من القابضين على ملف الدعم السريع على خلفية العلاقات الأسرية مع قادته، إضافة إلى أن معظم المكون البشري للدعم السريع من مكونه الاجتماعي، فضلاً عن كونه مغبون بعد عزله وتعيين يوسف كبر في مكانه كنائب للرئيس، وهو وحميدتي يرون احقيتهم بهذا المنصب نسبة لدفاعهم عن النظام ودفعهم فاتورة ذلك من دماء أبنائهم، إضافة لحدوث اول تغيير في هيكل المكتب القيادي للحركة الإسلامية وهو تعيين أمناء بلا أمانات وأي أمناء بل هم (علي عثمان، ونافع على نافع، وعوض الجاز، وعوض حاج علي)، وعلي ونافع هما القيادة الرمزية لجناحي الإسلاميين الآن، والجاز وعوض حاج علي، كوادر معلومات مرتبطة بالجانب الامني والعسكري، فالكل يعرف ان الجاز كان مسؤل الملف الأمني للحركة الإسلامية قبل الانقلاب، وعوض حاج على مسؤل المعلومات ومصمم هيكل القاعدة المعلوماتية لجهاز الأمن، فضلا عن علاقاته الممتدة مع المجاهدين من الوطني والشعبي، وعليه هذه التغييرات التي يصحابها حراك كثيف تحت الركام أدى لالتقاء علي ونافع بعد قطيعة واختلاف في الرأي منذ المفاصلة، إضافة لإعتقال بعض الضباط ووضع آخرين تحت المراقبة، كل ذلك يؤكد نذر المواجهة، وعليه قد حزم المدنيون من الإسلاميين أمرهم، اللهم إلا الذين ليس لهم طموح او مستقبل سياسي، فهؤلاء لا يفكرون إلا مع الذي يسيطر على القصر، وفي مقبل الأيام ستبدأ مرحلة المواجهة المباشرة تمهيداً لكسر العظم، وستكون الغلبة لمن يملك الجرأة ويصحى مبكراً، وسيتحطم الذي ينوم ويصحى متأخراً، ولا ندري هل سنرى حلاً للبرلمان كما حدث إبان المفاصلة، أم سنرى تنصيباً لرئيس البرلمان كرئيس للبلاد لفترة انتقالية، وقطعاً تغلب أحد الأجنحة على الآخر سيقدمه كبش فداء، تعقبه حالة طوارئ، وفتح التفاوض مع المعارضة للوصول لصيغة سياسية ترضي الجميع.

أما الشعب السوداني الصابر فليس له إلا المواصلة في المظاهرات بذات النفس والنسق، مع تجديد الثقة في تجمع المهنيين، وتأجيل اي نقاش يخصم من أمر الحراك إلى ما بعد سقوط النظام، فالحد الأدنى من الإتفاق هو سقوط النظام، وكل شيءٍ قابل للتفاوض بعده، لأن النظام لن يسقط في الأرض، وإنما الذي يستلم السلطة هو الجيش، أو أن يسلمها البشير للجيش كما صرح قبل ذلك، وكل الاحتمالات واردة، فقط علينا الصبر ومواصلة الضغط والتظاهر ولكل حدث حديث.

ونواصل،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى