أعمدة ومقالات

مدى دستورية أوامر الطوارئ (1) و (2)

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

نبيل أديب

سألني الكثير من الأصدقاء والمهتمين بحقوق الإنسان حول مدى دستورية المحاكمات الجارية في مواجهة المتظاهرين في هذه الأيام، حيث أنه ثارت شكوك عديدة حول صحة إعلان حالة الطوارئ. وبالتحديد حول تحقق الشروط الدستورية لإعلان حالة الطوارئ، ومدى موافقة كل ذلك للأسباب التي إستند عليها رئيس الجمهورية، في إعلانه لحالة الطوارئ. واقع الأمر هو أن ما أزعج المهتمين بحقوق الإنسان، هو المحاكمات التي إنتشرت في الأيام الماضية، والتي إستهدفت المحتجين من الشباب بالعقوبات الجنائية. وهو أمر يخالف، دون حوجة لكثير غوص في المسألة، أحكاما دستورية عديدة، بالإضافه لكونه بدون شك يعيق مسيرة البلاد نحو مجتمع ديمقراطي سليم. بدون التعمق في مدى صحة الإعلان نفسه عن حالة الطوارئ، والذي يقودنا إلى خلافات فقهية معقدة، أجد نفسي متفقا مع المشفقين على الحريات الديمقراطية، في أن أمري الطوارئ 1 و2 والتي تجري المحاكمات إستنادا على أحكامها يخرقان بدون شك الحريات العامة التي كرسها الدستور في وثيقة الحقوق في المواد 27 وحتى 48 منه.

مخالفة الأمرين للدستور

لا خلاف في أن أمري الطوارئ رقم (1) و(2) قد حملا أحكاما تنتتهك الحقوق والحريات التي تضمنتها الوثيقة، بشكل مباشر، أو عن طريق ماتضمنته العهود الدولية المتصلة بحقوق الإنسان والتي صادق عليها السودان. فالثابت أن المادة 5 من أمر الطوارئ الأول تفوض القوات النظامية السلطات في دخول أي مباني، أو تفتيشها، أو تفتيش الأشخاص. وفرض الرقابة على أي ممتلكات أو منشئات. والحجز على الأموال والمحال والسلع والأشياء التي يشتبه بأنها موضوع مخالفة للقانون، وذلك حتى يتم التحري والمحاكمة. وحظر أو تنظيم حركة الأشخاص أو نشاطهم أو حركة الأشياء أو وسائل النقل والإتصال في أي منطقة أو زمان. منح سلطات الضبط كل هذه السلطات،  دون رقابة من القضاء، أو النيابة وبدون إبداء السبب المعقول، هي  سلطات تخرق حق الخصوصية الذي تحميه المادة 37 من الدستور وحق الملكية، وحق الحرية والأمان الذي تحميه المادة 29 من الدستور.

كذلك فقد حظر أمر الطوارئ الثاني التجمهر، والتظاهر، والتجمع، والمواكب غير المرخص بها. وإقامة الندوات، والتجمعات، والفعاليات المختلفة، والأنشطة إلا بإذن من السلطة المختصة. ويخالف هذا الحظر الحق في التجمع السلمي، ويؤثر سلبا على أنشطة الأحزاب السياسية، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، مما يخرق حقي التجمع السلمي والتنظيم وفقا لأحكام المادة 40 من وثيقة الحريات.

كذلك فقد حظر الأمر الثاني  التقليل من هيبة الدولة، وأي من رموز سيادتها، أو أي من أجهزتها، أو العاملين بها، بأي وسيلة أو فعل. وهو حظر واسع وغامض، بحيث يقيد بشكل خطير حق المواطنين في التعبير. ويأخذ ذلك منحىً خطيراً حين يتصل بنقد الحكام ومراقبة أجهزة الدولة. وهو حق أصيل في المجتمع الديمقراطي، لا يجوز الإنتقاص منه لإرتباطه بالحق في المشاركة في الحكم، وبالتبادل السلمي للسلطة.

وأخيراً فقد حظر الأمر الثاني  إعداد ونشر أو تداول الأخبار التي تضر بالدولة، أو المواطنين، أو تدعو إلى تقويض النظام الدستوري القائم، أو بث روح الكراهية، أو العنصرية، أو التفرقة بأي وسيلة من وسائل النشر المرئي أو المسموع أو المقروء، أو أي وسيلة من وسائل التواصل الإجتماعي. وهو الأمر الذي ينتهك حرية تلقي المعلومات، كما وأن النصوص المذكورة، تعاني من غموض يجعلها تخرق الحق في المحاكمة العادلة، حيث أن الشخص لا يكون عند إرتكاب الفعل عالم بأنه مخالف للقانون.

إذاً فمن عدة زوايا فإن أمري الطوارئ 1و2 يخالفان الدستور، من حيث كونهما ينتهكان وثيقة الحقوق.

إعلان حالة الطوارئ وإنتهاك الحقوق الدستورية

إذا كان الحال كذلك، فهل إعلان حالة الطوارئ في حد ذاته، يسمح للسلطة أن تصدر أوامر تجاوز وثيقة الحقوق؟ الإجابة عندي بالنفي. فالمادة (211) من الدستور، واضحة وضوح الشمس، في لفظها ومعناها، حين ذكرت أنه يجوز لرئيس الجمهورية، أثناء سريان حالة الطوارئ، أن يتخذ بموجب القانون أو الأمر الاستثنائي، أية تدابير لا تقيد، أو تلغي جزئياً، أو تحد من آثار مفعول أحكام هذا الدستور باستثناء ما هو منصوص عليه أدناه

وقد نصت المادة على إستثنائين: ما يهمنا الإستثناء الأول الذي حمله نص الفقرة (أ ) من المادة والذي يجيز لرئيس الجمهورية تعليق جزء من وثيقة الحقوق، بشرط عدم انتقاص الحق في الحياة، أو الحرمة من الاسترقاق ،أو الحرمة من التعذيب، أو عدم التمييز على أساس العرق، أو الجنس أو المعتقد الديني أو حق التقاضي أو الحق في المحاكمة العادلة.

من هذا يتضح أن مجرد إعلان حالة الطوارئ لا تجيز إتخاذ تدابير تخالف وثيقة الحقوق، وإنما يلزم لذلك أن يصدر السيد رئيس الجمهورية  أمراً بتعليق كل، أو جزء، من المواد الجائز تعليقها، وفقاً للفقرة (أ) الواردة أعلاه. وأيضاً للمادة (4) ممن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على تفصيل سنذكره حالاً.

متطلبات تعليق جزء من وثيقة الحقوق

تعليق جزء من وثيقة الحقوق هي مسألة على درجة عالية من الأهمية. ولذلك فإنها لا يجوز إفتراضها من إصدار تدابير تخالفه أحكامها، بل يجب تعليق المواد التي تنوي السلطات عدم التقيد بأحكامها صراحة، في شكل إعلان رئاسي لأن الدستور يتطلبها بشكل مستقل عن إعلان حالة الطوارئ. ولأن إلتزامات السودان الدولية تتطلب ذلك. تنص المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية على ما يلي

  1. 1. في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن عن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتب عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة تلك التدابير للالتزامات الأخرى المفروضة بمقتضى القانون الدولي، وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.
    لا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6 و 7 و 8 (الفقرتين 1 و 2) و 11 و 15 و 16 و 18.
  2. على أية دولة طرف في هذا العهد استخدمت حق عدم التقيد أن يخطر الدول الأطراف الأخرى فورا، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي لم تتقيد بها وبالأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وعليها، في التاريخ الذي تنهى فيه عدم التقيد، أن تخطرها بذلك مرة أخرى وبالطريق ذاته.

فبمراجعة المادة (4) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يتضح أنه ليس كل حالة من حالات الطوارئ تجيز للسلطات العامة في الدولة، عدم التقيد بالحقوق الواردة في ذلك العهد، والموجودة بنصها مباشرة  في وثيقة الحقوق، أو بموجب الفقرة (3) من المادة (27) والتي جعلت كل العهد جزء لا يتجزأ من وثيقة الحقوق. وفقاً للمادة (4) فإن حالة الطوارئ التي تبرر تعليق بعض الحقوق الورادة في العهد، يجب أن تصل درجة أن تكون مهددة لحياة الأمة.

هذا من حيث الموضوع. أما من حيث الشكل فيتوجب أن يصدر أمر بتعليق الحقوق المطلوب تعليقها، وأن يخطر بذلك جميع الدول الأعضاء في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة.

أثر إعلان حالة الطوارئ على وثيقة الحقوق

إذا فالثابت أن مخالفة النصوص التي خالفها أمرا الطوارئ الأول والثاني، هي مخالفة كانت تتطلب قبل إصدار الأمرين، بالإضافة لإعلان حالة الطوارئ، إعلانا بتعليق المواد التي تنوي السلطة عدم التقيد بأحكامها في وثيقة الحقوق. وأن يصاحب ذلك إخطارا للدول الأعضاء في العهد الدولي للحقوق الإقتصادية والسياسية عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بتعليق تلك الحقوق والحريات والسبب في ذلك. والثابت هو أن السيد رئيس الجمهورية لم يصدر أمراً بتعليق أي من مواد وثيقة الحقوق، فهل يمكن إستنتاج التعليق من إصدار أوامر تخالفة؟ الإجابة عندي بالنفي. أولاً لأنه لا يجوز إفتراض سهوه عن مسألة بهذه الدرجة من الأهمية. وثانياً لأن ما ذكره تبريراً لإعلانه لحالة الطوارئ يؤكد بوضوح أن الظروف التي دعت لإعلانها، لا تصل بحال من الحول إلى مرحلة تهديد حياة الأمة.

فمن جهة فإن الإعلان نفسه حسبما صدر في الغازيتة لا يحمل أي أسباب، ولو كان الرئيس يعتقد بوجود أسباب تهدد حياة الأمة لذكرها دون شك.

من جهة أخرى فإنه قد قدم للإعلان في خطابه بتاريخ 22/2/2019  ب”التاكيد مجددا علي ان تكون وثيقة الحوار الوطني التي انجزتها القوى السياسية والمجتمعية، واودعت فيها جماع اتفاقنا الوطني، والتي قطعنا شوطا كبيرا في تنفيذها، أساسا متينا في استكمال لم شمل القوي السياسية الوطنية، في الداخل والخارج، وسيتسع صدرنا واسماعنا لاي مقترحات جديدة تساهم في بناء وطننا العزيز .. قناعة منا بأن الحوار هو الوسيلة الاولي والاخيرة
لاستكمال بناء وطن يسع الجميع .”

ولم يذكر أنه أعلن حالة الطوارئ لمواجهة ظروف إستثنائية من شأنها أن تهدد حياة الأمة، بل على العكس من ذلك، فإنه ذكر أنه قد فعل ذلك “إستعدادا لترتيب المشهد السياسي الوطني بما يحقق الاجماع والوفاق” وبالتحديد من واقع” الدعوة الصادقة لقوى المعارضة التي لاتزال خارج مسار الوفاق الوطني ووثيقته للتحرك للامام والانخراط في التشاور حول قضايا الراهن والمستقبل عبر الية حوار يتفق عليها” وهو يوجه تلك الدعوة ل ” جميع من ذكرت انفا من قوى سياسية ومجتمعية وحركات مسلحة لاستيعاب
المتغير الجديد في المشهد السياسي والاجتماعي.(الشباب ) وذلك من خلال أطروحاتهم وتنظيماتهم ومن خلال آليات جديدة يتفق عليها معهم للإستماع لهم ولإشراكهم في البناء الوطني بالاليات المناسب. فأغلبهم ليس جزءاً من التنظيمات والقوى السياسية الموجودة بالساحة الآن”

وأنه “إستعدادا لترتيب المشهد السياسي الوطني بما يحقق الاجماع والوفاق
وتنفيذ الاستحقاات اللازمة لذلك من تحقيق لطموحات شعبنا واحلامه في
النهضة والبناء والرفاهية فانني أعلن الاتي

(أ) فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة عام واحد”

إذا توصلنا من واقع الكلمات التي قدم بها الرئيس لقراره لإعلان حالة الطوارئ، أن الإعتبارات التي دفعت بالرئيس لإعلان حالة الطوارئ، هي التوحد في مواجهة الصعوبات الإقتصادية بما يجمع كافة القوى السياسية،

وإذا كان الرئيس من حيث الواقع لم يصدر إعلانا رئاسيا بتعليق أي جزء من وثيقة الحقوق،

وأذا كان عدم تعليق أي جزء من وثيقة الحقوق يتسق مع المبررات التي دفعته لإعلان حالة الطوارئ،

وإذا كان رئيس الجمهورية لم يخطر الدول الأعضاء في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بتعليق جزء من وثيقة الحقوق عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، وهو الأمر الذي كان يجب أن يصاحب تعليق أي جزء من وثيقة الحقوق،

فلا بد من القول بأن وثيقة الحقوق ما زالت سارية المفعول ولا يجوز للسلطات المختلفة للدولة مخالفتها.

قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997

ربما كان المستشارون القانونيون لرئيس الجمهورية قد إعتمدوا على قانون الطوارئ والسلامة العامة، والذي أشار له إعلان حالة الطوارئ، لكي ينصحوا الرئيس بأن إعلان حالة الطوارئ وفقا لذلك القانون يمنح االسطات وفقا للمادة (5) من ذلك القانون إتخاذ تدابير تشمل ما جاء في الأمر الأول، وهو أمر غير صحيح وذلك لأن المادة المذكورة في القانون تتحدث عن إتخاذ تلك الإجراءات ضمن تدابير الطوارئ والمادة 211 وهي المادة الأسمى والجديرة بالإتباع، تجيز فقط إتخاذ أية تدابير لا تقيد، أو تلغي جزئياً، أو تحد من آثار مفعول أحكام هذا الدستور ما لم يتم تعليق أجزاء من الوثيقة وفقا للفقرة أ من المادة 211

وضع قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997 قبل صدور الدستور الحالي، كان يستلزم إلغاء الأحكام المخالفة للقانون فيه. ورغم أن ذلك الحكم ينطبق على سائر القوانين إلا أن  قانون الطوارئ والسلامة العامة 1997 بشكل خاص بإعتباره قانونا يتناول مسائلا يتولى تنظيمها الدستور مباشرة، وتطبقه السلطة التنفيذية في أعلى مستوياتها، كان يتوجب معالجة ذلك فور صدور الدستور. ولكن الواقع هو أننا ما زلنا بعد هذه السنين العديدة من نفاذ الدستور، نستظل بقانون يحمل أحكاما مخالفة للدستور في المواد 4 و 5 و8 من القانون والتي تشكل نصف مواده.

المعنى القانوني لتشكيل محاكم الطوارئ

نصت المادة 8 من أمر الطوارئ رقم (1) على أن ينشئ رئيس القضاء محاكم طوارئ ويصدر القواعد التي تنظم المحاكمة والإستئناف. والمادة من حيث الحكم الذي تقرره صحيحة إذ أن ذلك هو أحد التدابير التي يجوز لرئيس الجمهورية وفقا للمادة 211 إتخاذها أثناء سريان حالة الطوارئ لكونها “لا تقيد، أو تلغي جزئياً، أو تحد من آثار مفعول أحكام هذا الدستور” وهذه التدابير قدّر رئيس الجمهورية أنها لازمة لمقتضيات حالة الطوارئ، وفقا للفقرة ج من المادة 211، وبالتالي تكون لها قوة القانون. وقد أصدر السيد رئيس القضاء بالفعل أوامر بتشكيل محاكم طوارئ وفقا لأحكام المادة المذكورة من الأمر المذكور، إمتثالاً لأمر يحمل قوة القانون. وسلطة رئيس القضاء هنا هي سلطة إدارية وليست قضائية. فما هو المعنى القانوني لتشكيل تلك المحاكم ؟

الثابت هو أن محاكم الطوارئ التي شكلها السيد رئيس القضاء، من حيث الشكل، هي محاكم مشكلة وفقا للقانون، ومختصة بالنظر في الدعاوي التي تحولها لها نيابات الطوارئ، المشكلة وفقا للقانون أيضا. فهل يعني ذلك أنها ملزمة بتطبيق أوامر الطوارئ دون مراجعة دستوريتها؟

الرأي عندي يقوم على مستويين، فمن حيث صحة أمر التشكيل فإن تلك المحاكم لا تملك الفصل في ذلك إلا من حيث التثبت من معاني الألفاظ المستخدمة، ولكنها من حيث موضوع الدعوى والإختصاص بنظرها فإنها تملك السلطة القضائية الكاملة في الفصل في النزاع المطروح أماها من كافة جوانبه، وتحافظ على حيدتها كاملة في مواجهة كافة أطراف النزاع وليس لها إلتزام في ذلك تجاه أي شخص أو جهة فيما عدا ضميرها القضائي. والمسألة هنا هو إلى أي مدى يمكن لها الغوص فيما أثرناه من حيث مسألة دستورية تلك الأوامر.

رغم أن القانون لدينا قد أنشأ محكمة دستورية مختصة بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وبالفصل في دستورية القوانين والنصوص وفقاً للدستور، أو دساتير الولايات المعنية، مثلما قررت النصوص في فرنسا ومصر، إلا أنه يلاحظ ان الوضع في فرنسا ومصر مختلف عن الوضع لدينا. ففي فرنسا تمنع النصوص الواضحة المحاكم العادية من مراجعة دستورية القوانين. وفي مصر نص قانون المحكمة العليا لعام 1969 على أنه تختص هذه المحكمة دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين. ولكن قانون المحكمة الدستورية لعام 2005 رغم أنه قصر سلطة إلغاء القوانين المخالفة للدستور على المحكمة الدستورية إلا أن الدستور لم يُقصر حماية الحريات العامة على المحكمة الدستورية، بل نص في المادة 48 من الدستور على أن ” تصون المحكمة الدستورية والمحاكم المختصة الأُخرى هذه الوثيقة وتحميها وتطبقها، وتراقب مفوضية حقوق الإنسان تطبيقها في الدولة وفقاً للمادة 142 من هذا الدستور.”

ومن ذلك يتضح أن الدستور السوداني يفرق بين أحكام الدستور المتصلة بتعريف السلطات العامة، وتوزيع الإختصاصت بينها، وبين أحكام وثيقة الحقوق والتي يضع لها مكانا مميزا، يتطلب فيه من سائر السلطات بما في ذلك القضاء العادي، حمايتها. ولكن الحماية لا تشمل سلطة إلغاء القوانين المخالفة للدستور، حتى ولو كانت تنتهك أحكام واردة في وثيقة الحقوق، لأن إلغاء القانون لا يكون إلا بقانون أو بناء على قانون، والقانون لا يمنح تلك المحاكم هذه السلطة. ولكن كيف يمكن أن تقوم المحاكم العادية بتوفير الحماية للوثيقة؟

توفر قواعد التفسير للقضاء العادى  سلطة مراقبة دستورية القوانين، فبالنسبة للقوانين التي تتعارض مع الأحكام المضمنة في وثيقة الحقوق، فإن القاضي العادي  مأمور برفض تطبيقها بنص المادة 48 من الدستور كما أسلفنا، فإذا عرضت أمام محكمة مختصة، دعوى تستند على قانون يخالف نصاً في وثيقة الحقوق، فعلى المحكمة أن تمتنع عن تطبيق ذلك القانون ليس فقط بموجب نص المادة 48 الصريح الذي يلزمها بصيانة الوثيقة وتطبيقها، ولكن أيضاً بإعتبار أنه من صميم عملها القضائي. فالقاضي أصلاً لا يمكنه أن يطبق القانون ما لم يفسره. والقاضي غير مكلف بتطبيق قانون واحد بل كل القوانين. وهذه القوانين قد تحمل أحكاماً متعارضة، لذلك فإنه مطلوب منه أن يقوم وفق قواعد التفسير بتحديد الحكم الواجب التطبيق، بين أحكام القوانين المختلفة. والدستور هو قانون من ضمن القوانين التي يجب على القاضي أن يطبق أحكامها، ولكنه يعلو على  كافة القوانين الأخرى، وهو ما يمنعه من تطبيق  حكم القانون العادي إذا تعارض مع حكم في الدستور. لأن الدستور وفقاً للمادة الثالثة منه ” هو القانون الأعلى للبلاد، وتتوافق معه دساتير الولايات وجميع القوانين” وفي هذا مخاطبة للمشرع وللقاضي الدستوري وللقاضي العادي كل في مجاله، بحماية الوثيقة. فعلى المشرع أن يلغى القوانين المخالفة للدستور، وأن يمتنع عن إصدار قوانين تحوي أحكاماً مخالفة للدستور. و على القاضي الدستوري إلغاء القوانين المخالفة للدستور متى ما عرضت أمامه في دعوى إلغاء. وعلى القاضي العادي تجاهلها إذا عرضت عليه في أي دعوى. وهذا  أيضاً حكم القانون الذي تبنته المادة 6(2) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة والتي تنص على أنه “إذا تعارض أي نص في أي قانون مع أي حكم من أحكام الدستور تسود أحكام الدستور بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض”

لقد توصلنا لأن محاكم الطوارئ هي محاكم مختصة، وبالتالي فهي محاكم ملزمة بتطبيق قواعد التفسير، ومخاطبة بالمادة 48، والتي تلزم كافة المحاكم المختصة بصيانة الوثيقة وحمايتها وتطبيقها.

نبيل أديب عبدالله

المحامي

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى