أخباراخبار مستمرة

من فضائح عهد المخلوع.. لغز مقتل الشاهد الرئيسي في قضية فساد الأقطان

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

تحقيق / لؤي قور

أبلغونا بأن هناك بلاغاً في “قسم شرطة الرياض”، يتعلق بسرقة “موبايلات”، و”شاشات”، وأن هذا البلاغ يستلزم تحقيق إجرائي روتيني في مثل هذه الحالات، مع شقيقي “آدم”، يتطلب حضوره إلى القسم، باعتبار أنه صاحب “بترينة”، صغيرة لبيع “الموبايلات”، والرصيد، فذهبت للقسم بصحبة أخويَ “آدم”، و”علي”، وهناك قابلنا ضابط برتبة “المقدم”. قال لنا:”إرجعوا واتركوا لنا آدم لنجري معه تحقيق لفترة لن تتجاوز النصف ساعة ومن ثم يلحق بكم”، فرجعنا، لكننا سمعنا بعد ساعات أنه شُوهد على متن “بوكسي” المباحث مكبلاً بالأصفاد، ومن ثم لم نعرف عنه شيئاً لمدة عشرة أيام).

هكذا بدأت شقيقة “آدم عمر عثمان”، المُدان في جريمة قتل المدير السابق في شركة “الأقطان” حديثها لـ”التغيير الإلكترونية”، مضيفة أنه وبعد عشرة أيام جاءهم من يبلغهم بأن ابنهم “آدم” موجود في القسم الشرقي، و”تعبان ومضروب”، فذهبوا لزيارته، لكنهم فوجئوا بأن الزيارة ممنوعة عنه، وبعد إلحاح من والدته جاؤوا لها بإبنها مستنداً على شخصين، ولا يقوى على المشي، وكان يقول: “شوفي عملو لي شنو يا أمي، عروني قدام الناس انا عملت شنو؟”. ذاك أن هناك من يرى في القضية فساداً عالي المستوى وأبعد من الأفراد المدانين الذين تعتري اعترافاتهم شوائب مثل الإدلاء بها تحت التعذيب، وتضارب في المعلومات.

 

إدانة قضائية

في الثاني عشر من سبتمبر للعام “2017”، أصدرت محكمة جنايات الخرطوم شرق، حُكماً في قضية مقتل “هاشم سيد احمد”، مُدير سابق في شركة أقطان السودان، والشاهد المُهم والرئيسي في قضية الفساد الشهيرة فيها – كما ظل يقول عن نفسه قبل فترة قصيرة من مقتله بحسب شاهد تقدم بشهادته للمحكمة- وقضى الحُكم بإدانة المتهم “آدم عمر عثمان”، و”صلاح صديق العاقب”، و”محمد حسين الأمين البادي”، و”الهادي أدم صالح”، تحت المادة “21/130/1” من القانون الجنائي لسنة “1991”، بالإشتراك الجنائي في القتل، بينما أدانت المتهم الخامس “الطيب آدم محمد نورين” تحت المادة “107” من القانون الجنائي لنفس العام، وبرأت المتهم السادس “محمد المشرف الزين”، من التهمة المنسوبة إليه بموجب المادة “25/1″، وأمرت بإطلاق سراحه فوراً.

وفي السادس والعشرين من نوفمبر “2017”، أوقعت محكمة الموضوع على المُدانين الأول والثاني والثالث والرابع، عقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت، وبرفع الأوراق للمحكمة القومية العليا للتأييد وفق نص المادة “181” من القانون الجنائي، وذلك بعد طلب أولياء المجني عليه القصاص من المدانين، بينما أوقعت المحكمة عقوبة السجن لأربع سنوات على المدان الخامس، اعتباراً من تاريخ دخوله الحجز في الثاني والعشرين من أغسطس لعام “2014”، وأمرت المحكمة بتسليم المعروضات الخاصة بالمجني عليه لوكيل أولياء الدم، وإبادة السكين “المعروضات”، وبتسليم الركشة “تكتك” لصاحبها المدان الأول وتسليم الهواتف النقالة المعروضات للمدانين الأول والثاني والرابع.

 

أصل الحكاية

ورد في طلب الفحص الذي قدمه المحاميان “صديق علي كدودة”، و”ربيع محمد سيد أحمد”، نيابة عن موكلهما المتهم الثاني “صلاح صديق العاقب” أن واقعة الدعوى تتلخص في أنه وبتاريخ الثامن والعشرين من يوليو للعام “2014”، وفي حوالي التاسعة مساءاً، كان المجني عليه “هاشم سيد أحمد”، وهو مدير سابق في “شركة الأقطان”، عائداً من المسجد المجاور لمنزله الكائن بالجريف غرب، وأمام باب المنزل تعرض له مجهول بالطعن، وعلل المحاميان إيرادهما للفظ مجهول بصيغة المفرد، لأن المجني عليه وقبل وفاته سأل إبنه الأكبر وزوجته:”عرفتو الطعني منو؟” وعلى الفور تم إسعاف المصاب إلى مستشفى “جرش” ليلفظ أنفاسه الأخيرة في اليوم التالي متأثراً بطعنات متفرقة على جسمه.

وجاء في الطلب: (وعلى ضوء تلك الإصابة والوفاة فتحت إجراءات هذه الدعوى، وذهبت سلطات التحري تبحث عن القاتل، حيث شملت التحريات جميع أقارب المجني عليه، وكان في اعتقاد أفراد المباحث من الوهلة الأولى، أن المجني عليه تمت تصفيته، وذلك لعلاقته بقضية “فساد شركة الأقطان”، والتي كانت تواصل انعقادها، وكان المرحوم مديراً سابقاً بها. وفي هذه المرحلة تم القبض على بعض الأشخاص، وشمل التحري ابن عم المرحوم “عمار هاشم”، والذي أدلى للشرطة بإفادات كاذبة عن مكان تواجده ساعة الجريمة، عمد من خلالها لتغيير مسار التحري للوصول للقاتل الحقيقي، وأيضاً تم القبض على ابن أخيه “محمد أمين”، الذي وجه بل وأمر ابن المرحوم بأن يدلي بهذه الإفادات الكاذبة، وكان “محمد أمين” ملطخاً بدماء المرحوم، وبرر وجود هذه الدماء بأنه عاون آخرين على حمل جثمان المجني عليه من المشرحة، رغماً عن أنه لم يكن داخل المشرحة كما ثبت من التحريات، وأن من قام بنقل الجثمان هم عمال المشرحة، وليس سواهم، ولا نعلم السبب في توقف التحريات في هذا الإتجاه”).

 

تغيير إتجاه التحريات:

وجاء في طلب الفحص مواصلة لما ذكر أعلاه :(اتجهت التحريات من حينها إلى آخرين، وانشل تفكير الجهات المتحرية، ووراء ذلك التوقف ما وراءه فالقاتل الحقيقي لم يكن موكلنا ومن جُرموا معه، وقاد تخبط المباحث إلى القبض على المتهمين الخمسة، والذين تمت إدانتهم بحجة “واهية”، وهي أنهم على اختلاف مذهبي مع المرحوم، حيث نسبت اليهم النيابة تُهماً تحت مادتي الإتهام، وأُحيلت الأوراق للمحكمة، والتي قامت بسماع الشهود، ومن ثم كان هذا القرار، ليكون هذا هو ملخص التحريات التي شابها كثير من القصور، حاق بموكلنا، وأورده موارد مهلكات من العقوبات والإدانات.

تعرض موكلنا لأصناف من العذاب دون مراعاة لأبسط حقوق المتهم، كما أن أفراد الشرطة الذين مثلوا أمام المحكمة، أراحوا موكلنا من عناء إثبات الإكراه، ونخص في ذلك شاهد الإتهام الملازم شرطة، والذي أكد بكل شجاعة أمام المحكمة أن المتهمين تعرضوا للربط من أيديهم على أبواب الحراسات وهم على هيئة الوقوف، ولم يكونوا يستطيعون الجلوس، مشيراً إلى أن هذه الربطة “مؤذية جداً”، وأفاد الشاهد أيضاً بأن المتهم الثاني لم يستطع التعرف على منزل المرحوم عند اقتيادهم إليه لتمثيل الجريمة، وطلب منه إخباره بمكان المنزل، فيما أفاد الشاهد الثاني والذي كان في معية موكلنا بحراسة قسم الدرجة الثالثة، أن المتهم الثاني كان يتم أخذه بواسطة رجال المباحث، وعند إرجاعه كان “يعتب” ويبكي، وكان هناك آثار دم في ملابسه، وقال أن أفراد المباحث كانوا يضربون المتهم الثاني ويطلبون منه الإعتراف”.

 

منع المتهمين من الخضوع للكشف الطبي:

وعن عدم السماح للمتهمين حينها بالخضوع للكشف الطبي لتبين ما إذا كانوا قد تعرضوا للتعذيب جاء في الطلب: “ولكي يُخفي رجال المباحث المُعذِبون لموكلنا وبقية المتهمين، لكي يخفوا فعلتهم رفضوا الإستجابة لطلبات الدفاع المتكررة بعرض المتهمين على أطباء للكشف الطبي عليهم، ولو تم ذلك لرأى الأطباء العجب، ولتأكد لكم دفعنا بالتعذيب، والذي أكده الشهود. وبما أن موكلنا كان مسلوب الإرادة، فإن أقواله تُصبح لا قيمة لها قانوناً ولا شرعاً، وتُصبح دعوى الإدعاء بلا بينة، ومن هذه الزاوية نلتمس براءة موكلنا”.

“كما أن اعترافات المتهمين كذبها ظاهر الحال، ولم تكن متوافقة مع العقل والمنطق، ففيما يقر “المُتهم الأول”، أنه كان في معيتهم شخص يُدعى “إبراهيم”، ويسهب في وصف أنهم و”إبراهيم” هذا فعلوا كذا وكذا، تبين أن إبراهيم هذا لم يكن موجوداً بمسرح الجريمة، ولا في الخرطوم نفسها، فاقتنعت سلطات التحري ببراءته، وأطلقت سراحه بعد القبض عليه. وقال “المُتهم الأول”، أن موكلنا “المُتهم الثاني”، هو من قام بطعن المجني عليه في أقواله الأولى، قبل أن يُخرِج “إبراهيم كسلا” من القصة بالكامل في أقواله الثانية، ويُخرِج “المُتهم الثاني”، في روايته من منزل المجني عليه، ويجعله مُراقباً فقط خارج المنزل، فعلى أي قول اعتمدت المحكمة؟”

 

المباحث الجنائية تبرئ ساحة المدانين:

وخلص المحاميان في طلب فحصهما إلى الآتي:

“أقر المتهمون بأنهم دخلوا إلى منزل المرحوم وأصابوه داخل المنزل، وهذه الجزئية كذبها إبن المرحوم، والذي أفاد بأن آثار الدماء وُجدت من المدخل الرئيسي إلى مدخل “الصالة”، مما يعني أن المرحوم أُصيب في الخارج، بعكس أقوال المتهمين، كما أن هناك بصمة تم رفعها من مُقدمة عربة “المرحوم”، وهي عبارة عن أثر يد بها دماء، وجاء تقرير المعمل الجنائي بعد أن أثبتوا صلاحيتها للمضاهاة بأنها غير مطابقة لأي بصمة من بصمات المتهمين، وعليه فإنني أرى ولكم فوق ما أرى رأي، أن أقوال المُدانين كذبها ظاهر الحال، مما يعني عدم قيمتها في هذه الدعوى. أما أفراد الشرطة فهم ليسو شهود وقائع، وكل ما قيل مُستخلص من أقوال المتهمين، حيث أنه لا يمكن تعضيد أقوالهم بأقوالهم نفسها، والتعضيد المطلوب هنا هو التعضيد المستقل. والسؤال الذي يطرح نفسه هو “هل قدم المتهمين بينة على الإكراه الذي تعرضوا له؟” والإجابة بنعم، رغم أن سُلطات التحري تنصلت وبلا مبدأ، عن حرمان موكلنا من أن يُعرض على طبيب لإثبات تعذيبه، إلا أنه من رحمة الله أن شهد شاهد من أفراد الشرطة بواقعة تعذيب المتهمين. وما كان طلب موكلنا من الشاهد إرشاده لمنزل المرحوم إلا دليل على أنه كان مُكرها على كل ما بدر منه، وكان فقط يتحاشى بطش أفراد المباحث به”.

“وعند مطالعتنا لمحضر التحري دارت في ذهني الكثير من التساؤلات لم أجد لها إجابة منها لماذا أدلى بن المرحوم “عمار هاشم سيد احمد”، بأقوال كاذبة لأفراد الشرطة في بادئ الأمر؟ ولماذا طلب “محمد أمين” بن شقيق المرحوم من ابن عمه الإدلاء بهذه الأقوال؟ وما هي المصلحة التي تعود عليه من ذلك؟ ماذا عن الدماء التي وجدت على ملابس بن أخ المجني عليه محمد أمين؟ لأن تبريره بأنه شارك في حمل المرحوم إلى خارج المشرحة فتناثر الدم على ثيابه لا يعتد به، بعد أن ثبت بالبينة أنه لم يُشارك في حمل “المرحوم” كما زعم، بل قام عمال المشرحة بذلك، ولكل ما أسلفنا وما فات علينا لا يفوت على فطنة محكمتكم، نلتمس شطب الدعوى في مواجهة موكلنا”.

إعتراف تحت التعذيب:

ومضت شقيقة المدان “آدم” في حديثها لـ”التغيير الإلكترونية” للقول:)قال لنا أخي “آدم” عندما التقينا به في القسم الشرقي بعد عشرة أيام من اعتقاله، أن أفراد الشرطة  يتحدثون عن شخص قُتل في الحارة الأولى، ونحن لا صلة قرابة لنا به ولا جيرة، ولا علاقة لنا بما يحدث فرجعنا، وقيل لنا أن “آدم” يحتاج لمساعدة شخصين لدخول الحمام، وأنه ظل على هذا الحال لثلاثة أشهر قبل أن تبدأ أولى جلسات المحكمة، والتي أبلغونا فيها أن أخي والمتهمين معه قد قدموا إعترافاً قضائياً بقتلهم لـ”هاشم سيد احمد”، ودُون اعترافهم أمام القاضي في الساعة الثانية من صباح الجمعة!! وقال أخي أن القاضي أمره بتوقيع الإعتراف، ولما رفض التوقيع قال له القاضي:”أنا بطلعك للكلاب البرة دي بضربوك رصاص عديل” وجعلوا آدم يوقع على اعترافين مختلفين في تلك الفترة، وهددوه بكلمات من قبيل “بنزعزع اهلك” و”بنعمل في اخواتك”، فوقع على الإعتراف، ومن ثم تم نقله مع من معه إلى سجن “كوبر”، وبعد ذلك توقفت الجلسات لمدة ستة أشهر).

وقالت والدة المُدان “الهادي آدم صالح”، لـ”التغيير الإلكترونية”:(بعد ستة أشهر استؤنفت المحاكمة، وكان يتم تغيير القاضي كل جلستين تقريباً حتى وصل عدد القضاة الذين نظروا في الدعوى الخمسة، وكان القاضي الأول مقتنعاً ببراءة المدانين نسبة لانعدام الأدلة التي تدينهم، لكن سرعان ما تم نقله، وتغييره بقاضي آخر، دأب على استفزاز محامي الدفاع، وبدا منحازاً للإتهام، وأحياناً يشك محامونا بأنه لا يدون بعض أقوالهم خلال الجلسة، وكان محامونا ينتظرون إطلاق سراح المتهم “محمد المشرف”، الذي ثبتت براءته، ليستعينوا به كشاهد على ما حاق بالبقية من تعذيب، لكنهم لم يفرجوا عنه إلا بعد النطق بالحكم، وإدانة المتهمين. أما المُدان “الطيب” فكان قد استوفى مدة حكمه بالفعل، وهي أربعة سنوات وزاد عليها شهرين فأطلق سراحه، ليطالب بعدها أهل المجني عليه بالقصاص وبالإجماع).

راجلي كتلتو الحكومة:

وعن الملابسات في منزل القتيل بعد الحادثة تقول شقيقة “آدم”:(لا علاقة لنا بالمجني عليه ولا بأسرته، لكن جيراناً لنا عندما ذهبوا للعزاء، نقلو عن زوجة المجني عليه قولها “راجلي كتلتو الحكومة”، وكان المشتبه فيهم الأساسيين إبن المجني عليه، وإبن أخيه، وكان معهم “شابة”، لكن لم نسمع شيئاً عن محاكمتهم، وسرعان ما سافر ابن أخ القتيل “محمد امين”، إلى المملكة العربية السعودية، والقضية ما تزال قيد التداول، وشهادته فيها مهمة، خاصة أنه أبان في أقواله أن بن المجني عليه اتصل به وأخبره أن والده توفى، وكان ذلك قبل أن يُلقى القبض على أخي “آدم”، ومن معه، وكان هناك أثر دم على ملابسه، فسره بأنه حمل جثمان المجني عليه في مشرحة “بشائر”، الشئ الذي ثبت عدم حدوثه، وأن عمال المشرحة وحدهم هم من تكفلوا بنقل جثمان المرحوم، كما أوضح أنه اتفق مع بن عمه على القول بأنهم كانوا معاً أثناء حدوث الجريمة، الشئ الذي ثبت عكسه، وكل هذه الأقوال مُسجلة ومُثبتة في محضر الواقعة).

(وأمرت النيابة بالتحقيق مع “عُمر عبد العاطي”، و”عبد الحليم المتعافي”، لكن الإتهام ترك كل ذلك، وتجاهل قرارات النيابة، ليُلقي القبض على أبناءنا، ورفضوا أن يُعرضوا على كشف طبي يثبت تعرضهم للتعذيب، ولما طلب محامونا الإطلاع على الملف قال مقدم الشرطة أن الملف غير موجود في القسم، وأنه رُفع للنيابة، لكننا علمنا أن الملف كان في القسم حينها، وأنه لم يُرفع للنيابة إلا بعد أربعة أيام من إنكارهم لوجوده في القسم، كما أن “المباحث الجنائية”، أقرت أن البصمات الموجودة في مسرح الحادث تعود لشخص واحد، وهي غير مطابقة لبصمات أي من المُدانين).

سلاح الجريمة وإعترافات يكذبها واقع الحال:

شقيق المُدان “صلاح صديق العاقب” قال في حديثه لـ”التغيير الإلكترونية”:(كانت أقوال المباحث الجنائية تُعارض ما تم عليه الأمر بعد إجبار المتهمين على تمثيل الجريمة، فقد جاء في تمثيل الجريمة أن المُدانين تسوروا المنزل، ودقوا على باب “الصالة”، منادين للمجني عليه باسمه، وكان للإتهام روايتين في تمثيل الجريمة المزعوم هذا، فمرة يقررون أن المُدان “آدم”، هو من أمسك بالمجني عليه، بينما طعنه المُدان “الهادي”، وفي رواية أخرى أمسكه “آدم”، وطعنه المدان “صلاح”، بينما يستبعد تقرير المباحث الجنائية بالكلية فرضية أن المجني عليه طُعن داخل المنزل، بل يؤكد أنه طُعن خارج المنزل، بدلالة أن دم القتيل يظهر من مدخل المنزل وحتى الصالة).

وعن سلاح الجريمة “سكين” الذي قٌدم كمعروضات قال شقيق “صلاح”، أن الإتهام أتى بسكين ليس عليها بصمة، ولا أثر لدم القتيل، وخلال الجلسات اتضح أنها تخص شاب اسمه “محمد داؤود”، والذي أبان أن الشرطة أخذت السكين من “الركشة” التي كان يعمل عليها ويملكها “آدم” بعد ثلاثة أشهر من الحادثة، وعندما طالبه محامي الإتهام بإثبات أن هذه السكين تخصه، قدم وصفاً كاملاً لها قبل رؤيتها داخل الجلسة وأمام القاضي. وعندما استفسر القاضي من السكين قالوا أنهم استخدموا الكلب البوليسي لإقتفاء أثر الجاني فقادهم لمقابر الحارة الأولى دون أن يعثروا على سلاح الجريمة، وحتى الملابس التي كان يرتديها المجني عليه لم يجدوا عليها بصمات لأي من المُدانين، ولم يجدوا مكالمات هاتفية تمت بين هؤلاء المدانين لستة أشهر قبل الحادثة، في استقصاء عن اتفاقهم الجنائي على القتل.

تجاهل شهادات ضباط الشرطة:

وجاء في عريضة الإستئناف التي قدمها محامي المدانين الأول والثالث، “آدم عمر عثمان”، و”محمد حسين الأمين البادي”، أن الحكم المطعون فيه لم يتطرق إطلاقاً لدفع المدانين بالإكراه والتعذيب. فالثابت أنهم دفعوا بأن الإعترافات التي أدلوا بها كانت نتاج إكراه وتعذيب، وقدموا البينة على ذلك عن طريق شهود بعضهم شهود اتهام من ضباط الشرطة أنفسهم، وأورد المحامي إفادة شاهد الإتهام الملازم شرطة “سيد احمد”، والذي أفاد بتعرض المتهمين للربط بطريقة مؤذية على أبواب الحراسات، قبل الإعتراف، مُضيفاً أن الحكم الصادر لم يتطرق لهذا الدفع، ولم يوضح السبب في عدم التعويل عليه، وذكر أنه من المعلوم أن التسبيب الوافي والشامل للحكم هو عنوان الحقيقة، وأن الأحكام والقرارات والأوامر يلزم أن تكون صريحة ومدعمة بالتسبيب الكافي، والحيثيات التي توضح ما توصلت إليه المحكمة دون لبس أو غموض. وأورد المحامي سابقة قضائية لتأييد ما ذهب إليه، مُعتبراً أن إهمال وإغفال الحكم لمناقشة دفوعات المتهمين يعتبر قصوراً شديداً أثر على صحة الحُكم مما يعرضه للبطلان.

وجاء في العريضة:

“من خلال تناول المتحري لإفادات جميع المتهمين بيومية التحري أنكروها، وعند المحاكمة تراجعوا عن اعترافاتهم القضائية خلال التحري، ودفعوا بأنهم أدلوا بها نتيجة للإكراه والتعذيب، وأكد شهود الدفاع ذلك، وطلب المتهمون إحالتهم إلى جهة طبية، لكن لم يجد الطلب القبول”.

“بالرجوع للإفادات التي جاءت بحق المتهم السادس فقد برأته المحكمة دون أن يقدم أي دفاع في الدعوى، لأن المحكمة رفضت شطب الإتهام في مواجهته بعد سماع قضية الإتهام واستجوابه استناداً للمادة 2/141 من قانون الإجراءات، رغم طلب محاميه، وهذا الإصرار يحمل في ثناياه الإضرار بالمتهمين الآخرين، حتى لا يصبح هذا المتهم شاهداً في قضية الدفاع، لإثبات تعرضه وتعرض بقية المتهمين للتعذيب”.

أخطاء في المحاكمة:

وأشار طلب محامي المُدان الأول والثالث في إحدى المواضع إلى خطأ المحكمة فيما أوجزه بالآتي:

(أخطأت المحكمة بحيث اعتبرت أثر الإعترافات المشكوك فيها تتعدى لشريك غير معترف وهو ” المٌدان الثاني”، والذي لم يُسجل إعترافاً، علماً بأن المحكمة أدانته بموجب اعترافات المتهمين الآخرين، فإذا سلمنا بإمكان تعدي الإعتراف للشريك الغير معترف، لماذا لم تدين المحكمة المتهم السادس؟ كما رفضت المحكمة طلب استدعاء القاضي الذي أخذ اعترافات المتهمين في الليل، لمعرفة الظروف والملابسات التي أُخذت فيها الإقرارات).

(بٌطلان الإعترافات وعدم شرعيتها حيث أٌخذت في وقت متأخر من الليل، وتحت الضرب، وبعدم وجود المتحري في البلاغ، كما أن أحد أفراد المباحث هو من أخذ المتهمين للإعتراف القضائي، وأثبتت أقوال شهود الدفاع أمام المحكمة ضرب المتهمين، كما أن المحكمة لم تناقش قرائن دماء المرحوم ومدى علاقتها بالمتهمين، والسكين موضوع الجريمة).

(لقد جاء تسبيب الحكم خالياً تماماً من قضية الدفاع التي قدمها المتهمون، ولم تُناقشها، وكذلك رفضت طلبات الدفاع وتغاضت عنها، وعن إفادات شهود العيان التي تُعضد رجوع المتهمين عن اعترافاتهم، باعتبار أنها أُخذت منهم نتيجة الضرب من قبل أفراد المباحث، كما أن نتيجة الفحص الجنائي بخصوص السكين أداة الجريمة كان سالباً، حيث لم يوجد بها دم ولا في الجفير، ولو سلمنا بغسل السكين كيف يمكن غسل الجفير من الداخل؟ مما يؤكد أن السكين التي تم ضبطها ليس لها علاقة بالجريمة، مع الأخذ في الإعتبار قرينة الكلب الذي تتبع أثر دم المرحوم حتى المقابر قبل أن ينقطع. علماً بأن المحكمة أخذت في إدانتها أن السكين “المعروضات” قد تم رميها في المقابر). وأورد المحامي في عريضة استئنافه أن الحكم المطعون فيه لم يناقش أو يتطرق لما أثاره بخصوص الإعترافات، ومخالفتها لقانون الإثبات، وتكذيب ظاهر الحال لها، وأن المتهمين كانت اعترافاتهما نتيجة الإكراه.

الأريترية بائعة القهوة:

وتواصل والدة المدان “الهادي” حديثها لـ”التغيير الإلكترونية” فتقول:(كان الإتهام قد أكد أن المدانين اتقفوا على القتل وهم في محل لبيع القهوة تديره “أريترية” أول أيام عيد الفطر، فسمعتهم البائعة، وزيادة على أنه لم يوجد محل لبيع القهوة يستقبل الزبائن في أول أيام العيد، فقد قالت البائعة أنها لا تجيد اللغة العربية من الأساس، فضلاً عن أن اثنين فقط من المُدانين هم من كانوا يأتون لشرب القهوة عندها، ولم تلاحظ عليهم ما يريب. لكنها تعرضت لضغوط كبيرة وصلت لضربها سعياً لإجبارها على أن تقول بأنها سمعتهم يتفقون على الجريمة، فهربت إلى ليبيا).

(كما أن ممثل “المباحث الجنائية”، قال في إحدى الجلسات وأمام القاضي أن المجني عليه قُتل في الشارع وليس في منزله، وأنه يتحدث بناءاً على دراسة علمية لمسرح الجريمة، كما أن البصمة الوحيدة التي وُجدت في منزل المجني عليه لم تطابق بصمة أي من المدانين، وفي إحدى الجلسات أقر ممثل المباحث أن المتهمين – حينها – لم يكونوا ممن ألقى عليهم القبض في البداية على ذمة القضية، وقال أحد الشهود أنه وعندما ألقي القبض عليه عن طريق الخطأ باعتبار أن اسمه “صلاح”، تبين لاحقاً أنه لم يكن “صلاح صديق” فأطلق سراحه، قال أنه وجد “آدم” في العربة التي أدخلوه فيها وعلى رأسه “شوال”، وكان مُنهكاً من شدة تعرضه للضرب، وأنه لم يقو على النزول من العربة عند وصولهم، ليتكفل ثلاثة أشخاص بإنزاله وهم يضربونه).

محاولات تلفيق التهمة لصلاح:

وعن ما حدث أثناء وجود المتهمين – حينها – بالحبس قال شقيق المدان “صلاح صديق” أن هناك شاهد أتوا به من سجن الهدى إسمه “فهمي”، قال بأن مقدم الشرطة جاء بسكين، وأمر صلاح بإمساكها، لكن فهمي حذره من أن المُقدم يُريد إلصاق تهمة القتل به، فرفض “صلاح” إمساكها. وقال “فهمي” أنه اعتقد أن آدم لن يعيش ليومين أو ثلاثة جراء ما حاق به من تعذيب، إذ لم يكن يأكل ولا يشرب، وأن الشرطة حذرت المحبوسين من الحديث معه، باعتبار أن عليه “توصية من فوق”، لكن “فهمي”، تحدث معه، وسأله عن مشكلته فأجاب “آدم” بأنه لا يدري، وقال “فهمي” أن “آدم” كان لا يستطيع دخول الحمام إلا بمساعدة شخصين، وكانوا يأخذونه للتحقيق في الليل، ولا يعيدونه إلا في الصباح. وقال “آدم” بأنهم كانوا يعرونهم ويعلقونهم، وأن “مُقدم الشرطة” تبول على وجهه ذات مرة وهو ملقي على الأرض، حتى جاء الأمر النهائي من محكمة الإستئناف بتأييد إدانة المتهمين الأول والثاني والثالث والرابع، وتأييد عقوبة الإعدام شنقا حتى الموت قصاصا ً في مواجهتهم، وتأييد الإدانة والعقوبة في مواجهة المتهم الخامس وتأييد براءة المتهم السادس من التهم المنسوبة إليه وتأييد الأوامر المصاحبة للحكم.

المتحري يغض النظر عن التحري مع المتعافي وعمر عبد العاطي:

واختتم شقيق “صلاح” حديثه بالقول:”في إحدى جلسات المحكمة التي ترأسها القاضي الأول سأل القاضي المتحري في القضية، والذي يحمل رتبة “المُقدم شرطة”، عن أقوال “عبد الحليم المتعافي”، وزير الزراعة في ذلك الوقت، و”عُمر عبد العاطي”، وهو من كبار المحامين في السودان، لورود أسمائهم في ملف القضية، فرد المتحري بأنه أخذ أقوالهم شفهياً، ولم يدونها أثناء التحري، لأنه لم يجد ما يستدعي التشكيك في أقوالهم. ورد عليه القاضي بالقول أن التحري في هذه الحالة مخالف للقانون، نسبة لأن وجود الشكك من عدمه هو من اختصاص القضاء، وليس المُتحري. وبعد هذه الجلسة مباشرة تم نقل القاضي إلى محكمة الإستئناف بالخرطوم، وعندما تم تحويل ملف القضية إلى محكمة الخرطوم، تم نقل هذا القاضي من محكمة الخرطوم، إلى محكمة الإستئناف بالخرطوم بحري، كما إن أحد الشهود ويعمل كطبيب صيدلاني وهو جار القتيل، قال أن المجني عليه كان منزعجاً من فساد شركة الأقطان، وكان يتحدث عن الموضوع بخوف وتحفظ شديدين، وقال الشاهد أن المجني عليه تحدث معه قبل وقت قليل من الحادث عن الموضوع وهما عائدين من صلاة العشاء، وأكد أنه على معرفة بالمتورطين فيها، وإنه سيشهد بما يعرفه أمام المحكمة”.

 

في انتظار الإعدام:

واليوم ينتظر “آدم عمر عثمان”، و”صلاح صديق العاقب”، و”محمد حسين الأمين البادي”، و”الهادي أدم صالح”، ينتظرون في سجن كوبر تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحقهم، بعد أن أُجبروا تحت التعذيب على التوقيع على اعترافين قضائيين متباينين، وعلى تمثيل الجريمة مرتين كل مرة بطريقة مختلفة لتغير أقوال الإتهام، وبعد أن لجأوا للمساعدة القانونية من محامين تعرض أحدهم للتهديد والأذى البدني حتى غادر إلى الأردن مستشفياً، وتم تحطيم سيارته بالكامل من قبل مجهولين، وبعد أن طرقوا كافة الأبواب للدفاع عن أنفسهم ناشدوا بعض الإعلاميين للحديث عن محنتهم بلا طائل، أما أهلهم وأقاربهم فينتظرون فقط أن يعيدوا لهم أبناءهم أو جثامينهم ليدفنوها بعد أن تعذر عليهم إنقاذهم، ولم يعد لديهم سلاح يدافعون به عنهم إلا أكفهم المرفوعة للسماء بالضراعة والدعوات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى