أعمدة ومقالات

وتظل بـلادُنا السـودان مقفـولاً عليها بالضَّبَّـةِ والمفـتاح !!

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

د. بشير إدريس محمدزين..

من سُوء حظ الدكتور إيلا، الذي أعلن الرئيس البشير عن رضائه التام عنه، ومحبته الشديدة له، في مناسباتٍ عديدة، أن يكلِّفه الرئيس برئاسة الوزراء في هذا الظرف (البايخ)، وغير المواتي، وغير المساعد البتَّة علي اللمعان، والإنجاز السياسي!

فالإنقاذ تمُر الآن بأزمةٍ طاحنة لم تشهد مثلها من ثلاثين سنة، والإنهيار الإقتصادي التام كتم علي البلاد كلَّ أنفاسها، والإحتقان السياسي بلغ مرحلة الإنسداد، الذي يوشك علي الإنفجار، والإحتجاجات لم تتوقف علي مدي ثلاثة أشهرٍ متواصلة..

والرئيس نفسُه متأزِّم، وفاقد للثقة في كثيرين ممن حوله، ولم يعُد (يعرِض) في كلِّ مناسبة، كما كان إلي وقتٍ قريب، ولم يعُد شتَّاماً، لعَّاناً للمعارضين، والشيوعيين، والخونة، والمندسين كما كان يفعل دائماً، وفيما يبدو، فقد إنغلق تماماً الأفق السياسي أمامه برضو، وأكبر دليل علي ذلك هو التغييرات التي أجراها قبل أيام في قيادة الجيش، ورئاسة المؤتمر الوطني، ثم إكتمل مسلسل الإحباط، والإنسداد واللا مبالاة بإعلان الدكتور إيلا لحكومته الجديدة-القديمة أمس (لتتِم الخياطة بالحرير) !!

فقبل أيام -وكما هو معلوم- فوَّض السيد رئيس الجمهورية كلَّ صلاحياته، كرئيسٍ للمؤتمر الوطني، إلي مولانا أحمد محمد هرون..وكان ذلك معناه أنّ مولانا أحمد هرون أصبح هو الرئيس الفعلي للمؤتمر الوطني، وهو الحزب الحاكم في البلاد، بكل ما يمثِّل ذلك من واجهة سياسية للبلد..

ومولانا أحمد هرون، كما هو معروف أيضاً، مطلوبٌ لمحكمة الجنايات الدولية منذ العام ٢٠٠٥م، مثله مثل الرئيس البشير نفسه، ولذات تُهم الإبادة الجماعية، لكونه كان وزيرَ دولة بوزارة الداخلية، ومسؤولاً مباشراً عن ملف دار فور، ولقد وُجِّهت له تهمٌ مباشرة بإبادات فظيعة تمت في ذلك الوقت !!

وقبل ذلك كان الرئيس البشير قد إختار وزيرَ دفاعه الفريق أول عوض بن عوف نائباً أوّلاً له، فوق أنه يشغل منصب وزير الدفاع..وكان ذلك معناه أن عوض بن عوف، سيكون الرئيس الفعلي للسودان، في حال غياب الرئيس البشير، أياً كان هذا الغياب، أو التغييب، وبكل ما يُمثِّل ذلك كواجهة سيادية للبلد..

وعوض بن عوف هو الآخر، وإلي ما بعد العام ٢٠٠٥م، كان يشغل منصب مدير الإستخبارات العسكرية إبان مقتلة دارفور، في ذات الفترة التي صدر فيها أمرا القبض بحق الرئيس البشير ومولانا أحمد هرون، وقد جَمَّدت الإدارة الأمريكية (ممتلكاته وأرصدته) ضمن قائمةٍ فيها آخرون، لأسباب تتعلق بأدوارهم في مذابح دار فور في تلك الفترة الفظيعة !!

  • وهنا يطرأ سؤالٌ ملحٌّ جداً، وبدهي:

لماذا إختار الرئيس البشير للقيادات العسكرية، والسياسية، والسيادية للبلاد مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية، وهو قد رأي بنفسِه، وفي نفسِه، كيف أنَّ خازوق المحكمة الجنائية هذا مُعيقٌ، ومُذِلٌ، ومعطِّلٌ لمصالح البلاد، والعباد بصورةٍ غير مسبوقة؟!

التفسير البسيط الأول، والذي يتبادر للوهلة الأولى، هو أنه أراد أن يضمن جانبيْ الجيش، والمؤتمر الوطني بوضع مطلوبيْن مثله علي رأسيهما، بحيثُ لا يُعقل بعد ذلك، أن (يمچمچ)، أو يعمل أيٌّ منهما علي خلخلة، أو السماح بخلخلة النظام، لأنَّ كلاً منهما سيتضرر عندئذٍ في ذاته أشد الضرر إذا إنهار النظام، أو أُسقِط..

 

ولكن هذا الإفتراض البسيط الأول، غير المعقَّد، يصح كلياً إذا كانت مشكلة الرئيس البشير تكمُن فقط في ضمان ولاء الجيش، والمؤتمر الوطني، والأمن، والدعم السريع، وبقية الأبواب التي تأتي منها الريح، غير أن المسألة لها تشعباتها الخارجية، وإرتباطاتها بتشابكات إقليمية، ودولية يعلمها الرئيس البشير جيداً، وحاول حتي الآن جهدَه للمجاوزة بينها، واللعب علي حبالها بحذر، كأن يصادق، ويتقارب، ويداعب دولتي قطر وتركيا، مثلاً من جانب، ويعلن في ذات الوقت إستعداد (جيشه) للتضحية حتي آخر جندي في بلاد الحرمين..أو أن يبذل غايةَ الجهد في التعاون مع أمريكا، والتودد إليها، ومحاولة كسب ثقتها، وحين يمَل الإنتظار، ويبلغه السأم، وربما للمكايدة، يتجه إلي روسيا طالباً حمايتها من التغول الأمريكي، الإمبريالي علي بلاده، وهكذا !!

ولأنَّ هذه التشعبات، وبخاصةٍ تشعبات الخليج، هي التي يمكن أن يأتي منها الفرج العاجل إذا رضِيَت وإطمأنت، وهي لم تفعل حتي الآن، فيبدو أن التفسير البسيط الثاني، وهو الإنغلاق إحباطاً، والإنكفاء علي الداخل، هو ما يبدو مرجّحاً، وإحد دلائله الشكل الذي خرجت به حكومة السيد إيلا غير المحظوظ !!

فالسيد إيلا عندما إختاره الرئيس البشير ليدخل القصر رئيساً للوزراء، صحيح جاء، وفي جُعبته كثيرٌ من الخبرات الولائية في بورتسودان، وفي الجزيرة، وكثيرٌ من محبة وإعزاز الرئيس، ولكن، ولطول بقائه بالأقاليم، ما معه إلا القليل من المعارف (غير المعاصرة) لما يجري آخيراً في دهاليز، وألاعيب السياسة في الخرطوم..ثم أنه جاء وصديقه الذي إختاره لرئاسة الوزارة منازعٌ، وغير متوافَقٍ عليه داخل حزبه، وجماعات الإسلامويبن لزمت الصمت، ولم تعد تردد التكبير والتهليل معه مساندةً في أزمته، وتركته يقاتل وحده، في وقتٍ بلغت الأزمة الإقتصادية فيه مبلغاً أقل أوصافه أنها خانقة، وقد أُستُنفذت كل المبادرات من أجل حلِّها، بحيث لم يعد لمؤسسة الرئاسة ما يمكن أن تقدمه!!

وفي وضعٍ كهذا، فإن إختيارات الرئيس للوزراء، وهو يعاون صديقه إيلا، لن تكون خيراً من إختيارات الثلاثين سنةً الماضية التي كانت نتيجتها الوضع المتردي الراهن !!

لقد أصبحت دائرة إختيارات، وثقة الرئيس محدودةً جداً حتي أنه لم يعُد ممكناً له فعل شئ سوي التكرار.. وبهذا الفهم فالدكتور إيلا غير محظوظ، وبلادنا غير محظوظة، والشعب غير محظوظ، لأن السيد إيلا لم يجد -برغمِ مساعدة الرئيس له- ما يُمكن أن (تُبني به قُطيةٌ جديدة سوي تشليع القطية القديمة، والإستفادة من قشِّها في صُنع القطية الجديدة)!!

وتظل البلادُ مقفولةً، ومنكفئةً، بإنتظار ما تأتي به السماء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى