أعمدة ومقالات

تداركاً للعجز واستكمالاً للأدوار كيف يتم الإستثمار في مكانيزمات نجاح الثورة غير المنظورة

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

د. اليسع عبدالقادر

مدخل أول

قبل إنطلاق هذه الثورة كانت هنالك حالة إسقاط نفسي وتدجين ممنهج وشيطنة لأي عمل معارض ضد النظام باعتباره عمل ضد سلطان الله في الأرض، عبر زعم يفترض أن النظام إسلامي ووطني والمعارضة علمانية وعميلة ضد الدين والوطن، وتم تسويق ذلك عبر أبواغ إعلامية وشيوخ تمت صناعتهم بإمتياز ليؤدوا هذا الدور مقابل امتيازات مادية لا تؤهلهم لها إمكانياتهم المتواضعة، وبناءاً على هذه الفرضية، كثيرون كانوا يتوقعون عدم نجاح أي ثورة شعبية في السودان تتصدرها المعارضة ولازال البعض يعتقد ذلك، إضافة لأسباب منطقية من بينها تعمق النظام وسيطرته على مفاصل الدولة الحيوية ( الجيش، الأمن، الشرطة، الإقتصاد، الإعلام، القضاء والخدمة المدنية)، كل ذلك مع ضعف القوى السياسية المعارضة وافتقارها للوحدة العضوية والموضوعية عبر مركز إدارة موحد، أي كانت هذه المعارضة مدنية ام مسلحة.

هذه القراءة الافتراضية المسنودة بوقائعها، كانت مسيطرة على عقول الساسة في النظام والمعارض اللهم إلا القلة، وعبرها إستطاع النظام تفريخ الآلاف من الكوادر في قطاعي الطلاب والشباب مع السيطرة عليهم عبر الإغراءات بالوظيفة أو التسهيلات المادية المرتبطة بالولاء السياسي، والذي في مجمله كان ولاءاً لشخوص نافذين، ففي وقت ما كنا نسمع أولاد على عثمان وأولاد نافع وأولاد أسامة عبدالله، ورجال حول الرئيس، وحتى داخل جهاز الأمن كان هنالك اولاد قوش وأولاد شندي وهؤلاء أقرب لنافع، ومع تسهيلات النظام المادية لعضويته وفتح الباب للراغبين في الالتحاق بوعائه الجامع (المؤتمر الوطني)، تمددت العضوية فدخل في النظام كل طامح في المال والسلطة من النطيحة والمتردية والمنخنقة والموقوذة، ودخول هؤلاء الانتهازيين صاحبه خروج لكوادر النظام الأصيلة، حتى وصل الأمر إلى أن يكون هنالك كوادر ذات خلفيات حزبية كانت معارضة للنظام، تتسنم مواقع قيادة في حزب المؤتمر الوطني وفي الدولة بعد أن اعلنوا ولائهم للنظام، وكانت الفلسفة قائمة على التخلص من أصحاب الأنا النقدية المزعجة في النظام، وهم الذين يرون ان لهم فضل في تثبيت أركان النظام لاسيما المجاهدين من الطلاب والشباب، او كوادر الإسلاميين الذين تم اسدعاءهم من خارج السودان في سنوات تمكين النظام الأولى أو كوادر النظام التي ناضلت وسجنت ايام مايو، وفي سبيل التخلص منهم لجأ النظام إلى الإعتماد الكلي على جهاز الأمن بشقيه الرسمي والشعبي في تسيير دولاب العمل، ففي كل مؤسسة يوجد رجل أمن وهو المدير الفعلي لهذه المؤسسة، ويقف على كل تفاصيلها وحركة أفرادها، وله نسخة من كل قرار إداري في المؤسسة ويعلم بكل فساد يتم فيها، وبدلا عن العمل الوقائي لمنع الفساد، نجد العكس، إذ يتم الاستدراج لاستخدام الفساد كاداة لتركيع المسؤولين، وذلك عبر “سياسة الملفات”، فهنالك من لهم ملفات فساد مالي وهنالك من لهم ملفات فساد أخلاقي، وهنالك من لهم ملفات فساد إداري، وأصبح الأمن هو المتحكم في تفاصيل المؤسسات عبر الملفات، أما الوزراء والمدراء الذين  ليس لهم ملفات فهؤلاء فئتين، المغضوب عليهم من أصحاب الرأي وهؤلاء يتم اعفاءهم، والضعفاء من الباصمين وهؤلاء يتم الابقاء عليهم، ومع الوقت تكيف الجميع مع هذه السياسة، وعليه لا يوجد الآن غير الفاسدين والضعفاء على سدة اي مؤسسة في الدولة، هذا هو الوضع داخل النظام قبل الثورة.

اما المعارضة فحالها يغني عن السؤال، فبعد التضييق على رموزها وكوادرها الفاعلة اضطر الكثيرين للهجرة مرغمين لأن للحياة متطلبات مادية، فالحرب معهم كانت ضروس منذ سنوات التمكين والصالح العام الأولى، إلى سنوات المحسوبية والولاء في السنوات الأخيرة من عمر النظام، هذا مع شراء النظام لضعفائهم عبر سياسة الترضيات من أموال الدولة المنهوبة، واذكر هنا طرفة مأساوية توضح كيف يتم تبديد أموال البلد في شراء الذمم الفاسدة، حكاها لي أحد الثقاة ان قريب له أرسله رئيسه في أحد أحزاب الفكة المنقسمة عن أصلها، إلى مدير جهاز الأمن ووقتها هو صلاح قوش في فترته الأولى فقال له هنالك أمانة بطرف مدير الجهاز اذهب وهاتها منه، فذهب لقوش واعطاه شنطة، ولم يقل له أي تفاصيل غير “هذه الأمانة فخذها”، وبعد أن خرج من قوش، حدثته نفسه ووسوست له، فقام بفتح الشنطة فإذا بها ممتلئة بالمال، فما كان منه إلا أن أخذ منه خمشة كبيرة اشترى بها بيت وعربية وعمل استثمار، وأعطى الباقي لرئيسه في الحزب وقال: إلى هذه اللحظة لم يسأله أحد عن ذلك المال، نعم لكم ان تتخيلوا كيفية التعامل مع مال الدولة السائب، وما يفعله به الشاري والبائع للذمم من ساستنا، وفي ذات الوقت  نفتقر للمستشفى والدواء للمريض، والفصل والكتاب للطالب، وادوات الإنتاج والطريق للمنتج، وما قصة الجاز ومساعد الرئيس الأسبق ببعيدة، وقطعا صراعات الدقير واحمد بلال واشراقة لم تكن في ورثة او عمل تجاري بينهم، وكذلك لم يأتي ابوقردة وتابيتا لله، وحزب مولانا لم ينتقل من مربع سلم تسلم إلى القصر مجاناً، وحتى هذه اللحظة يتم البيع، وسيتفاجأ كثيرين منكم بكشف يوضح كم باع أناس في هذه الأيام يحسبهم بعضنا ابطالاً، إذ كم من حسن إسماعيل يمشي بين الثوار، ولحظة فرش المتاع قادمة لا محالة، ولكن هذا ليس وقتها، لأن الطاقة الايجابية ينبغي أن توجه لإسقاط النظام، وليس لخنازيره التي يشتريها، والزمان لا يخلوا من فاقدي الضمير على مر العصور، وحقب التاريخ تحدثنا عن خيانة وخيبات الكثيرين من الذين كانوا يتصدرون لمشهده.

مدخل ثاني

تلك الصورة الغاتمة عند الساسة أي  كانوا في النظام أم المعارضة، تقابلها صورة أخرى ناصعة البياض، فإنتهازية الساسة أدت إلى تولد حالة عند الأجيال الناشئة تسمى عند علماء الاجتماع والنفس بحالة “الاغتراب”، فكان هنالك اغتراب “سياسي واجتماعي”، فالشباب يرون أن الساسة ورموز المجتمع لا يعبرون عن قضاياهم، بل يرونهم سارقين لحاضرهم ومدمرين لمستقبلهم، لاسيما ساسة النظام ومن باع لهم نفسه من المعارضة ورموز المجتمع، ولم يخلوا من النقد اي شخص يقف مع النظام حيث طال النقد الجميع بمن فيهم شيوخ الطرق الصوفية والعلماء الذين يداهنون قادة النظام وينافقونهم، ونلاحظ في الوقت الذي خرج فيه النظام والمتوهمين معه، بأن هنالك أكثر من مئتين حزب وحركة يلتفون حول وثيقة الحوار الوطني التي تبناها الرئيس في خطاب وثبته الشهير، كان الشباب يمدون ألسنتهم طويلاً لمخرجات هذا الحوار ولاحزابه الوهمية، نعم وهمية إذ في بلد تغيب فيه الديموقراطية نجد هنالك اكثر من مئتين حزب وحركة مسلحة مؤيدة للنظام، فضلاً عن أحزاب وحركات المعارضة، حقيقة لا أدري اي ابتلاءٍ هذا الذي أصاب بلادنا، حتى أضحت ترزح وتئن تحت عبء متكسبي السياسة وعطالتها، إذ لا يوجد أشخاص يمتهنون السياسة ويتكسبون منها إلا في بلادنا، وهؤلاء الساسة يقفون بلا قواعد جماهيرية، وهم كالذي يلبس طاقية تغطي رأسه وباقي جسمه “أم فكو”، ومع ذلك يزايدون على الشعب السوداني ويدعون انهم حامي حماه، وهم يدركون في غرارة انفسهم ان المياه قد عبرت تحت أرجلهم وان مستقبلهم السياسي أضحى مرتبط بالبشير كشخص وبنظامه كحكومة، ولذا يتمسكون ببقاءه في السلطة أكثر من تمسكه بها هو وآل بيته، وعليه لا غرابة من دعوة علي عثمان وتابعيه واحمد بلال وتابيتا وابوقردة وحسن اسماعيل بالتمسك بالبشير، مثلهم ومثل دعوة خاله الطيب مصطفى الذي لا يرى لهم مكان بعد البشير غير حمل البقج.

والسؤال الذي يلح ما المتوقع وما الناتج من حالة الاغتراب السياسي والجمتمعي؟

كانت الحسابات ان تؤدي إلى حالة عجز عند الشباب، ولذا تم تهميشهم حتى يجنحوا للذاتية، بمعنى يدبر كل شاب نفسه بنفسه، وساهم في ذلك تربيتنا، إذ تربينا على العجز وذلك بالتهيئة النفسية للتعايش مع والامتثال للإستبداد وممارسته، من المدرسة والأسرة الخ ( فالمعلم يفرغ طاقته المكبوتة في الطالب، والمدير يفرغها في المعلم، وإدارة التعليم العليا تفرغها في المدير، والوزير يفرغها في الإدارة، والرئيس يفرغها في الوزير)، وهكذا يفعل الأخ الأكبر والوالد وشيخ الحلة او شيخ الطريقة او الناظر، كل يفرغ طاقته في الأصغر منه، حتى تولد عندنا مجتمع يسهل التحكم فيه، مجتمع خانع وغير مبدع، ولكن ثمت تغير طرأ في أدوات الوعي، فدخلت وسائط الميديا الحديثة ونازعت الوالدين والأستاذ والشيخ والمجتمع الصغير في التربية، فعبر شبكات التواصل الاجتماعي تواصل الشباب وتكونت لهم مجتمعات خاصة بهم، الانتماء لها يفوق الانتماء التقليدي للاسرة والقبيلة والحزب، وهذه تسمى عند علماء الاجتماع “الإحساس بالانتماء للمجتمع”، فيتشاركون الهم والرؤية، لأن الآراء عندهم تتلاقح من خلال حوارهم مع بعض، فيبادر فرد منهم بطرح رأيه ومن ثم تتوالى الآراء، ويأخذون بإصوبها، من غير أن يفرض أحدهم رأيه على المجموعة، وهذا يسمى  بتدارك العجز، حيث كلما كان الأفراد مشتركون في التخطيط والتنفيذ كلما كان فعلهم إيجابي، وكلما إزداد تدافعهم الإجتماعي، والعكس كلما تم تهميش الأفراد كلما جنحوا نحو الذاتية، وقل إهتمامهم بالأمر الجماعي، فتولدت مجموعات الشباب، فكانت مجموعات شرارة وقرفنا وشارع الحوادث ونفير وحركة ٢٧نوفبمر، وغيرها من المنظمات الشبابية، إلى أن وصلنا لمرحلة تكوين لجان مطلبية تشكل نقابات بديلة لنقابات النظام التي تهدف لوأد اي حراك مطلبي ضد النظام، حتى وإن كان أصحابه على حق، مما جعلها في حالة عجز وعزلة عن عضويتها، وبالتالي أضحت غائبة عن التأثير في الواقع، والتأثير أضحى للنقابات البديلة عند الأطباء والكوادر الطبية الأخرى والقانونيين والاعلاميين والمهندسين والفنيين والخ.

ونتجية لمجموعات الشباب كانت ثورة سبتمبر ٢٠١٣م، التي تم وأدها مبكراً نتيجة لعدم تنظيمها عبر جسم واضح الرؤية فقامت بروس وماتت في مهدها، ومع عجز النظام وتكلسه سياسيا وانتشار الفساد وانهيار الإقتصاد، كانت ثورة ديسمبر ٢.١٨م، والتي وجدت إهتمام سياسي من الجميع، بما في ذلك قيادات داخل النظام، تريد الإستثمار فيها لتحدث تغييرا في كابينة القيادة لمصلحتها، ولأول مرة يجمع الكل بما فيهم عضوية النظام على تجاوز شماعة من البديل، وكان جسم “تجمع المهنيين”، ذو الطابع المهني والخلفيات السياسية، بمثابة المبادر لتنظيم ثورة الشباب، عبر وضع معالم لخط سيرها دافعا لها في إتجاه تبني رؤية إسقاط النظام، ونجح في ذلك.

مدخل ثالث

نخصصه لتدارك العجز، إذا كان من فشل لازم هذه الثورة، سنجده يتمثل في عدم القدرة على  استقطاب الفئة العمرية غير الشبابية من غير المنظمين سياسيا لينحازوا للثورة، مع الفشل في إيجاد إيجاد آلية لمخاطبة سكان المدن غير العاصمة ليلتحقوا بالثورة، إضافة لعدم تطوير رؤية متكاملة لمرحلة ما بعد سقوط النظام، حيث كانت هنالك أسئلة جوهرية تهم الشارع السوداني والمراقبين لحراكه ينبغي أن تتم الإجابة عليها، وقدمنا فيها مقترحات عبر بيان تيار التغيير والبناء الأول من بينها ( إعلان القيادة، إذ على الشعب ان يعرف من قيادته حتى يلتف حولها، هذا مع تقديرنا بأن هنالك عمليات اعتقال ستطالهم ولكن الأمر ضروري، اقلاها إعلان بعض الأسماء والاحتفاظ ببعض، وكذلك ينبغي تقديم وجوه تتحدث عن المستقبل من الذين يقيمون خارج السودان من أصحاب الكفاءات بدلا عن الاكتفاء بالناطقين إعلاميا فقط، وايضا من المعلوم بالضرورة أن “النظام لن يسقط في الأرض كما يسقط كوب من طربيزة”، فالتدبير المتبع هو أن يسلم رأس النظام السلطة للجيش، أو ان ينحاز الجيش للشارع، وحتى هذه اللحظة لا يرى تجمع المهنيين للجيش أي دور في المرحلة الانتقالية، وبذا جعل كثيرين من قادة الجيش غير متحمسين للتغيير، وكثير من الشعب يقف في الرصيف متفرجاً، لأن الشعب يثق في الجيش مهما حدث في بنيته من تغيير، لاسيما مع وجود حركات مسلحة ومليشيات فضلا عن الانزلاق للعمل المسلح في دول الربيع العربي الذي يتخذه النظام كفزاعة، أيضا مخاطبة العالم الخارجي والمجتمع الدولي، فحتى هذه اللحظة لم يتبنى تجمع المهنيين وقوى بيان الحرية والتغيير اي عمل خارجي لتطمين دول الإقليم والمجتمع الدولي برؤية إدارة الدولة في مرحلة الإنتقال التي تلي سقوط النظام، فالعالم لن يقبل بانهيار مركز الدولة لما له من تبعات من لاجئين وارهاب، وأيضا يلاحظ غياب فصيل كبير جداً من المجتمع وهم الإسلاميين بكل تياراتهم عن التوقيع على بيان الحرية والتغيير، مع رفع شعارات انتقامية كشعار “كل كوز ندوسوا دوس”، وإن كان هذا الشعار ناتج من مندسين يتبعون للأمن وسط المتظاهرين، إلا أنه ينذر بالانزلاق للعنف في حالة حدوث تغيير غير واضح المعالم، لأنه حتى هذه اللحظة لم يتصدى تجمع المهنيين في بياناته لمثل هذه الشعارات الاقصائية)، نقدم هذا النقد القاسي، لنتدارك العقبات التي تجعلنا  نستقطب الوافقين في الرصيف لينحازوا للثورة، إضافة إلى تسليم القيادة للشعب لكي يتحرر من العجز والسكون، إلى الفعل والحركة، وذلك بأن تُفتح قنوات تجعل الجميع يبدون رأيهم ويدفعون به، حتى  تتشكل وحدة مجتمعية عبر علائق للتواصل المباشر بين كل الذين يتبنون خط إسقاط النظام، عبر لجان بالأحياء ولجان بالمؤسسات في كل المدن والقرى، فالتغيير لابد أن يشترك فيه أغلبية الناس إيمانا بفكرته، واشتراكاً في ادواته وطريقته ومألآته، حتى يدفع الناس بعضهم بعض للشارع، إذ هنالك طيف واسع من المجتمع خارج إطار الميديا، يقع تحت تأثير فعل النظام فقط، علينا استقطابه لننجز في أسرع وقت، هذا مع الإجابة على الأسئلة التي تهم الشارع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى