أعمدة ومقالات

نهاية التاريخ والثورة المضادة

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

الفاضل عباس محمد علي

استقى فرانسيس فوكوياما نظرية نهاية التاريخ مما حدث في الثلاثين سنة المنصرمة من ثورات سلمية أطاحت أنظمة شمولية في اسبانيا والبرتغال ثم الغالبية العظمي من دول أمريكا اللاتينية ثم دول المنظومة الإشتراكية بشرق أوروبا، بحيث أصبح ميزان القوى لصالح الغرب تماما، وبالتحديد صار حلف الأطلنطي بلا منافس بعد انهيار الإتحاد السوفيتي ومعه حلف وارسو. فكان من رأي فوكوياما أن الحروب التى كانت تشتعل بين الدول الأوروبية ثم تتمدد لتشمل باقي الدنيا، مثل الحرب الكونية الأولى والثانية، تصرم عهدها وما عادت شبحا يهدد العالم.

ولو كتب فوكوياما مسترسلا في نظريته هذه بعد ثورة ١٩ ديسمبر السودانية لقال إن تاريخ السودان كذلك قد وصل لنهايته: بمعني نهاية عهد الحروب والدكتاتورية، وسيادة كفة الشعب الراجحة والمتحكمة في الشارع إلى الأبد. فقد توصل السودانيون من خلال نضالهم المرير ضد حكم الإخوان المسلمين إلى قوة يستحيل قهرها، وهي الإحتشاد الملياري السلمي المستطال أمام رئاسة القوات المسلحة القومية. هذا اختراع عبقري جعل الجماهير السودانية الثائرة مفعمة بالثقة في النفس، لدرجة قولهم صراحة إنهم لا يهتمون للأسماء التى سيأتي بها تنظيم قوى إعلان الحرية والتغيير، حيث أنهم يثقون في هذه القيادة تماما، ومن ناحية ثانية لأنهم جربوا ونجحوا في الإطاحة بالرئيس الذي لا يرغبون فيه. من هنا فإن التاريخ السوداني قد تناهي إلى محطته الأخيرة، وستظل كفة الشارع راجحة إلى يوم القيامة.

ولكن بعض الحادبين يتوجسون خيفة من مؤامرات الثورة المضادة، ويرون أن هنالك طابورا خامسا داخل المجلس العسكري من رموز نظام الإخوان المسلمين ما انفك متربصا للضرب من الخلف وتشتيت الاعتصام للإنقلاب على الثورة وإعادة التاريخ القهقرى للنظام الشمولي المباد، وربما تكون المخابرات المصرية متآمرة أيضا وجاهزة للمساعدة في الإنقلاب المضاد مثلما فعلت في يوليو ١٩٧١ عندما ساهمت بشكل مباشر وعضوي في إرجاع النميري لسدة الحكم بعد حركة هاشم العطا التى دامت لثلاثة أيام فقط. وما يجعل المراقبين يتشككون في  الدور المصري هو موقف الحكومة المصرية المساند للبشير حتى آخر نفس، بما في ذلك التنكيل بالمعارضين وطالبي اللجوء السودانيين حتى الأيام القليلة الماضية.

رغم كل هذه المخاطر فأنا مطمئن للثورة السودانية، ومنذ يومين ظللت مرابطا(صابنها) أنا وشقيقي محمد بساحة الإعتصام، ورأيت شبابا غير قابل للإنكسار والتراجع حتى لو نزلت ملائكة من السماء لتحارب مع الإخوان المسلمين كما أدعوا أنها فعلت في حرب الجنوب (التى خسروها في النهاية هي الأخرى). نحن أمام صياغة جديدة لتاريخ السودان  لم تخطر ببال بشر من قبل، بل نحن أمام نهاية التاريخ السوداني بالمفهوم الفوكويامي. سقطت بس. وسقطت ما سقطت صابنها.

فالمجد والنصر معقود لواؤه بشعب السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى