أعمدة ومقالات

الكليبتوقراطية وأنموذجها الإنقاذي

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

د. النور حمد

لا تترد كلمة “الكليبتوقراطية” في الفضاء المعرفي العام، إلا نادرا. فوجودها غالبًا ما ينحصر في الأوساط الأكاديمية، أو في مجال الصحافة المتخصصة، التي تتناول شؤون السياسة والاقتصاد. وكلمة، “كليبتوقراطية”، شأنها شأن كثير من كلمات اللغات الأوروبية، تعود إلى أصلٍ إغريقي، قديم، وتعني السرقة المرتبطة بالوجود في السلطة. تُعرِّف العلوم السياسية، المعاصرة، الحكومة الكليبتوقراطية، بأنها تلك التي يستغل فيها الممسكون بالسلطة، الموارد القومية عن طريق السرقة. ويقول جوشوا شاراب، وكريستيان هارم، في ورقتهما العلمية المعنونة، “الفساد المؤسسي والدولة الكليبتوقراطية”، إن أنماط الفساد مدغمةٌ أصلاً، في طبيعة الهياكل السياسية. ولذلك، فإن الفساد فعلٌ ممنهجٌ ومُخططٌ له، وليس ممارسةً لا مركزيًةً عارضًةً، تحدث بالصدفة. ففي أي وضع اقتصادي تعوزه القوانين وحقوق الملكية، يمكن أن تنشأ الدولة الكليبتوقراطية، كتراتبية مفترسة، تنطلق من حالةٍ يمكن أن نسميها فوضى صرفة. فالحاكم الديكتاتور، غالبًا ما ينحو بهدف تقليل احتمال حدوث انقلاب قصرٍ يقوض حكمه، إلى خلق نظامٍ من الرعاية لترسيخ الولاء، يجري فيه استخدام بنيةٍ بيروقراطيةٍ فاسدة. وتعتمد أنماط الفساد، التي تتسم بطبيعة تنافسية بين الفاسدين، بوجود فوضى مسيطرة، أو ديكتاتوريين ضعيفين. أما الدكتاتوريون الأقوياء فإنهم غالبًا ما يطبقون نظامًا للفساد يتسم بالاحتكار. وتواجه جهود القطاع العام للقيام بالإصلاح، مقاومةً، شرسةً، في سائر الأقطار التي يوجد بها هذا النوع من الأنظمة.

على غير ما يظن كثيرون، فإن الكليبتوقراطية ليست سمةً حصريةً للأنظمة الديكتاتورية؛ كلِّها، أو بعضها. إذ من الممكن أن تظهر الكليبتوقراطية، بصورةٍ من الصور، في ممارسات الدول الديمقراطية. غير أن النظم الديمقراطية تملك الضوابط المحاسبية، والقضاء المستقل، والصحافة الحرة، التي تضيق الخناق عليها. وعلى سبيل المثال، نشرت الصحافة الأمريكية مقالاتٍ تتهم الرئيس دونالد ترمب بالسير بالدولة الأمريكية في وجهةٍ كليبتوقراطية. ولابد من التنبيه هنا، إلى أن الكليبتوقراطية لا تكون، دائمًا، مخالفةً للقوانين، لأن الأقوياء الممسكون بناصيتي السلطة والمال، هم من يكتبون القوانين، فيغيرونها بما يسمح بهذا التحول، بصورةٍ من الصور. وضربت المقالات مثلا بأن اتجاه ترمب لتقليل الضرائب للقلة الثرية، من أصحاب المؤسسات الاقتصادية الضخمة، يمثل سيرًا في المنحى الكليبتوقراطي. فنواب الكونغرس، ومجلس الشيوخ، تحيط بهم لوبيَّات، تدفعهم بمختلف الإغراءات، إلى خدمة القلة من الأثرياء على حساب سواد الناس، الذين انتخبوهم.

تقول ناتالي دفي، ونيت سبلي، في مقالٍ لهما في صحيفة الواشنطن بوست، إنه لا يوجد قطرٌ خالٍ من الفساد، ولكن هذا لا يمنحنا الحق في أن نصف كل حكومة، أو دولة، بأنها كليبتوقراطية. فالكليبتوقراطية، أو “الحكم بواسطة اللصوص”، يتجسد عندما تبدأ النخب في قطرٍ ما، بسرقة المال العام، بصورةِ ممنهجةٍ، واسعةِ النطاق. يقول الكاتبان، أيضًا، إن المسؤولين، الذين ينخرطون في نهب الأموال العامة، عادةً ما يفعلون ذلك في المجالات الاقتصادية الحيوية؛ كقطاعات البنوك والموارد الطبيعية. وهم يصلون بسرقاتهم، في نهاية الشوط إلى مراكمة ثرواتٍ شخصيةٍ، لا يمكن تخيُّل حجمها. وأورد الكاتبان ما كتبته أستاذة العلوم السياسية، كارين داويشا، التي تقول، إن الكليبتوقراطيين يحيلون المخاطر الاقتصادية المترتبة على أفعالهم الشريرة، على الشعب، في حين يخصون أنفسهم بالأرباح. ولضرب أمثلةٍ للأنظمة الكليبتوقراطية، أوردت كاترين داويشا، نماذج، الأوليغارك الروس، تحت قبضة فلاديمير بوتين، والحزب الشيوعي الصيني المنداح باستمرار، ودولة جنوب السودان التي أفشلها العنف. ويضع كُّتَّابٌ آخرون، تركيا وفينزويلا في سلة الأنظمة الكليبتوقراطية، أيضا.

يقول توبياس ستون، إن الكليبتوقراطيون يستخدمون الخطاب القومي والشعبوي، ليحتفظوا بالقاعدة الداعمة لهم، وسط الجمهور، وذلك لأنهم لا يستطيعون أن يعتمدوا على ما ينجزونه من تقدم اقتصادي ليكسبوا أصوات الناخبين. لذلك، نجدهم يلقون باللائمة في فشلهم، على حكومات خارجية، وعلى متآمرين، وعلى المهاجرين، ليبرروا ما نتج، في حقيقة الأمر، من سرقتهم، بالجملة، لمقدرات البلاد. كما يلومون، على فشلهم، ما يصفونه بالصحافة المتحيزة، والدعاية الخارجية، و”أعداء الشعب”، خاصة عندما تكشف الصحافة ألاعيبهم.

وفي أثناء ذلك يسعون لطمس الحقائق باستخدام الإعلام الذي يسيطرون عليه. وفي هذه الدوامة من الهجوم والهجوم المضاد، يواصل الاقتصاد تدهوره، بصورة تدريجية وتصطدم المشاكل الاجتماعية التي نتجت عن السياسات الكليبتوقراطية، بتقلص الخدمات العامة، التي تصبح غير قادرةٍ على التصدي للمشاكل المتفاقمة. ويواصل توبياس ستون قائلاً إن القادة الكليبتوقراطيين يصبحون سجناء داخل دائرة هي من صنع أنفسهم. فهم كلما راكموا الثروات، كلما ازدادت حياة الشعب بؤًسا، ومن ثم، كلما أضحوا مضطرين لاتخاذ إجراءات أشد قسوة لحفظ الأمن والنظام والسلطة، فيزداد الصرف من أجل إحكام القبضة الأمنية. في هذا المسار، يصبح الحاكمون فاحشي الثراء، في حين يصبح الناس، من حولهم، في غاية الفقر، وفي حالةٍ شديدةٍ من الغضب. يجعل هذا الوضع، احتمال فقد هؤلاء الحاكمين للسلطة، فقدًا لثرواتهم، وربما لحيواتهم، أيضا. ويمكن القول، بناءً على توصيف هذه الحالة من الاحتقان الشديد، إن الخروج من قبضة الدولة الكليبتوقراطية القائمة الآن، في السودان، يحتاج حكمةً كبيرةً، وأناةً، وخطةً مدروسةً، مفصلةً، وإلا، فإنه سيقود إلى أوضاعٍ بالغة المأساوية.

كليبتوقراطية الإنقاذ

تشكلت كليبتوقراطية حكم الانقاذ الحالي على مراحل. فقد كانت فكرة التمكين، التي رسمها الشيخ حسن الترابي، منذ بداية العشرية الأولى للإنقاذ، (1989-1999)، هي ضربة البداية، في هذا المسار الزلق. وما كان، أصلاً، لتلك الفكرة المنطلقة من نزعةٍ ديكتاتوريةٍ مفرطةٍ، إلا أن تسوق الدولة لتصبح دولةً كليبتوقراطيةً، مكتملة الأركان. فالتمكين كان، منذ البداية، تحويلاً لما هو مملوك للشعب، على الشيوع، أو ما يفترض أن يكون كذلك، ليصبح مملوكًا لفئةٍ صغيرةٍ، اختطفت الدولة. ولا نتهم الدكتور الترابي بأنه نوى أصلاً تحويل أموال الدولة لصالح جماعته، لكي يحققوا ثراءً شخصيًا، ولا شيء غير ذلك. فهو، فيما أحسب، كان يريد لجماعته أن تقوى اقتصاديًا، فيقود ذلك إلى ترسيخ السلطة في أيديهم، ليستخدموها في خدمة الصالح العام، وفق ما كان يرى. غير أن الأمور لم تسر في الوجهة التي تصورها، وقد أقر هو بذلك لقناة الجزيرة. لم تسر الأمور كما أراد الترابي، لأن الفكرة، أصلاً، كانت خاطئةً، وحالمةً، ومراوغةً، وإن حفها حسن النية. فقوانين أي دولة محروسة بالقوانين، لا تسمح، بحكم بنيتها، بمثل هذا النوع من الاحتكار الذي يأتي من انحصار السلطة والثورة في يدٍ واحدةٍ، في ظلِّ نظامٍ شمولي. ولذلك، من أجل أن يتحقق، للترابي وجماعته، “التمكين”، كما خططوا له، كان لابد من التغاضي عن قوانين الخدمة المدنية القائمة، إما بتجاوزها أو بتبديلها لتخدم الغرض الجديد. وكان لابد من تدجين القضاء وكل المنظومة العدلية، واستتباعها. كان لابد من تذويب حكم القانون، ومنع الاعتراض على الاجراءات الحكومية، باستخدام إرهاب الدولة، وتشديد القبضة الأمنية، وتكميم أفواه الصحفيين، وذر الرماد في عيون العامة بالخطاب الوطني والديني، الملتهب.

مع تقدم السير، في هذا المسار، أفرز “التمكين” ما سُمي “التجنيب”، الذي أضعف دور بنك السودان، ودور وزارة المالية، حتى تحولت إلى مجرد أبنية عليها لافتات. فالعمليات الاقتصادية أصبحت تدور في إطارين مختلفين تمثلهما دولةٌ قديمةٌ، يجري تفريغها من الداخل، باستمرار، لصالح دولةٍ موازيةٍ، هي دول التنظيم الإسلامي، والحزب، ومجموعة المصالح المختلفة، التي تضم القوى العسكرية والأمنية والمدنية المتحالفة مع النظام. في ظل التمكين، وفقدان الرقابة، بيعت المؤسسات العامة لصالح الأفراد، ومنحت الأراضي بعقودٍ غامضةٍ للأجانب، ولم يستشر الشعب في كل ذلك. فالسلطة التشريعية التي من المفترض أن تعمل لحماية مصالح الشعب، سلطةٌ افرزتها انتخاباتٍ مزورةٍ، وجاء قسمٌ منها بالتعيين. وهي، بحكم بنيتها تلك، شريكٌ، أصيل في منافع الحالة الكليبتوقراطية القائمة. وهكذا استمرت الدولة الموازية في تفريغ الدولة الأصلية، من الداخل، حتى وصلت الأخيرة، إلى حالة الإفلاس الكامل التي نراها عليها الآن.

آيلا وتحدي الدولة المنهوبة

لم تنتبه الانقاذ لخطر الدولة الموازية، إلا بعد أن وقعت الفأس على الرأس، واكتمل إفلاس الدولة الأصلية التي أحاطت بها الأزمات من كل صوب. فالإنقاذ، المكونة من بؤرٍ متصارعةٍ، ركنت إلى حالة الأمن الطويلة التي بقيت حليفةً لها، طوال الثلاثة عقود المنصرمة. غير أن الفترة الأخيرة شهدت تزامنًا لشح العملة مع شحٍّ في السلع الضرورية، واشتدادٍ لوطأة الغلاء، إضافةً إلى الحراك الشعبي غير المسبوق. نبه هذا الخليط المركب من المخاطر مركز السلطة للمكائد الداخلية، المتمثلة في “الحفر”، المنبثق من داخل بنية النظام، لإضعاف موقف الرئيس، والضغط عليه لإثنائه عن التقدم للترشيح من جديد. هكذا أصبح مركز السلطة مكشوفًا، وأصبح، في ذات الوقت، مستهدفًا من داخل بنية السلطة، ومن الشعب، ومن القوى الإقليمية والدولية. وهذا في تقديري هو ما جعل الرئيس يبتعد، وبصورةٍ مفاجئةٍ، عن المؤتمر الوطني. وهو، أيضًا، ما أتى بمحمد طاهر آيلا وأحمد هارون، إلى مركز السلطة. وهو ما أتي، أيضًا، بوزراء، اقتضت المرحلة أن تكون أهم مواصفاتهم، أنهم لا يقدمون ولا يؤخرون.

يحاول نظام الحكم الآن، فيما وضح، مما يقوم به رئيس الوزراء الجديد، محمد طاهر آيلا، أن يعيد للدولة الأصلية، ما سلبته منها الدولة الموازية، لإنقاذ ما تبقى من النظام. ويمكن تلخيص ما يجري الآن بأنه محاولة للتضحية بشقٍّ من الدولة الكليبتوقراطية، عسى أن يضعف ذلك الاحتجاجات، ويجلب شيئًا من الرضا الشعبي، عسى أن يصبح من الممكن، الاحتفاظ بالشق الآخر المتبقي من الدولة الكليبتوقراطية. غير أن ذلك لن يجدي. يقول لاري داياموند، من مؤسسة هوفر، إن أحد أفضل الطرق لمحاربة الكليبتوقراطية، هو المأسسة لديمقراطيةٍ حقيقيةٍ، يستطيع الشعب عن طريقها القذف بالحكام الفاسدين بعيًدا عن مكاتب الدولة. ويستطيع فيها النظام القضائي، أيضًا، التصرف باستقلاليةٍ تامةٍ، تمكنه من ملاحقة المسئولين الذين محوا الخط الفاصل بين الصالح العام، والجشع الشخصي. غير أن ما يقوله داياموند، ربما يمثل نهاية سيرورة تفكيك الدولة الكليبتوقراطية، في سياقات، أخرى، متقدمة، تقل فيها النعرات الطائفية والقبلية، والجهوية. أما وضعنا السوداني، بتعقيداته، وبلوغه هذا الطور المتأخر، فهو يقتضي، فيما أرى، فترةً انتقاليةً طويلةً، يُعاد فيها تأهيل الدولة، وتأهيل العاملين فيها، وتستعاد فيها الحريات العامة، وتعود فيها للقضاء استقلاليته. فبغير فترةٍ انتقاليةٍ طويلةٍ، موصَّفةً توصيفًا دقيقًا، تقودها حكومةٌ لا حزبية، لن تصبح مأسسة الديمقراطية ممكنةً. وسنعود، كرَّةً أخرى، ندور في الفلك القديم، في ظل أوضاعٍ أكثر بؤسا.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى