تقارير وتحقيقات

هل هؤلاء الرجال وطني؟

صحافيون صفقوا للناطق باسم المجلس بعد حديثه عن الدفاع الشعبي والبشير

التغيير: شوقي عبد العظيم

يوما بعد يوم، تتكشف حقيقة المجلس العسكري الانتقالي، وبالمقابل، يتضاعف حنق المواطن السوداني، و غضبه تجاه الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، و منذ أن أذاع الفريق أول عوض بن عوف بيان اقتلاع البشير، يقع المجلس العسكري في اخطاء، تؤكد أن لا جريمة مكتملة الأركان تحت الشمس، وفي أول مؤتمر صحفي سعى رئيس اللجنة السياسية عمر زين العابدين لنفي ارتباطهم كعسكريين بتنظيم المؤتمر الوطني، وأغلظ في القسم على أن لا علاقة لهم به،  وأنهم وطنيون فقط، ولكنه عاد وكشف أنهم لن يفككوا مليشيات المؤتمر الوطني ” الدفاع الشعبي”، لجهة أنها ساهمت في أمن السودان على حد قوله، الأمر الذي أصاب الصحفيين – من غير جماعة الوطني – بالحيرة والاندهاش، إلا أن النقطة الجوهرية التي فشل في تمريرها عمر الجديد تتعلق بمستقبل الوطني نفسه، وأول بوادر هذا الفشل عندما سئل عن المعتقلين من قيادات النظام البائد أو يفترض أنه كذلك، تلعثم اللواء في الإجابة، ثم تذرع بأن هذه المعلومة من اختصاص اللجنة الأمنية، ثم وعد بأن قائمة بأسماء المعتقلين وأماكن اعتقالهم ستصل الصحفيين، ولكنهم لم يفعلوا حتى هذه اللحظة، ثم وجد عمر الجديد نفسه يعترف بأن لا نية لهم في تصفية المؤتمر الوطني واقتلاع أموال الشعب التي قمع بها الشعب وفرقها على عضويته، واتجه إلى الكلام الفضفاض الذي تستوي فيه الحسنة والسيئة وقال ردا على محاكمة اعضاء المؤتمر الوطني على ما اقترفوه ” سنحاسب كل من يثبت تورطه في الفساد” وبعد أن توالت الأسئلة، تبين أمر آخر أن أولوية زين العابدين ورئيسه وقتها عوض ابن عوف فض المعتصمين، وهنا عاد يتحدث باللغة القديمة، أو بشكل أدق باللغة التي كان من المفترض أنها سقطت قبل ساعات، وأكد أنهم سيستخدمون الحسم في فض المعتصمين عن الطرق التي يسدونها حفاظا على السلامة العامة، وقال ” اتظاهر اطلع في الشارع بنسمح ليك لكن ما بنسمح بالفوضى” هنا صفق صحفيو المؤتمر الوطني وآخرون تصفيقا حارا ، وسنعود لهذه الصفقة ولكن من هو عمر الجديد .

خلال المؤتمر سألنا عن سيرة عمر، مؤشر البحث العظيم قوقيل أجاد بالقليل، ولكنه كان مفتاحا للكثير، وجاء أنه نائب مدير التصنيع الحربي، وأنه يعاني اصابة في شقه الأيمن، ثم ظهرت عدد من الصور تجمعه مع الرئيس البشير، وأخرى يلوح في حشد من الناس، ولما استقصينا من العالمين ببواطن الأمور قالوا أنه أحد أهم الضباط في تنظيم الإسلاميين بالجيش، وعرف بمقدرات ذهنية عالية، وهو شديد الإعجاب بالشيخ حسن الترابي، ولا يستنكف في تقليد طريقة حديثه، وأكد أحد العالمين ببواطن الأمور أنه وفيا للمؤتمر الوطني، لذا تولى منصبا رفيعا في التصنيع الحربي، نائبا لمحمد حسن عبد الله ، شقيق الإسلامي النافذ والمعروف اسامة عبد الله، والتصنيع الحربي هو أحد المرافق التي ظلت تتبع للرئيس السابق عمر البشير مباشرة، ولا يعين فيها إلا خاصته المرضي عنهم، و قطعا التصنيع الحربي يعد من المواقع الاستراتيجية الحساسة ولن تتوظف فيه وتأخذ منصبا قياديا أن لم تكن قياديا مستعدا للتضحية من أجل التنظيم والجماعة، وعمر زين العابدين بحسب ما توفر من معلومات من الإسلاميين أعضاء المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية الخلص.

بعد ساعات من بيان الإطاحة بالبشير، عادت الحشود مرة أخرى تتدفق في شوارع الخرطوم ، وفي عدد من الولايات، لا احتفلا بسقوط البشير كما فعلت بالصباح ولكن للإطاحة بابن عوف، ومجلسه، احساس الخديعة و محاولات الالتفاف على الثورة ،جعل الحشود المطالبة برحيل ابن عوف اضعاف التي طالبت برحيل البشير، لذا قبل أن تحقق هدفها حققت رسالة بليغة مفادها أننا يمكن أن نعود في أي وقت، وأن المؤتمر الوطني لم يعد أهلا للثقة، هنا كان لابد من إعادة رسم المشهد من جديد، ولكن بكلفة اغلى ثمنا هذه المرة، وبعد ساعات ظهر ابن عوف يذيع بيانه الثاني، والمفارقة خصصه لإعلان تنحيه هو ونائبه كمال عبد المعروف، وأعلن عن اسم جديد وهو الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقبل نرى كيف هو البرهان، نشير إلى أن كلاهما ابن عوف وكمال عبد المعروف من تنظيم الإسلاميين في القوات المسلحة، والأول كان نائب البشير ووزير دفاعه، وظل مدللا داخل القوات المسلحة، وأعيد للخدمة بأمر من البشير، وحال سألت عن كمال عبد المعروف سيقولوا لك من “الايديولوجيين” أي من أصحاب الموقف العقدي من حركة الأخوان المسلمين والمؤمنين بها إيمانا قاطعا، وتردد اسمه ضمن مجموعة (ود ابراهيم) الشهيرة بعد محاولاتها الانقلاب على البشير وإعادة الانقاذ إلى محطة التأسيس والحركة الاسلامية، ولكنه لم يخضع للتحقيق، واسند له مهمة تحرير هجليج، والنجاح في تحريرها وفر له احتراما وسط ضباط الجيش وجنوده.

بعد انتظار طال نوعا ما، ذاع الفريق أول عبد الفتاح البرهان بيانا على الناس، هلل له المعتصمون انتصارا جديدا، وتجلى أن العقل المفكر وعى الدرس، و اجتهد في اختيار الرجل  و كتابة الخطاب، البرهان قالوا أنه ” تعليم كبار” و هو لقب يطلق على من انضم لصفوف التنظيم متأخرا، أي تم تجنيده لخدمة مصالح تنظيم الاسلاميين في الجيش، أو رضخ للإسلاميين ليعيش وليس اسلاميا اصيلا، تربطه بقائد قوات الدعم السريع صلات منذ أن كان قائدا في المنطقة الغربية وأشرف على ترتيب سفر قوات الدعم السريع إلى اليمن في عام 2015، أما خطابه فحوى كثيرا من هتاف المعتصمين أمام القيادة و مطالب تجمع المهنيين وقوى إعلان الحرية و التغيير، إلا أنها تظل في قائمة الوعود .

بعد ساعات من إعلان المجلس العسكري الانتقالي برئاسة عوض بن عوف، أعلن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي،اعتذاره عن المشاركة في المجلس، ولم يكتفي بالاعتذار، وطالب المجلس بتنفيذ مطالب الثوار، وأن ينتهي الأمر لدى حكومة مدنية خلال فترة لا تتعدى ستة أشهر، هذا الموقف لم يكن الأول للرجل في دعم المواطنين ومساندتهم، ويحسب له أنه أول من اعترف بالأزمة وطالب المسؤولين في الدولة بضرورة الاهتمام بحياة الناس ومحاسبة المفسدين، ولم يتردد في وصف سياسات الحكومة بالفشل، وأعلن أكثر من مرة أنهم لا نية لهم ضرب الشعب السوداني واستخدام العنف ضده، وآخرها البيان الذي صدر عنه قبل أيام معدودة من تنحي البشير، وحميدتي عرف بأنه قريب من البشير وأنه سيقوم على حمايته حتى اللحظة الأخيرة، وكانت صورته في أذهان الشعب أنه عنيف و دموي، ويهمه بقاء نظام البشير أكثر من أي شيء، إلا أن صورته في  اذهان الشعب تبدلت، وبات هو حامي الثورة وضامن سلامة المتظاهرين، إلا أن سر قدرة الرجل الفائقة على التحرك هنا وهناك، تعود بحسب محللين إلى أنه لا يرتهن إلى موقف جماعي، تفرضه أي مجموعة، ولكن يتحرك حسب بوصلة مصالحه الخاصة، الأمر الذي يجعل موقفه في المجلس خطر على كثير من الأطراف وفي مقدمتها، المؤتمر الوطني الذي ظل يتفاخر بصناعة حميدتي، ولكن من المهم إلا أن الرجل هو كشاف العلاقات المستقبلية مع دول الخليج، و يكفي أن مجرد اعلان اسمه نائبا لرئيس المجلس، تدافعت الإمارات والسعودية للمباركة وتقديم المساعدات، ثم تلاهم الاتحاد الأروبي الذي تربطه مع الرجل مصالح استراتيجية.

جهاز الأمن تعرض لرفض مستحق من الثوار، موازيا بقدر كبير للعنف الذي تعامل به مع الشعب طوال الثلاثين سنة الماضية، عنفٌ وقمعٌ واستعلاءٌ وإزهاق انفس وتجبر وتسلط، وصلاح عبد الله قوش مديره الذي اطاح به الاعتصام في من أطاح، كان يأمل في أن يبقى في المشهد، ضمن المجلس العسكري الانتقالي، الذي من الواضح أن قيادات المؤتمر الوطني تعول عليه كثيرا في حماية مستقبلها بعد خسارة حاضرها، ولما تأكد قوش بأن بقاءه مستحيل، تنازل، إلا أنه أراد أن يؤمن موقفه برجل يثق في ولائه له و الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، ولم يكن هناك أفضل من الفريق جلال الدين الشيخ، نائبه حتى اللحظة الأخيرة، وعندما كانت عصي أفراد الأمن تزهق الأرواح، وتكسر العظم، وتلهب الظهور بالضرب، و من بين ما وجدنا في سيرة الفريق جلال، أنه أحد الذين دفعت بهم الحركة الإسلامية للجيش، بعد أن درس القانون، أي أنه جاء إلى العسكرية برغبة الحركة الإسلامية، و لذا كان من أهم كوادر الاسلاميين في الجيش ومن بين الضباط الصغار وقتها الذين ساهموا بشكل رئيسي في نجاح انقلاب، و عرف بعلاقة وطيدة مع صلاح قوش، ويعد من أبناءه في جهاز الأمن، وأحيل للتقاعد فور أعفاء صلاح قوش في 2011، وأعيد فور اعادة قوش للأمن، بل كان أول من أعيد للخدمة، وفي منصب نائب رئيس الجهاز، وبسبب انتمائه وإخلاصه لمشروع الاسلاميين، وتفانيه في خدمته لم يستغنى عنه بعد اعفائه من جهاز الأمن في اعقاب صلاح ولكن تم تعيينه واليا في محلية جبل أولياء، وهي مناطق تربطه مع سكانها أواصر دم ومصاهرة، يقال أنه صاحب قدرات إداريه ، إلا أن أدائه في العمل الاستخباراتي وفي العمليات الميدانية متواضع، و بحسب المصدر يعد من أهم اعضاء المجلس العسكري بالنسبة للمؤتمر الوطني، ويعول عليه في تنفيذ مخطط حماية الاسلاميين و أموالهم بعد الثورة .

من مهام الشرطة فض الاحتجاجات والمظاهرات المخالفة للقانون، وهي عندما تفعل ذلك تلتزم بضوابط قانونية محددة، لذا دائما يشعر المواطن بالأمان عندما تقوم الشرطة بفض الاحتجاجات، إلا أن وقعت حادثة مقتل الشهيد عبد العظيم، وذلك الفيديو الموثق للحادثة، ويظهر في المشهد، عدد من الشباب الثوار يرشقون الشرطة بالحجارة من مسافة بعيدة، والشرطة من داخل سيارة نقل الجنود تطلق عليهم الغاز المسيل للدموع، ثم تفشل قوة الشرطة في فض الاحتجاج وبينما هي تستدير لتغادر المكان، يظهر الشهيد عبد العظيم رافعا علامة النصر ويهتف بهتاف الثورة حرية سلام وعدالة، لتطلق بندقة عليه النار وترديه قتيلا، هذه الحادثة المصورة ومقاطع الفيديو التي تظهر جنود وضباط الشرطة يقتحمون المنازل، ويعتقلون الثوار ويضربونهم بإذلال متعمد، كانت سببا في خلق فجوة عظيمة بين المواطن والشرطة وهي كانت قبل ليلة من مجيء الانقاذ شرطة مهنية محايدة، ولكن من هو مدير الشرطة الذي فعل جنوده أو من كانوا في زي جنوده مافعلوا ، أنه عضو المجلس العسكري الانتقالي ، الفريق شرطة بابكر الطيب الاسلامي المعروف بتبعيته داخل الشرطة للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، و يتهم في وسط ضباط الشرطة بأنه صاحب الدور الاكبر في إحالة ضباط الجيش للمعاش، كما أنه أحد المؤسسين لقوات الشرطة الشعبية، المليشيا التي استخدمها الاسلاميون لقمع المجتمع السوداني، وإعادت صياغته على حد قول مسؤولين كبار،غير أن الجريرة الكبرى التي اقترفها الطيب بحسب مصادر موثوقة، وأكدها بيان ضباط الشرطة المحالين للصالح العام، كانت أيام الاحتجاجات، عندما اقدم على جريمة كاملة الاركان، بتوزيعه زي الشرطة لمدنيين، من طلاب وشباب المؤتمر الوطني، وكتائب الظل التابعة له، ويقول بيان ضباط الشرطة أن بابكر الطيب عضو المجلس العسكري قام شخصيا في الايام الأولى للحراك الجماهيري بتسليم زي الشرطة لمليشيا المؤتمر الوطني، وأن ذلك حدث بمباني الشرطة الشعبية بالمقرن، وفعليا تداول الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي صورا لشباب يرتدون زي الشرطة المرقط، وينتعلون شباشب وشباطة وأحذية عادية وهذا ما لا يسمح به قانون الشرطة، ويقال أن الطيب بابكر وافق على ذلك حماية لنظام المؤتمر الوطني.

وعدنا آنفا أن نضيء بعض جوانب ” الصفقة” الداوية التي تكررت في المؤتمر الصحفي الأول للمجلس العسكري، وكان في يوم الجمعة صبيحة سقوط البشير، والصفقة في حد ذاتها ستساعد بشكل مباشر في الإجابة على السؤال المطروح هنا، و يكفي أن هؤلاء الذين الهبوا أكفهم بالتصفيق قدم لهم ضابط الأمن المعروف محمد حامد تبيدي المسؤول عن ملف  الإعلام في جهاز الأمن، و اقتصرت دعوة تبيدي على صحفيي النظام والمقربين منه والصحفيين المقربين إلى جهاز الأمن نفسه، إضافة إلى وكالات الأنباء العالمية و القنوات الفضائية الكبيرة، ولكن تبيدي لم يكتفي بدعوة الصحفيين، بعد أن تخوف بأن يكون حضورهم محدودا، لا يتماشي مع زخم من قاموا بانقلاب، فاستعان بعدد من أفراد جهاز الأمن، و اجلسهم بين الصفوف في القاعة، في حالة ” كمبارس” في مشهد درامي، بطله في تلك اللحظة عمر زين العابدين، ولما بلغ البطل ذروة المشهد وقال أنه لن يسلم الرئيس البشير للجنائية، لم يتمالك ” الكمبارس” أنفسهم وبدأوا في التصفيق، والمؤسف أن صحفيي المؤتمر الوطني جاروهم في ذلك، ليتكرر التصفيق من الكمبارس لحظة أن قال عمر أنه لن يحل الدفاع الشعبي، ولما قال أن المؤتمر الوطني سيمارس الحياة السياسية مثل غيره من الأحزاب، وصفقوا أيضا عندما قال عمر أنه سيتعامل بحسم وعزم مع المعتصمين، والمؤسف أن صحفي الوطني ظلوا يجارونهم في التصفيق الحار.

في أيام الإنقاذ الأولى، وضع أحد الضباط المشرفين على صدور صحيفة القوات المسلحة، عنوانا جريئا جاء فيه ”  هل هؤلاء الرجال جبهة”، و الرجال هم البشير ومجلس قيادة الثورة، والذين أقسموا مغلظين -كما فعل عمر زين العابدين في أول مؤتمر صحفي- بأن لا علاقة لهم بتنظيم الجبهة الاسلامية وزعيمه حسن الترابي، المادة  التي نشرت تحت عنوان الصحيفة الوحيدة في البلاد وقتها نفت وبشدة علاقة رجال مجلس الثورة بالجبهة، الضابط المشرف على الصحيفة فصل بعد أيام، ليأتي زعيم الجبهة بعد سنوات ويجيب على السؤال ” نعم هؤلاء الرجال جبهة” ويقول قولته التي سارت بها الركبان ” إذهب إلى القصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيسا”، وها نحن نسأل اليوم هل هؤلاء الرجال وطني؟

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى