أعمدة ومقالات

د. عمر القراي يكتب: فتنة عبد الحي يوسف(1-2)

(ليَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)

صدق الله العظيم
التحية للشعب السوداني البطل، الذي أسقط حكومة الإخوان المسلمين، رغم ما تشبثت به من ادعاء باطل للدين.. ولأن الاخوان المسلمين لم يقتنعوا بعد بالهزيمة الساحقة، التي حدثت لهم، أخذوا يفكرون في آخر مؤامرة، يمكن أن يقوموا بها، لإبعاد خصومهم من النظام القادم، برفع سيف الإرهاب الديني في وجههم، واستغلال المساجد لتضليل البسطاء، وتحريضهم ضد الحكومة القادمة قبل أن تأتي!! والمؤامرة التي تولى كبر فتنتها الشيخ عبد الحي يوسف، ترمي الى تجميع الجماعات الإسلامية الأخرى، مثل الوهابية، وجماعة التكفير، وحزب التحرير، وغيرها من المجموعات المتطرفة، التي كانت تضمها من قبل الجبهة القومية الإسلامية، واستغلتها حتى وصلت بها السلطة ثم ركلتها. هذه الجماعات التي كانت تدعم العهد البائد، وتمدح رموزه، تريد أن ترهب المجلس العسكري الحاضر، وتضلله بأن الشعب معها في شعاراتها، وأنه يريد الحكم وفق فهمهم الديني، حتى لا يقبل حكومة مدنية، ويستمر في حكم عسكري، يلتفون حوله، ويطالبونه بتطبيق شرع الله!! فإذا استطاعوا الضغط، بتحريك عدد كبير من المصلين، وعلت صيحاتهم بتطبيق شرع الله، يأتي الاخوان المسلمون بصورة طبيعية، باعتبارهم الداعي الأساسي لهذه الشعارات، والمدعي الأوحد للعلم بالشريعة، يساندهم الفقهاء وأئمة المساجد، وعلماء السودان، لتعود حكومة الإنقاذ، في ثوب جديد، بدعوى أنها سوف تطبق شرع الله، بعد أن حكمت ثلاثين عاماً، ولم تطبق غير البطش والقتل والفساد!!
جاء في الاخبار (خصصت اكثر من 50 مسجدا بالخرطوم، خطبة الجمعة، للهجوم على دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وشددت على التمسك بالدين والشريعة الإسلامية كمطلب لغالب الشعب السوداني).
وجاء أيضاً (وبحسب الصيحة الان قال عبد الحي في خطبة الجمعة “يا رئيس المجلس العسكري ونائبه، ويا من وليتم امر هذه البلاد، إياكم ودين الله”. وأضاف “دين الله خط أحمر والشريعة غاية الغايات لا نقبل مساسا بها ولا تعديا عليها).
والحق أن الشيخ عبد الحي ليس حريصاً على الشريعة، بدليل أن المخلوع عمر البشير، حكم حوالي ثلاثين عاماً، ولم يطبق الشريعة، ثم لم يجد من عبد الحي إلا التأييد والثناء!! فلم يقم الرئيس المخلوع نظام الخلافة الإسلامية، ولم يمنع القروض الربوية، ولم يقطع يد السارق، ولم يرجم الزاني، ولم يحقق العدل بل مارس أبشع الظلم وأوسع الفساد.. بل إنه ذكر أن ما يطبقونه ” شريعة مدغمسة” !! وبلغت هذه “الدغمسة” حداً جعل حزب الدولة المدعية للإسلام-المؤتمر الوطني، يبني داره بمنحه من الحزب الشيوعي الصيني!! والبشير إمام المسلمين، الذي أوجب عبد الحي طاعته، وحرم الخروج عليه، يستعين ببوتين الشيوعي الروسي على أمريكا!! وحين قامت الثورة السودانية، واجه شاب شجاع عبد الحي في مسجده، وطالبه بالخروج ومناصرة الثورة، والصلاة على الشهداء، كما صلى من قبل صلاة الغائب، على أسامة بن لادن!! وأصبحت عبارة الشاب ” قوم يا عبد الحي”، من أهازيج الثورة، التي يتغنى بها الشعب السوداني، وهو يمجد الشاب الثائر، ويلعن عبد الحي الخائر!!
وعبد الحي الآن لا يقود هذه الفتنة، حرصاً على الشريعة، أو غيرة على الدين، وإنما خوفاً على مصالحه الذاتية.. فهو يعلم أن الثورة ستراجع التعليم، وستطيح بمدراء الجامعات، الذين كسروا قوانينها لمصلحة الاخوان المسلمين، وأشياعهم، وحينذاك ستراجع مؤهلات عبد الحي وأمثاله، الذي عينوا أساتذة في جامعة الخرطوم، دون استيفاء شروطها، وعاثوا فيها فساداً، حتى بلغت الجرأة بعبد الحي على جهالته، أن يجعل كتابه الركيك، عن العقيدة الإسلامية، متطلباً جامعياً، يدرسه الطلاب في جميع الكليات!! وسيحاسب عبد الحي وغيره من الأساتذة، الذين نجّحوا طلاب المؤتمر الوطني، ومنحوهم شهادات جامعية، دون أن يجلسوا للامتحان بحجة أنهم كانوا يجاهدون في الجنوب!! هذه هي شريعة الكذب والفساد والتمكين التي يروج لها عبد الحي.
ومما قاله عبد الحي (والله ثم والله ما خرج السواد الأعظم من هذا الشعب كارهين لدين الله ولا خرجوا محتجين على اوامر الله، وإنما خرجوا ثائرين على أوضاع فاسدة)!! ألم تقم تلك الأوضاع الفاسدة، في نظام كان يدعو الى الشريعة، ويقول إنها خط أحمر كما تقول أنت الآن؟! فما الضمان أن هذا الفساد لا يتكرر تحت ما تدعون اليه الآن من إعادة الشريعة؟! وإذا كان معظم الثوار لا يكرهون الدين، ولا يرفضون أوامر الله، فلماذا أنت منزعج من القلة، التي لا أثر لها، والتي زعمت أنها تدعو الى العلمانية؟! إن هذه الثورة قامت ضد نظام دكتاتوري، ولهذا فهي ستحقق نظاماً ديمقراطياً، يقوم على المساواة التامة بين كل المواطنين السودانيين، رغم اختلاف أديانهم، وألوانهم، وأعراقهم، وجنسهم من ذكور وإناث.. ومن حق كل مواطن سوداني أن يدعو في بلده للفكرة التي يؤمن بها، بالحسنى، وأنت إذا كنت تعتقد أنك على حق، وأن الله ناصرك، فأدعو لفهمك بالحسنى، وأقنع به من تستطيع، ولكن لا تسعى لتحقيقه بالتعبئة، والتحريض، والاثارة، والعنف، ومحاولة كسب الحكومة الجديدة، واستغلالها في قمع من يختلف معك. فكما لك الحق في أن تدعو لفهمك من الإسلام، من حق السوداني الآخر، أن يدعو للعلمانية !!
وهذه الخمسين مسجد، التي خصصت خطبها للهجوم على الثوار، باعتبار أنهم علمانيين يحاربون الله ورسوله، لماذا لم نسمع لها، حين قال الرئيس المخلوع، أنهم قتلوا عشرة ألف من أهالي دارفور، دون ذنب؟! لماذا لم نسمع منهم خطيباً واحداً، يصف الرئيس المخلوع بالمجرم، بعد أن قامت قواته باغتصاب أكثر من مأتى امرأة سودانية، في قرية “تابت” بدارفور؟! إن سيرة أئمة المساجد، وعلماء السودان، ورجال الدين، والقضاة الشرعيين، قد كانت طوال تاريخ السودان، سيرة سيئة. فحين قاوم الشرفاء الاستعمار الإنجليزي، وسجنوا في النضال ضده من أجل الوطن، كان الفقهاء، والعلماء، والقضاة الشرعيون، وأئمة المساجد، يتقبلون هدايا الإنجليز!! فقد جاء (تعطف حضرة صاحب المعالي الحاكم العام فأنعم بالكساوي الدينية وكساوي وحزامات الشرف على العلماء والمشايخ والأعيان الآتي ذكرهم بعد، وذلك اعترافاً بخدماتهم الجليلة للحكومة)(غازيتة الحكومة السودانية العدد 798 بتاريخ 15/1/1949م). وفي العهد الوطني كانوا يتملقون الحكم العسكري الأول، حتى كان أحد كبار الأئمة المؤسسين للشؤون الدينية، يقول عن طلعت فريد (هذا الشاب يذكرني بعمر بن الخطاب)!! ويقول عن الفريق إبراهيم عبود قائد الانقلاب (الإبراهيم إبراهيمان إبراهيم الخليل وإبراهيم عبود)!! ولم نسمع بإمام مسجد، أو رجل دين، شارك في ثورة أكتوبر.. وحين أعلن جعفر نميري قوانين سبتمبر 1983م، وقطع أيدي المواطنين، رغم إعلان المجاعة، أشادوا بنظام نميري، بل سعوا لينصبوه خليفة مسلمين مدى الحياة، بل طلبوا منه أن يوصي بمن يجئ بعده، حين يتوفاه الله!! وخرجوا في المظاهرة التي نظمها الاخوان المسلمون، لدعم تلك القوانين الجائرة، على اعتبار أنها قوانين الشريعة الإسلامية.. وحين ثار الشعب السوداني على نميري، واطاح به في عام 1985م، لم يخرج أي من الفقهاء والعلماء وأئمة المساجد، في انتفاضة مارس/أبريل.. وحين جاء انقلاب البشير المخلوع، وقفوا معه، ودعموه، وصمتوا عن كل جرائمه. وحين ثار الشباب ضده، وتبعهم الشعب السوداني في ثورة ديسمبر /أبريل المجيدة، لم نر إماماً، أو فقيهاً، أو أحد علماء السودان، يشارك في المظاهرات التي استمرت لأربعة أشهر!! وهاهم يظهرون الآن، ليسيروا سيرتهم بتأييد المجلس العسكري، واستعدائه على الثوار، الذين أزاح المجلس العسكري البشير المخلوع، حماية لهم، وانحيازاً لثورتهم العظيمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى