أعمدة ومقالات

رد فعل وسائل الإعلام البريطانية على هجوم كرايستجيرج (نيوزيلندا) يكرِّس نظرية تفوق الجنس الأبيض

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

أمل الباقر العفيف

مقدمة المجلة

بعد أربعة أيام من الهجوم الإرهابي على مسجد بمدينة كرايستجيرج، نيوزيلندا، تكتب محررة المجلة Vogue أمل مختار متأملة في المأساة، وهي تدين وسائل الإعلام البريطانية في فشلها في إدانة نظرية تفوق الجنس الأبيض.

المقال

بالجمعة الماضية حدثت مجزرة تقشعر لها الأبدان في مسجد بمدينة كرايستجيرج، Christchurch بنيوزيلنده، سلب فيه رجل أبيض، يعلن بنفسه عن عنصريته، حياة أكثر من خمسين شخصا من المسلمين، بينهم طفلان، وجرح العشرات- هاجمهم بينما هم في حرمة صلاتهم.

تجمع الناس بالعشرات والمئات في طول البلاد وعرضها في تظاهرات عظيمة من التضامن. نظموا الوقفات العاطفية وكتبوا الرسائل، وأوقدوا الشموع، ووضعوا الزهور، ورقصوا رقصات الهاكا التقليدية لقبائل الماوري، the traditional Māori haka dance لمد يد القربى الثقافية. رئيسة الوزراء جاسيندا أردرن Jacinda Ardern قدمت نموذجا لقادة العالم عندما حزنت مع مواطنيها، وحضنت المتأثرين بالهجوم، وتماهت معهم بلبسها للحجاب. لقد تدفق الحزن في كل العالم ورجع صداه عندما قدمت الشعوب عزاءها للضحايا وأكدت إدانتها للهجوم.

ولكن الصحف البريطانية أبدت حالة من الفصام المعرفيcognitive dissonance بعرضها لحياة الإرهابي قصة بعد قصة بما يمكن أن يُقرَأ وكأنه سيرة ذاتية لقديس. خرجت جريدة الميرور The Mirror بمانشيت يُقْرَأ كالآتي: “طفل كالملاك ينمو ليتحول إلى يميني متطرف شرير وقاتل جماعي”. وجريدة الميل الإلكترونيةThe Mail Online وصفت كيف “تحول طفل أشقر صغير إلى يميني متطرف وقاتل جماعي”. أما جريدة التلغرافThe Telegraph فقد نشرت بروفايل عن القاتل بافتتاحية تقرأ: “الطفل الأشقر ذو العيون الزرقاء، الذي يمسك به أبوه بإحكام وحب، يبدو صورة للبراءة”. ما علاقة لون الشعر والعيون بالفضيلة؟! إن وصف قاتل جماعي عنصري باستخدام لغة مُحَلّاة بالسُّكَّر، مثل “طفل أشقر صغير” و “ملائكي” و “طفل أشقر ذو عيون زرقاء”، و”صورة للبراءة”، إنما تؤنب الفاعل بينما تؤجج أيديولوجيته. إنه نقد فاتر، بنصف قلب- فبدل إدانة أيديولوجية استعلاء البيض العنصرية، white supremacy إدانة قاطعة وكاملة لا تقبل الجدل، أو القسمة على أثنين، والتي كنا نتوقعها من تلك الجرائد، فإن معادلتها لشعر القاتل الأشقر وعيونه الزرقاء بالخير الفطري المودع في النفس البشرية، إنما تؤكد تلك الأيدولوجية.

الشهر الماضي أثار الممثل ليام نيسونLiam Neeson ضجة عندما قال “إنه يبحث عن أي رجل أسود ليقتله” وذلك في ردة فعل على الأنباء التي تتحدث عن تعرض صديقته للاغتصاب، وكأنما السواد هنا هو سبب الجريمة. إن اللغة التجميلية التي استخدمتها هذه الصحف هي سالب الصورة (العفريتة) لحديث الممثل ليام.

بينما تقع على المسلمين والسود الأبرياء مسؤولية كل الجرائم التي يرتكبها فرد منهم، نجد أن الرجال البيض مهما ارتكبوا من جرائم فظيعة إلا أنهم يُعرَضُون، بطريقة ممنهجة لدرجة الملل، كأبرياء في جوهرهم.

الديلي ميل The Daily Mail تحدثت عن أن التحرش به أثناء الطفولة هو السبب في انحرافه، بينما ألقت شبيهتها الأسترالية اللوم على ألعاب الفيديو العنيفة، بينما وجدت التايمز The Times في طوله سببا جذريا للهجوم – كل هذه الأسباب اعتُبِرت أكثر تهديدا من الأيديولوجية العنصرية التي كتبها القاتل نفسه في ٧٣ صفحة وعزا هجومه لها.

ولكن الاعتراف بأن سبب المشكلة هو أيديولوجية الاستعلاء الأبيض سيستدعي بالضرورة فحص المعتقدات الأساسية التي تعكسها صفحات هذه الصحف نفسها.

رئيسة الوزراء جاسندا أردرن اتخذت اجراءات مباشرة لتمنع حدوث مآسي مشابهة وذلك بمراجعة القوانين المنظمة لتملك الأسلحة في أقل من أربعة وعشرين ساعة من الجريمة. بالأمس افتتحت اجتماعها بعبارة “السلام عليكم” العربية، ثم أعلنت رفضها لنطق اسم القاتل. فقد قالت بصورة مطلقة: “إنه إرهابي. إنه مجرم. إنه متطرف. ولكنه، عندما أتكلم عنه، يصير شخصا نكرة بلا اسم. وللآخرين أقول، إني أناشدكم أن تذكروا أسماء الضحايا الذين راحوا بدل ذكر اسم الذي سلبهم حياتهم. ربما يكون سَعَى للشهرة عن طريق السمعة السيئة، notoriety ولكننا في نيوزيلندا لن نعطه من ذلك شيئا، لا ولا حتى اسمه”.

إن الحملات التي تركز على منع هجمات مشابهة مثل حملة “لا تسميهم” Don’t Name Them’ وحملة “لا شهرة عن طريق السمعة السيئة” ‘No Notoriety’, طالبت الناس بعدم ذكر أسماء القتلة، وعدم نشر صورهم، حتى تحرمهم بؤرة الضوء التي يسعون إليها. بيد أن الصحف البريطانية هذه، لم تحتفِ بالقاتل وحسب، بل سعت للتبرير له، تأسيسا على خلفية درامية، لتجعله جديرا بالتعاطف من ناحية، ولترسمه كاستثناء منفصل عن نسبه التاريخي العنصري وعن المجموعات النشطة الحالية من ناحية أخرى.

لما أصبح أمر التهديد المباشر لأيديولوجية الاستعلاء الأبيض ثابتا من القصة ذاتها، فإن ادعاء الجهل بالآثار المترتبة على إعادة قِيَمِها يصبح قريبا من المستحيل. قال وزير الأمن، بن والاس، إن هجوما مشابها يمكن أن يقع هنا في بريطانيا نسبة لتزايد التهديد من نمو اليمين المتطرف”. فلكي ما نمضي للأمام علينا حذو نموذج رئيسة الوزراء جاسندا أردرن وذلك بالتعامل المباشر مع البؤر الثقافية العمياء the cultural blind spots التي تتواطأ مع جرائم الكراهية، مع البدء بتحميل الرُسُل مسؤوليتهم. إننا ننظر للسياسيين والإعلاميين أن يكونوا القادة الفكريين و البوصلة الأخلاقية للبلاد. وليس سرا أن خطاب الاستعلاء الأبيض، والإسلاموفوبيا، والخطاب المعادي للمهاجرين قد جرى تطبيعه بسرعة خلال هذا العقد. وبالأمس فقط وُجِد أن عشرين سياسيا من حزب المحافظين قد كتبوا كتابات ضد الاسلام في صفحاتهم في منابر التواصل الاجتماعي (السوشال ميديا).

عندما يشير الإرهابي بنفسه للرئيس الأمريكي باعتباره ملهمه الأسمى، فإنه ليس هناك أي مساحة لتصديق ادعاءات القادة السياسيين بالجهل بآثار خطابهم. لا يمكن لأصحاب المنصات الإعلامية أو أولئك الذين يشغلون مراكز السلطة أن يدينوا مثل هذه الجرائم العنيفة بينما هم في حقيقة الأمر مؤلفوها الخفيون ghost-writers الذين يكتبونها في رؤوس القتلة. لابد من أن نحاسب القادة بمعايير عالية وبالذات على تواطؤ خطابهم. لقد أثبتت جاسندا أردرن أن الأوطان الآمنة يمكن بناؤها في يوم، فما الذي يمنعنا على أن نحذو حذوها.

أصل المقال بالإنجليزية على الرابط:

https://bit.ly/2OssMIr

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى