أعمدة ومقالات

نحن وهم .. ثوار وإسلاميون

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

 جمال عبدالرحيم عربي

“سنعمل معا لدعم الشجاعة حيث هناك خوف، لتشجيع التفاوض عندما يكون هناك صراع، وإعطاء الأمل حيث يوجد اليأس”

“عند خروجي من السجن أدركت أنه إن لم أترك كراهيتي خلفي فإنني سأظل سجيناً”

نلسون مانديللا

(1)

حقيقتان لايمكن تجاوزهما في ما يحدث في السودان منذ 19 ديسمبر 2018. الحقيقة الأولى: بروز حالة من التغيير النوعي تشهده مختلف الأصعدة السياسية والفكرية والاجتماعية؛ تغيير إيجابي ومتقدم مسنود بشعور وطني جارف. نتج هذا التغيير النوعي عن تراكمات كمية في مجموعة من المحاور الرئيسية: أولاها، فشل حكم الاسلاميين في كل مجالات عمل الدولة الحديثة. ثانيها، تواصل النضال الشعبي ضد هذا الحكم منذ لحظة اختطافه للدولة، وتمرحل حتى وصل درجة الاحتدام وسخونة ما قبل الانفجار في انتفاضة سبتمبر 2012 الدامية، وما أعقبها من محاولات كان آخرها موكب 16 يناير 2018 ومن ثمّ ثورة 19 ديسمبر 2018 المجيدة. ثالثها، الوعي العام الذي نما كنتاج حتمي للثورة التقنية وما أتاحته من معارف. ورابعها، تكاثف خبرات النجاح في أصقاع أخرى من العالم ذات أوضاع كانت مشابهة لأوضاعنا، لكنها تجاوزت مآزق النهوض واصبحت رموزاً للنجاح يشار إليها بالتقدير والاحترام.

هذا الوعي النامي الناتج عن تلك التراكمات، خلق إرادة جديدة، أصبحت تعبر عن الوجدان العام. إرادة تقهر الخوف، وتنشد التغيير، مقدمة عن طيب خاطر أثمان عالية وتضحيات جسيمة لتحقيقه.

الحقيقة الثانية: وجود ضرورة ملحة لخلق منصة يتأسس عليها السودان المنشود، ويصطف عليها السودانيون الطامحون لتجاوز آلام الماضي وخيباته. والانطلاق من ثمّ في طريق تطور جديد يسمح للوطن بتوجيه طاقاته الكاملة وبشكل مضاعف لتجاوز الوضع الحالي وللحاق بما فاته.

(2)

هذا الوعي الجديد الذي أشرنا إليه لم تكتمل ملامحه بعد. والمنصة التي من المفترض تأسيسها باعتبارها أمراً حتمياً، لازال دونها صعوبات لن نتجاوزها إلا عبر وضوح الرؤية حول كامل متطلبات النجاح للانطلاق. ولن يتم وضوح الرؤية هذا إلا بتفعيل حوار وطني شامل يسمح بإصدار عقد اجتماعي وسياسي جديد تلتقي فيه إرادات الغالبية العظمى من الشعب.

(3)

على ضوء ما طرحناه من معطيات، وفي إطار تحديد متطلبات النجاح هذه، يرى كاتب هذه السطور أن مسألة الموقف من الاسلاميين، تحتاج للتناول بشكل موضوعي من قبل كل القوى الفاعلة الآن. سواء تلك المنضوية تحت راية تجمع المهنيين، أو تلك المرتبطة بالقوى السياسية التاريخية، يميناً ووسطاً ويساراً. وأكثر من ذلك، يحتاج الأمر مشاركة عقلاء الاسلاميين أنفسهم، قبل غيرهم. وبهؤلاء العقلاء نقصد أولئك الذين يقرون بأن المحصلة النهائية لمشروعهم، إنما هو هذه الأسمال البالية لما يسمونه دولة، وأن أفكار وأساليب الماضي فقدت مشروعيتها الأخلاقية والدينية والسياسية، وأن ما تسببوا فيه من عدوان سواء بالفعل المباشر أو الصمت على ما يفعله الاخوة بالتنظيم إنما يستحق الإدانة والاعتذار من جانبهم. أهم من ذلك أن يعترفوا بأن الحراك الحالي هو نتيجة إحساس حقيقي وعميق بالغبن والظلم والمهانة التي اكتوت بها الغالبية العظمى من أفراد الشعب، أكثر من كونه إنعكاساً لصراعات أو مكايدات أو ثأرات حزبية، أو احتجاجات مطلبية ذات علاقة بالوضع المعيشي.

(4)

لقد حفّزني للكتابة عن هذا الموضوع الهام، تلك المساهمات الرفيعة وذلك الجدل الدائر حول الموقف من الاسلاميين بين بعض صناع الرأي المحترمين من الجانبين. جانب “نحن” الذي يضم القوى التي خاصمت الإنقاذ منذ البداية، كالأستاذ صلاح شعيب في مقالاته المختلفة والتي كان عنوان آخرها “جهاد الإسلاميين المستنير للتضحية بالبشير”، والدكتور الفاضلابي في تسجيل صوتي قبل اسبوعين تقريباً، والأستاذ محمد النعمان في رسالة صوتية صدرت عنه الأسبوع الماضي، هذا إضافة لمساهمات متفرقة من بعض الكرام الذين لا أستحضر أسماءهم الآن. أما الجانب الثاني فهو جانب “هم” المعبر عن أولئك الذين يتحملون، تضامنياً، مسئولية هذا الوضع التعيس الذي أوصلونا له من قبل ثلاثين عاماً، ومن ضمنهم الأستاذ الشفيع أحمد محمد في رسالتيه الصوتيتين الرصينتين، والدكتور التيجاني عبد القادر الذي نشط منذ زمن ليس بالقريب في إعلان موقفه من تجربة الاسلام السياسي في شكلها السوداني عبر كتابات رصينة ومسؤولة؛ والأستاذ مبارك الكودة، في رسائله المكتوبة والمسموعة الكثيرة، والتي أراها تعبر عن شخص شجاع، متصالح مع نفسه لحد بعيد، وحرص أكثر من غيره لنصرة ثورة التغيير هذه. ليس ذلك فحسب، بل كانت له مساهمات فكرية مبذولة في نقد فكرة الاسلام السياسي على مستوى منطلقاتها وجذورها. وأنا إذ أثمّن مواقفه هذه، بدون أن أتخوف من غضب آخرين نحترمهم ويحترموننا، أعيب عليه موقفه المرتبك في الرد على الأستاذ عفيف اسماعيل، حيث كان الواجب عليه الاعتراف والاعتذار بدون لجلجة عن ما سببه له من أذى أيام هوجة الانقاذ الأولى بدلاً عما أبداه من غلظة تجاهه، كما آخذ عليه تهجمه على مساهمات ضحايا نظام كان هو من الفاعلين فيه، باعتبار وجودهم خارج البلاد، وكأن ذلك منقصة لهم. بل وكأن بعدهم عن وطنهم هذا كان خياراً شخصياً،  ولم يكن بفعل نظام دفعهم دفعاً لتحطيم دورة حياتهم الطبيعية باختيارهم المنافي البعيدة كخيار وحيد كان متاحاً لهم.

(5)

إنني ولمصلحة التغيير، ولتحقيق المبتغى منه، أرى أن تجاوز الاسلاميين الذين وقفوا موقفاً مسانداً بإخلاص لهذا الحراك، وأدانوا بوضوح التجربة التي ساهموا هم أنفسهم في تأسيسها، بل إنهم مضوا أكثر من ذلك وانتقدوا المحفزات في تراثهم الفكري المسؤولة عن إعطاء المشروعية الفكرية للاستبداد؛ أقول إنني أرى تجاوز هذا القطاع تشوبه نزعة إقصائية من الواجب على قوى الـ “نحن” تجاوزها. ففضلاً عن أن توزيع صكك الوطنية والنزاهة إنما هو أمر يقرره التاريخ لا الأشخاص أو الهيئات، فإن استبعاد تيار عريض، شئنا أم أبينا، كالتيار الاسلامي عن المساهمة في صياغة مستقبل البلاد، لهو خطر على مستقبل هذه البلاد نفسه، ودعوة على المكشوف لتنحو أطراف من هذا التيار للولوج في مسارات التطرف. من الأفضل جداً أن تستند تجربة بلادنا الجديدة، بافتراض نجاح الحراك الحالي، أو أي حراك قادم، على اصطفاف وطني واسع، لا يستبعد أي تيار عن الاسهام الايجابي مالم يفرض الوضع الديمقراطي الذي من المفترض أن ينشأ، شيئاً غير ذلك عبر آلياته المعروفة لتداول السلطة والحق العام.

(6)

إن دعوتنا أعلاه، لا تعني بأي حال من الأحوال، تسليم صكوك البراءة والغفران للطغمة الحاكمة، ولمن هم حولها أو دونها من الوالغين في القتل والترويع والفساد بكل أنواعه. أو تَحمِل اعترافاً لهذه الطغمة بأي أحقية في صياغة السودان المبتغى. وعلى كل فإن ترتيبات الوضع الانتقالي المقترح لا بد أن تعالج المترتبات على أفعال الإنقاذ في كل المناحي. بيد أن أمر من حدد موقفه بوضوح معارضاً الطغمة الحاكمة، أو كانت مشاركته لا تتعدى التأييد العام، أو التزم الصمت عما يفعله تنظيمه انطلاقاً من موقف عاطفي قديم، فله كل الحق في أن يحدد الشكل الذي يعبر به عن رغبته في التغيير. وفي دروس التاريخ وحقائق الواقع ما يؤيد رأينا هذا. والإحالة إلى تلك الدروس وتلك الوقائع، هامة جداً لأصحاب الـ “نحن” قبل جانب الـ “هم” !

(7)

إن دروس التاريخ وحقائق الواقع في العالم عامة، وفي السودان خاصة، تفيد بوجوب تقييم أي نظام سياسي باعتباره يتشكل من ثلاثة دوائر متداخلة: الأولى، دائرة الفكرة التي يبرر بها وجوده سواء تمثلت في أيديولوجية معينة أو مذهب فكري ذو طبيعة سياسية اجتماعية. الثانية، دائرة الأفراد الذين ينتمون لذلك التنظيم ويدافعون عن أفكاره. والثالثة هي دائرة السلوك السياسي والاجتماعي لهذا التنظيم سواء كان حاكماً، أم شريكاً.

هذا الفصل أو التفصيل أراه ضرورياً للغاية. فمحاولة دمج هذه الدوائر في دائرة واحدة، يخل بالأسس التي ينبغي أن يقوم عليها تقييم هذا التنظيم وممارساته وأدوار عضويته، مما سيؤدي لخلاصات خاطئة، تقود بدورها إلى نتائج خاطئة. فالواقع وقوانين الحياة يثبتان أن لكل دائرة من هذه الدوائر استقلالية نسبية عن باقي الدوائر، فالعلاقة بينها ليست علاقة خطية متسقة على الدوام؛ حيث كمثال لا يوجد في الواقع وضع يمكن أن تسود فيه أيديولوجية نبيلة، تنشأ عنها وتلازمها بالضرورة تجربة حكم متصفة بذات القدر من النبل، ويقوم على شأن تلك التجربة، ممارسة وتأييداً، أشخاص يملكون نفس الصفات الذي وسمت الدائرتين الأوليتين. بذات القدر، فليس كل مذهب فكري أو سياسي سيء، ذو ممارسة سيئة، يكون كل أعضائه سيئين في مجموعهم. إن الاعتقاد بغير ذلك في تقديري، لن يعدو غير أن يكون تبسيطاً ميكانيكياً مخلاً وضاراً، خاصة في ظروف التحولات الاجتماعية الكبرى التي يشترط النجاح فيها وجود قدر عالي من الاصطفاف الاجتماعي خلف الغايات التي يجتمع عليه أغلبية الناس.

(8)

إذا نظرنا للمحيط العالمي، سنجد من الأمثلة الحية ما يعيننا على التوضيح: فشرق أوروبا كله كان خاضعاً، ولعشرات السنين، لمذهب سياسي مقبول، على مستوى غاياته على الأقل، من قطاع هائل من البشر سواء على مستوى الأقطار التي حكمها، أم على مستوى دول العالم الأخرى التي كانت تعج بالمناصرين الحالمين باستنساخ تجربته. بل إن التاريخ يؤكد أن مئات الألوف من مناصري ذلك المذهب كانوا على أعلى مستويات التأهيل العلمي والأخلاقي، ومنهم أعلام في كل المجالات بما في ذلك عوالم الأدب والفن التي بلغوا فيها مراتب سامقة للغاية. لكن التطبيق على أرض الواقع اشتمل على جرائم وأخطاء خطيرة أدت إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من الناس وأثرت على حقوق وتطلعات مئات الملايين من الناس بدون وجه حق. فهل يا ترى كتب على كل من دافع عن ذلك المذهب أنه شريك في الجريمة التي كانت تقوم بها أجهزة الكي بي جي في روسيا، والاشتازي بألمانيا الشرقية، أوقيادات الحزب في تلك الدول التي كانت تسرق حقوق الناس، الذين تتدعي أنها حكمت من أجلهم؟ السؤال الأهم، ألم ينحدر قطاع واسع من القيادات والنشطاء الذين قادوا التغيير والثورة على ذلك المذهب، من داخل تلك الأنظمة القبيحة نفسها، ووجدوا الانحياز من قيادات الأجهزة النظامية لتلك الدول، كغورباتشوف ويلتسين؟ وقبل ذلك، ألم تنشأ الشيوعية الأوروبية في السبعينات، في فرنسا واسبانيا وايطاليا وغيرها، وتتبنى الديمقراطية الليبرالية كأداة وحيدة للوصول للسلطة وذلك كرد فعل إيجابي لربيع براغ الذي نشأ أصلاً نتيجة لسيطرة الجناح ذو النزعة الانسانية داخل الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي؟

(9)

لو بحثنا في النطاق الاقليمي فسوف تبرز تجربة الغزو الأمريكي للعراق باعتبارها نموذجاً لما يمكن أن تؤدي إليه سياسة الإقصاء التي يقف مثالاً لها التدمير الممنهج الذي حدث للجيش العراقي عبر النظر اليه باعتباره أحد ركائز البعث. حيث إنه نتيجة لذلك حدث فراغ قوة (Power Vacuum) جلب معه كوارث مزلزلة لم ينهض منها العراق حتى اليوم. كما يمكن أن يشهد على خطورة نهج الإقصاء والاجتثاث غير المرتب، ما قاد إليه ذلك من اضمحلال للدولة نفسها في صومال سياد بري وليبيا القذافي، واليمن إلى حد ما.

(10)

أما على المستوى المحلي، فالنماذج “على قفا من يشيل”. فقد شهدت مرحلة ما بعد الاستقلال من التجارب ما يغني عن توضيح خطورة التوجه الإقصائي في العمل السياسي. فعنف “البادية” الذي مارسه الأنصار مستقصدين به الوجود المادي لليسار ممثلاً في الحزب الشيوعي، وعنف اليسار تجاه الأنصار الذي مارسته سلطة مايو نيابة عن ذات الحزب، أو بموافقته على الأقل، كانا كفيلين بإفساد الحياة السياسية السودانية وبناء حاجز نفسي وفكري وسياسي لا فكاك منه، لولا حكمة الزعماء ونبذهم لسياسة الإقصاء. إذ أنه وبدون ذلك لم يكن متوقعاً أن يقف أحد الرموز البارزة للشيوعيين مثل كمال الجزولي منافحاً عن الصادق المهدي في مناسبات كثيرة، أو أن يضع رمزاً آخر لليسار مثل الحاج وراق يده في يد سارة نقد الله و رباح الصادق، كمنافحين ضد الاستبداد والطغيان الإسلاموي!

بل نذهب أبعد من ذلك، لتسجل لنا الأحداث الراهنة لوحات إنسانية مترعة بالثراء، ووسائل التواصل الاجتماعي تنقل بكثافة كيف احتفى مواطنو عطبرة، وثمنوا عالياً، موقف فصيل من القوات المسلحة وقف قائدها كالطود الأشم مسانداً لها بصمت مهيب. وكيف يخاطب الثائرون حملة الهراوات الغليظة، وهم بالجانب الآخر، بأننا إخوانكم، وأن ثورتنا إنما هي لإنقاذكم أنتم أيضاً. هذا رغم الرأي الشعبي الغالب بتبعية هذه الأجهزة للنظام.

(11)

في اعتقادنا أن ما قدمناه من نماذج، يدل بوضوح أن جميع من ذكرناهم فيها كانوا أسرى لأفكار سلبية تخلصوا منها ليميل الحال أكثر فأكثر نحو التصالح المبني على رؤية للتغيير الايجابي الممكن، فلماذا لا نفترض أن بالتنظيم الذي جلب لنا كل هذه المآسي التي تكتنف بلادنا الآن، من هم أسرى لأفكار برز الآن من الحقائق على الأرض ما يتيح لهم إعادة قراءتها، والتصالح مع شعبهم مثلما تصالح معه الآخرون؟ أليس كافياً ما قدمه قائدان إسلاميان ينتميان لدارفور هما داوود يحيي بولاد وخليل ابراهيم، أو الإسلامي المجيد ابن خشم القربة الأستاذ أحمد الخير، الذي أضحى أحد أيقونات هذه الثورة؛ أليس كافياً ما تحملوه جميعهم من أذى كلفهم جميعاً دمائهم الطاهرة لإثبات أن دماء هؤلاء الإسلاميين “هم” ليست بالضرورة متنافرة عن دمائنا “نحن”؟

(12)

يبدو لي أن ما أدعو له في هذا المقال من أهمية لتجسير المسافة بين الـ “نحن” والـ “هم”، يستلزم إلقاء مزيد من الضوء على جدلية النظرية والتطبيق، وذلك استناداً على تجارب حية يمكن استلهام الكثير من دروسها، وإسقاط نتائج تلك الدروس على واقعنا المعاش. فإن كانت النظرية تمثل مصدر الإلهام للقوى الاجتماعية التي تتبناها، فإن التجريب هو الفيصل في تحديد صلاحية النظرية من عدمها.

فلو نظرنا للنظرية الماركسية من زاوية الغايات والأهداف، المتمثلة في العدالة والمساواة وفق شعار “من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته”، والرامية لتحقيق حرية الانسان المطلقة عبر إنهاء دور الدولة باعتبار انتهاء الحاجة اليها بتحقيق المجتمع الشيوعي اللا طبقي؛ اقول لو نظرنا للماركسية من تلك الزوايا لوجدناها شيئاً رائعاً. إضافة إلى ذلك، لو نظرنا للنظرية اللينينية حول دكتاتورية البروليتاريا باعتبارها مرحلة انتقالية للعبور للمجتمع الخالي من الطبقات، والمركزية الديمقراطية كنهج لإدارة العلاقات داخل الحزب القائد حيث حرية الاختلاف مصونة بدون إخلال بمبدأ سيادة حكم الأغلبية، لوجدنا كل تلك المقولات وغيرها صائبة على المستوى النظري. بيد أن التطبيق على الأرض جعل من كل تلك التجليات النظرية، غطاءً فكرياً لما يمكن وصفه بأنه أحد أسوأ الكوابيس التي تعرضت لها البشرية في تاريخها، بما لا نحتاج معه لتوضيح.

بذات القدر، لو تمعنا في المهدوية السودانية، لوجدناها في أفكارها التأسيسية تمثل مذهباً طهرانياً على مستوى النفس والفعل، وتوجهاً عرفانياً متحرراً من قيود التقليد الذي كان مخيماً على التراث العربي الاسلامي منذ ما يقرب الألف عام، وانفتاحاً ثورياً على الجديد عبر تحرير العقول من سلطان القدماء تحت راية (هم رجال ونحن رجال). إلا أن التجربة انتهت إلى مأساة أخلاقية وسياسية كما هو معلوم، حيث أرجعت بعض مظاهر الحياة قروناً بعيدة إلى الوراء.

(13)

أما المذاهب الفكرية الإسلامية السائدة الآن، سواء كان مصدرها الأساسي تعاليم محمد بن عبد الوهاب، أم أفكار حسن البنا، فكلها وريثة التيار الأشعري في الجانب العقدي، وعلم أصول الفقه الذي زرعه الشافعي وسارت عليه المذاهب الأربعة، في الجانب الفقهي. وكلها تحمل في جوفها تصور ماضوي تريد تطبيقه باعتبار أن ذلك أمراً إلهياً لا يقبل القسمة أو التأخير، أساسه المناهج التي انتهى إليها عصر التدوين، من تغليب للنقل على العقل، والإتباع على الإبداع. لقد فشلت تلك المذاهب السائدة في انجاز انقلاب فكري يتوازي ويتناسب مع الإنقلابات العميقة التي شهدتها البشرية في مجالات الفعل الانساني كافة، سواء في جانب العلم الطبيعي أو الاجتماعي.

الحقيقة انه باستثناء بعض “الإجتهادات” المحدودة هنا وهناك، مثل المعالجات الفقهية التي أنجزها الترابي بنفوذه السياسي الطاغي، بدون أن يسندها على منهج فكري متكامل يمكن أن تُبنى عليه إصلاحات أخرى، كمعالجته لقضية حقوق المرأة وفكرة الدولة المبنية على المواطنة؛ فباستثناء ذلك لا توجد تغييرات جوهرية. لذا فمن الطبيعي أن يلوح صاحب العصا بعصاه في كل لحظة “زنقة”، واعداً ومتوعداً بتطبيق “شرع الله”، ولا يجد من سامعيه غير التكبير والتهليل ورفع السبابة استجابة، فهذا كل ما لديه ولديهم من ذخيرة فكرية للذود عن دولتهم.

(14)

لم يبعد صلاح شعيب عن الحق في مهاجمته للمتبرئين من أفعال صاحب العصا بقوله،  مشيراً إلى الإسلاميين طبعاً: “الذي سن الدستور ليس هو البشير، والذي شرع للاقتصاد ليس هو البشير” ، إلى آخر ذلك من حقائق ساطعة.

إنه، وفي ظل عدم وجود نظرية واضحة لدى الاسلاميين، متسقة مع العصر، مستجيبة لنداءته، يظل الخوف منهم قائماً. وهو خوف تؤكده قرائن أقرب للدلائل في الواقع. فما تشهده تركيا الآن من مسيرة طغيان يقودها الاسلاميون، يطأون فيها قيما توصلت لها البشرية بعد عناء شديد، يمثل مدعاة للتوجس والخوف، ويسمح للآخرين بالتشكيك في نوايا إخوانهم السودانيين.

لكن، ونحن نسعى لردم هوة عدم الثقة بين الـ “نحن” والـ “هم”، يتوجب علينا النظر للنصف المملوء من الكوب. فربما يرفع من مستوى تفاؤلنا حقيقة أن هذه البلاد متفردة في شؤونها الاجتماعية والسياسية رغم كل ما حدث. حيث هناك منظومة قيم لا تزال صامدة رغم ما أصابها في الثلاثين عاما الماضية من ابتذال. إضافة لذلك، فالتجربة اليتيمة على مستوى العالم لتطبيق نظرية الاسلام السياسي، والتي أصبحنا ضحايا لها،  صاحَبَها فشل غير مسبوق؛ مما يمثل فرصة غير متكررة لتقييم النظرية ونتاج تطبيقها.

بالنظر لكل ذلك فمن الصعب تصور أن لا يؤدي كل ذلك إلى ان ينشد قطاعاً من الاسلاميين إجراء مراجعات على أصول فكرتهم الأساسية. بل في الواقع فان هنالك مراجعات استنارية غير منكورة يستشفها الشخص من كتابات وأقوال المحبوب عبد السلام وأبو بكر عبد الرازق وخالد التيجاني والسر السيد وعلي عبدالرحيم علي وغيرهم. بل إن لمبارك الكودة ورقة فكرية رصينة في تقييم دولة الاسلام السياسي وصل فيها لخلاصات لا يمكن وصفها بغير أنها تصب في إتجاه التأصيل للتغير. كل ذلك يعطي الأمل في إمكانية حدوث انقلاب فكري في اتجاه التقدم، خاصة عندما نضع في الاعتبار الثورة المعرفية التي اجتاحت الفضاء الانساني بأكمله باعثة أشواقاً جديدة للناس، بمن فيهم المسلمون، لبلوغ مستوى ما يعرض عليهم من مظاهر التقدم والتطور في كل أركان وزوايا هذا الكوكب.

(15)

مخطئ قطعاً من يظن أن الهدف من هذه المقالة تبسيط الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي، وما يرتبط به من استقطاب حاد في المواقف، وتصويره كأمر عاطفي يمكن حلحلته عبر “الجودية” السودانية التقليدية. ومخطيء أكثر من يعتقد أن هدف المقالة التقليل من مسئولية الحركة الاسلامية عن زرع وتعضيد هذا النظام الذي تعجز المصطلحات السياسية المعتادة عن وصف طبيعته وكوارثه. فالتسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل، كما يقول المعلم مانديلا.

لكن مخطئ أكثر من يعتقد أن حسم مسألة الـ “نحن” والـ “هم” إنما بتصفية هؤلاء الـ “هم” إنفعالاً بما سببوه للناس من أذى بالغ وشاذ في تنوعه وكثافته، أو تصفية لحسابات قديمة. فلا “نحن” سنكسب بابعاد تيار ضخم له جماهيره ومكانته، ولا “هم” سيقبلون بالجلوس على الرصيف!

(16)

إن لعقلاء الاسلاميين، ونقصد بهم أولئك الذين لفظوا التجربة لما حملته من رزايا لم تكن في توقعاتهم، أن يوحدوا صفوفهم ويتحملوا قسطا أكبر من غيرهم في ازالة ما فرضوه على الناس. يكفي أنهم فرضوا علينا نظاماً لم يتعد مستوى قادته الرئيسيين، من الناحيتين الفكرية والمهنية، وخطابهم لشعبهم، مستوى كتب “المغامرون الخمسة”. وما اختلاف قادته حول طريقة مقتل الشهيد الطبيب بابكر بين مدَّعٍ بأنه من تدبير عبدالواحد محمد نور وبواسطة سلاح غير موجود بالبلاد، وآخر بنسبة الأمر لفتاة شيوعية رصدها القمر الصناعي تخرج السلاح من حقيبتها إلا دليلاً على ما أوصلنا اليه الاسلاميون. فإن كان هؤلاء القادة يعتقدون بصحة ما قالوه، فمصيبتنا كبيرة وإن كانوا يظنون بأن الناس ستقبل رواياتهم، فالمصيبة أكبر. وعندما نضع في الاعتبار تكرار المواعيد الكذوبة لرئيس الوزراء حول انتهاء أزمة النقد، أو انخفاض قيمة الدولار وتحديد زمن قاطع لم يصدق في كليهما، مضافاً كل ذلك للتهديد بكتائب الظل أو قطع الرؤوس وتدوير ماكينات طباعة النقد بدون توقف (رب رب رب)، فاننا لاشك أمام حالة تاريخية غير متكررة. يتحكم فيها جهل مطبق على شعب مبدع، بواسطة وسيلة واحدة لاغير، وهي السلاح. لايفرق إن كان حديداً وناراً أم كان عسلاً ومالاً!

إن لدى المستنيرين من الاسلاميين سوانح جمة، مشجعة ودافعة، إن أرادوا السير في طريق الإصلاح والتغيير. فتجربة الغنوشي في تونس يمكن أن تعتبر دليلاً هادياً. كما أن في الآراء الجريئة للمرحوم الترابي ما يساعدهم على زيادة جرعة الجرأة للفكاك مما هم عليه من توجس من التغيير. وهناك أيضاً تجربة الشيوعيين السودانيين، الذين كانت تجربة انهيار النظام الشيوعي ومن قبلها تجربة علاقتهم مع نظام مايو سبباً جوهريا لتغيير نظرتهم في قضايا محورية، مثل تأسيس عملهم السياسي وفقاً لمتطلبات الديمقراطية الليبرالية، وتخلصهم من النظرة القديمة لدور الملكية الخاصة، وما الى ذلك من مراجعات صحية. كل هذا وغيره يشكل داعماً جيداً يمكن أن تعطي الأمل للإسلاميين لتجاوز ما هم فيه من محنة اليوم.

(17)

إن نصيحتنا لدعاة التغيير أن يتمثلوا قول ذلك الرجل الحكيم العظيم، الذي افتتحنا به مقالتنا هذه، ونختمها أيضاً بأقوال أخرى له: “لصنع السلام مع عدو، لا بد من العمل مع العدو، وهذا العدو يصبح شريكك”، و “الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام”

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى