أعمدة ومقالات

الضربات التي وجهها البشير للحركة الاسلامية لاتعني إنفصاله عنها

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

محمد أبوالفضل*

العلاقة بين الرئيس السوداني عمر حسن البشير والحركة الإسلامية قوية، لكنها محيرة لكثيرين، فهناك من يعتقد أنه المدافع الأول عنها ومن الصعوبة التفريط فيها، وهناك من يرى أنه يحتفظ بمسافة بعيدة عنها تمنحه درجة من المرونة السياسية، بينما يرى فريق ثالث أنه يقربها عندما تكون لها ضرورة، ويبعدها عندما تتطلب الانتهازية ذلك.

يبدو الفريق الثالث أكثر واقعية وأدق توصيفا لطبيعة العلاقة بين الجانبين. فالبشير لا ينكر انتماءه للحركة الإسلامية، ولم يتنصل من الروابط بينها وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، ويحرص في مؤتمرات الحركة على الجلوس وسط قياداتها من السودان وخارجه، ويبدو مزهوا ومتفاخرا بهم.

الأزمة التي يمر بها النظام السوداني كشفت عن فك عقدة جديدة في الارتباط المتجذر، اقتضته المصلحة السياسية، بعدما تبين أن جناحا في الحركة أراد توظيف التظاهرات التي اندلعت في البلاد قبل شهرين لتعظيم مكاسبه، حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بالرئيس نفسه، وهو ما انتبه إليه البشير، ووجد أن معزوفة سياسية من الجماعات الإسلامية في الداخل والخارج تعمل على نجاح الاحتجاجات ومحاولة تهميشه، وربما التخلص من رئاسته.

التبدل الحاصل في المنظومة الإسلامية يواجهه البشير بطريقتين، إحداهما إقصاء بعض الوجوه التي يراها بابا للتنغيص على سلطته، اتساقا مع رغبته الدائمة في عدم الرضوخ للابتزازات التي يتعرض لها من جانب القيادات الإسلامية، ولذلك عندما ترك رئاسة حزب المؤتمر الوطني مضطرا اختار أحمد هارون، المعروف بولائه السياسي له، ولم يلجأ لأحد الوجوه الإسلامية البارزة. والطريقة الثانية تقوية جناح الحركة العسكري في مؤسسة الجيش، باعتبارها الأكثر انضباطا وتنفيذا لأوامره.

لم تتوقف عملية تكسير العظام بين البشير وخصومه في الحركة الإسلامية، وكانت تتخذ مراحل صعود وهبوط حسب التوازنات السياسية في البلاد

لم تتوقف عملية تكسير العظام بين البشير وخصومه في الحركة الإسلامية، وكانت تتخذ مراحل صعود وهبوط حسب التوازنات السياسية في البلاد

فك عقدة جديدة، أو المفاصلة كما يسميها أهل السودان بين البشير والحركة الإسلامية، فرضتها مجموعة من العوامل، في مقدمتها تصاعد التظاهرات واتساع نطاقها، وعدم إثبات كوادر الحركة الإسلامية قدرة على التصدي لها بالنزول إلى الشوارع بالتوازي، فضلا عن الميوعة التي بدت على مواقف بعض قيادات الحركة، وحملت رسالة بأنها الجهة الوحيدة القادرة على حماية النظام السوداني، وهو ما خشي البشير أن يؤدي إلى تقويتها بما يمنحها قدرة على إزاحته، كنوع من تصفية حسابات سابقة.

المنهج الذي يتعامل به البشير في قضايا كثيرة من الصعوبة توقعه، لأنه يقوم على المراوغات والمناورات والهروب إلى جهات غير معلومة أحيانا، ومن السهولة أن يبدل موقفه. وهو إحدى العلامات البارزة في حكمه، أفضت إلى عدم احتفاظه بأصدقاء أقوياء يمكن اللجوء إليهم وقت الضيق، لذلك يدير علاقته بالحركة الإسلامية وفقا للآلية التي خبرها منذ سنوات، وتعتمد على توجيه ضربات قوية لبعض أجنحتها، بما يفقدها قدرا من توازنها لفترة من الزمن، يتمكن فيها من إعادة ترتيب أوراقه.

الضربات التي وجهها لجسم الحركة لا تعني انفصاله أو النأي بعيدا عنها، بل تؤكد أنه عضو فاعل فيها بالطريقة التي يريدها والوسيلة التي يفهمها والأداة التي تحقق مصالحه النهائية، ولا يزال مسكونا بقناعة أن بعض القيادات تعمل على الانقضاض عليه، وتسعى لتغريمه ضريبة ما قام به من تصرفات تجاه عدد منها على مدار العقدين الماضيين.

من أهم الخطوات التي أقدم عليها البشير لتحجيم منافسيه في الحركة الإسلامية، ما قام به ضد حسن الترابي، الرجل الأول في الحركة، عام 1999، وبعدها انقسم جسم الحركة السياسي إلى المؤتمر الوطني بقيادة البشير، والمؤتمر الشعبي بقيادة الترابي. ودخل كلاهما في مناوشات ممتدة، وحاول كل طرف التأكيد أنه الرافد السياسي لها، وتراجع الخصام نسبيا بين الحزبين بعد وفاة الترابي وعدم ظهور قيادة تسد الفراغ الذي تركه الرجل، فأمن البشير استمراره دون منافسة قوية، خاصة أنه على ثقة في ولاء المؤسسة العسكرية.

لم تتوقف عملية تكسير العظام بين البشير وخصومه في الحركة الإسلامية، وكانت تتخذ مراحل صعود وهبوط حسب التوازنات السياسية في البلاد، وتتخذ وتيرة متزايدة كلما اشتد عودها في الداخل والخارج، وشعر البعض من قياداتها بعد اندلاع ثورات الربيع العربي بأن هناك فرصة للضغط على الرئيس السوداني للحصول على مكتسبات منه والاقتراب من الحركة في شقها العالمي، وبالفعل كانت هذه الفترة زاهية، وقادت إلى درجة مرتفعة من الانسجام بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الإسلامية، وتغزل كل طرف بالتفاخر أنه جناح للآخر.

الوئام الظاهر بين القيادات الكبيرة لم يعجب فئة من الشباب، وعلى ذلك قامت برفع مذكرة سميت “الألف أخ” عام 2011، وقدمها ألف من الشباب الحركيين رأوا أن ثورة “الإنقاذ الوطني” التي قادها البشير مع إسلاميين عام 1989 تراجعت عن ثوابتها الرئيسية، وطالبوا فيها بإصلاحات وتبني أفكار جديدة تمكن قيادات الحزب من التصدي للتحديات المتعاظمة.

التداعيات التي تركتها الخطوة السابقة كانت سلبية على الحركة، ولفتت انتباه البشير إلى وجود ذيول حريصة على العبث بمصيره، فأوغل في توجهاته وسياساته الإقصائية، واستبعد عددا من القيادات الكبيرة، ما أدى إلى ظهور ما يسمى بـ”الحركة الوطنية للتغيير” في أكتوبر 2013، والتي دعت للعمل المشترك لما وصفته بإصلاح الوطن، بذريعة الترفع عن كل الانتماءات، وهي حجة رغبت في أن تمكنها من ضم مجموعة من القيادات السياسية في الأحزاب السودانية المعارضة، وقبلها بوقت قصير قام 31 قياديا إسلاميا بتسليم مذكرة للرئيس البشير تحضه على خطوات إصلاحية.

الممارسات المتوالية في هذه الفترة كشفت عن عمق الانسداد في صفوف بعض القيادات، وكان انسلاخ غازي صلاح الدين العتباني، وزير الإعلام الأسبق عن حزب المؤتمر الوطني، تطورا مهما، لأنه كون حزبا سياسيا إسلاميا حمل اسم “حركة الإصلاح الآن” لسد فراغ الترابي وحزب المؤتمر الشعبي المترهل، وحاول تقديم جانب فضفاض للحركة الإسلامية ليستوعب الكوادر الشاردة، وتدثر بثوب يوحي بالانفتاح على القوى الأخرى.

المنهج الذي يتعامل به البشير في قضايا كثيرة من الصعوبة توقعه، لأنه يقوم على المراوغات والمناورات والهروب إلى جهات غير معلومة أحيانا، ومن السهولة أن يبدل موقفه

الحصيلة التي وصلت إليها الحركة الإسلامية بأطيافها المختلفة، تشير إلى أنها تريد السيطرة على الحياة السياسية، فالتباينات بين قياداتها تنصب على التفاصيل لأن الكل ينحدر من معين واحد، وهو ما جعل غالبية الأحزاب التي خرجت من رحمها غير قادرة على تعزيز الثقة مع قوى حزبية مدنية.

التفاهم الذي توصل إليه غازي صلاح الدين قبل أيام قليلة مع الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي، رسالة للحركة الإسلامية أكثر منه عربون ثقة مع أحزاب مدنية، ومحاولة من غازي لتقديم نفسه كوجه مجدد في جسد الحركة، قد يتمكن من أن يجمع حوله وجوها تحتفظ بمسافة مع الرئيس البشير، الذي انحاز تماما للجناح العسكري في الحركة، ويرى أنه الأكثر وفاء للحفاظ على ثوابتها، والأشد قوة في التعامل مع أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات.

الرهان الذي يضعه البشير على هؤلاء هو رهان الأمر الواقع، وقد يؤدي إلى إعادة تموضع قيادات كثيرة في الحركة، ويدخلها دوامة قاتمة من التباين، تحتاج بعض الوقت للملمة نفسها مرة أخرى، لأن دور القيادات التاريخية بات يتوارى تدريجيا.

وربما تظهر طبقة تؤثر في المعادلة الحالية، بما يسمح بتعديل التوجهات، بطريقة تجعلها تحافظ على مكاسبها، وتمكنها من التصدي لقوى المعارضة، التي تعي أنها أمام فرصة جيدة لتخفيف قبضة الحركة على مفاصل الحكم في البلاد.

*كاتب مصري

نقلا عن العرب اللندنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى