أعمدة ومقالات

تجمع المهنيين يكشف عن قيادته!

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

د.الشفيع خضر

في عدة كتابات سابقة، أشرنا إلى أن سهولة استيلاء قادة نظام الإنقاذ الحاكم في السودان على السلطة، عبر الانقلاب العسكري على الشرعية المنتخبة، وعلى القيادة الشرعية للجيش السوداني، في يونيو/حزيران 1989، وبقائهم لثلاثة عقود في الحكم دون تهديد جدي لحكمهم، إلا مؤخرا مع غضبة الشعب، إضافة إلى ضحالة الفكر وانعدام الرؤية وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وإطلاق الشهوات من عقالها، جعلت هؤلاء القادة يتعاملون مع الوطن وكأنه ضيعة يتصرفون فيها كما يشاؤون، يبيعون ويهبون، ينزعون ويحرمون، ويتعاملون مع المواطنين وكأنهم أقنان وجوار.
وفي خلال أعوام حكمهم الثلاثين هذه، تبدت لنا حقيقة أن هؤلاء القادة مصابون بحب التملك، يتعلقون بالسلطة والجاه ويرفضون التغيير، يتمسكون بذواتهم ويتمحورون حولها، وهم معزولون عن شعبهم وعدوانيون تجاهه، يقتاتون على المناورة، ويصدرون قرارات مصيرية دون اكتراث لما ستسببه من مخاطر للوطن. وفوق ذلك كله، فإنهم لا يعرفون الشعب السودان، وكأنهم جاؤوا من رحم غيره، أو لم ترضعهم الأمهات والعمّات والخالات، كما تحسّر أديبنا الراحل الطيب صالح وهو يتساءل «من أين أتى هؤلاء؟…، ألا يحبّون الوطن كما نحبّه؟..، إذًا لماذا يحبّونه وكأنّهم يكرهونه، ويعملون على إعماره وكأنّهم مسخّرون لخرابه؟»!
إدارة الأزمات، سياسية وغيرها، مسألة قائمة بحد ذاتها منذ القدم. ومع مرور الزمن، تطور المفهوم ليعني، في عصرنا الراهن، العمل، بتكلفة مقبولة، على تجنب تحول النزاع إلى صراع شامل، دون التضحية بمصلحة أو قيمة جوهرية. وفي عالم اليوم، يتم الحديث عن السياسة باعتبارها علما وضربا من ضروب الفنون، وأصبحت للمواجهات والنزاعات السياسية أسسا وشروطا، أهمها في نظري احترام عقل الإنسان. ولكن قادة الإنقاذ، ومنذ يومهم الأول، ظلوا يتعاملون في السياسة تجاه الوطن والمواطن بطريقة أفلام «الآكشن»، وأفلام رعاة البقر! فعند الشروع في مقاومة الانقلاب في أيامه الأولى، صرخ أحد قادة الانقلاب مهددا «لا تنسوا إننا نحتفظ بكل القيادات السياسية والنقابية في معتقلاتنا»!!، وهو تهديد صريح بإمكانية قتل الرهائن على طريقة داعش! وسجون الإنقاذ ظلت تستقبل المعارضين بوجبات دسمة من صنوف التعذيب والتنكيل، بينما المعتقلون، وخاصة كبار السن، في دهشة وحيرة من أمر هؤلاء الذين لا يراعون أي حرمة ناهيك عن حرمة السن.

ومن الواضح أن التعذيب الممنهج الذي ظلت تمارسه الإنقاذ تجاه المعتقلين السياسيين، لم يكن بغرض الحصول على المعلومات فحسب، وإنما بهدف كسر الهمة وإذلال الكرامة وقتل الروح المعنوية، حتى يخرج المعتقل إلى الحياة العامة ذليلا خاضعا مكسور الجناح. أما مشاهد الملثمين والسيارات بدون لوحات وضرب المتظاهرين وسحلهم وقتلهم بالرصاص أو تحت التعذيب، واقتحام المنازل ودهس الأطفال بالعربات، واستخدام الرصاص الحي داخل المستشفيات والجامعات…، فقال عنها مسؤول رفيع في مكتب المفوضية السامية لحقوق الانسان، «إننا لم نرها الا في توثيق الحرب العالمية الثانية عندما احتل النازيون معظم دول أوروبا، ولكن الاختلاف إن هذه الوحشية تستخدمها السلطات في بلدكم ضد أبناء جلدتكم، فيا ترى ما الغبينة التي تدعو لمثل هذا التصرف؟»!
منذ اندلاع المظاهرات في كانون الأول/ديسمبر الماضي، والنظام يبحث عن قيادة تجمع المهنيين. اعتقل مئات المهنيين، بمن فيهم عشرات النساء، وسخّر كل إمكانيات أجهزته الأمنية للوصول إلى هذه القيادة، ولكن هيهات. فتجمع المهنيين باق في الشارع، يقود المعارك اليومية، ويكشف عن إمكانات ومواهب قيادية ثرّة، ويدفع بحالة الثورة لتتخلل مسامات الجميع فتنساب إبداعا في فكرهم وأدائهم وسلوكهم. النظام أعياه البحث، فلجأ إلى اسلوب الإشاعات وخلق الأجواء المربكة. فيوعز إلى أحدهم ليكتب «يعتزم تجمع المهنيين السودانيين، الاعلان عن رئيسه و قيادته السياسية التي تمثله بعد غموض استمر لنحو ثلاثة أشهر، ظل يتساءل الرأي العام الداخلي والخارجي فيها، بإلحاح عن كنهه وقيادته». ثم يوعز إلى صحافي معروف ليكتب «يتجه الآن تجمع المهنيين لتقديم قيادة سياسية تمثله بعد شهور الاختباء تحت منطق سيعتقلوننا لو فعلنا، ودفعهم لذلك سؤال الخارج الداخل المزعج». وآخر يقتطع حديث كاتب من سياقه ليقول «هناك غرابة في أن يكون لأي حراك شعبي يهدف إلى الإطاحة بالحكم، قيادة غير معروفة».
لكن، قيادة تجمع المهنيين معروفة لدى من يجب أن يعرفوها! فهي معروفة بشخوص ممثليها في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير. وهي معروفة في شخوص الناطقين الرسميين باسمها في الداخل والخارج. وهي معروفة للآلاف المنتفضة في الشوارع، الذين لا تهمهم أسماء الشخوص، ومع ذلك يستجيبون لنداءات التجمع ما دامت تتطابق مع ما يجيش في دواخلهم ومشاعرهم وتطلعاتهم، وتتجسد ملموسا في هذه التظاهرة وذاك الاعتصام، وتلك الدعوة لنظافة الشوارع والاعتناء بالمصابين وأسر الشهداء والمعتقلين. وقيادة تجمع المهنيين كشفت عن نفسها، هي وقوى إعلان الحرية والتغيير، بدعوتها الجميع للمساهمة في بناء مستقبل الوطن عبر لجان بناء المستقبل الثلاثة: لجنة تطوير إعلان الحرية والتغيير والترتيبات الانتقالية، ولجنة صياغة الدستور الانتقالي، ولجنة السياسات البديلة والبرنامج الإسعافي، واستعدادها لاستقبال مساهمات الجميع لتوجيه وإثراء عمل هذه اللجان، وأنها ستعرض الحصيلة عقب أنجازها على جماهير الشعب.
لقد بات واضحا الآن، لا بالتنكيل والقمع، ولا بالإرباك وبث الإشاعات، سيتوقف قطار التغيير. وكلما تبث أجهزة النظام الإشاعات المربكة عن قيادة تجمع المهنيين، سيرد عليها التجمع بحراك جديد في الشارع. وبدل الإنكار غير المجدي، على النظام وأجهزته الاعتراف بالفشل والاستجابة لنداءات التنحي، الذي هو آت وقريبا، وعندها سيعرفون من هم قيادة تجمع المهنيين. أما الجماهير، فمادامت معترفة بقيادة تجمع المهنيين لحراكها، وتستجيب لنداءاته وتوجيهاته المتطابقة مع نبض الشارع، فلا يهمها الآن الأسماء والشخوص، فهذه مسألة لم يحن أوانها بعد، والجماهير نفسها هي من يحدد ذلك الأوان. وحتى ذلك الحين، سيظل تجمع المهنيين، في شموخه صامداً منتظراً حتى إذا الصبح أطل.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى