أعمدة ومقالات

تخشك وتمرقك أو السجن حبيسا والقصر رئيسا

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

ابوذر علي الامين ياسين
سقطت الانقاذ، وقد كان أهلها يجزمون بأنها لن تسقط ابدا، وكذلك معارضوها خاصة مع تواتر واستمرار فشل محاولاتهم. ومهما كان اثر ودور الخلافات والصراعات الداخلية في ذلك السقوط، فالذي اسقطها ذلكم المد الثورى الجارف، الذي تجاوز كل الاحتمالات بما فيها تلك التي كانت تسعى لتحول وانفتاح جزئ مع بقاء الانقاذ. لكن الانقاذ سقطت، وكان أهلها مرغمين يشهدون سقوطها التام والكامل (تسقط بس). بعض السقوط تسعى إليه مجبرا لا بطولة لك فيه، وتسوقك الاقدار اليه مرغما. كيف حدث ذلك؟. وهل اكتمل السقوط؟ تلك قصة نحاول ان نتلمسها هنا.
كان الشيخ حسن الترابي (رحمه الله)عندما أعلن مقولته الشهيرة (اذهب للقصر رئيسا وساذهب للسجن حبسا) يعترف بأن ذلك التمويه وان نجح في تمرير وتثبيت الانقلاب، إلا انه هو الاخر قد خُدع ونجح خداعه من اعوانه وتلامذته مجموعة ما يعرف وسط التنظيم ب(الخاص). والذين خدعوا الشيخ كانوا هم من نفذ الانقلاب ليتحولوا لقوة تلغي التنظيم وتستلم كل صلاحيات الامين العام، ثم ينطلقوا في مسيرة خراب بلا حدود أو سقف. أما الذي يهمنا هنا هو المنهج والطريقة التي تعامل بها هؤلاء مع السلطة التي اضحت بايدهم وبالبلد. نسبة لأثرهم وتأثيرهم الممتد فهم موجدون وقد تمددوا (خارج حدود واطارالدولة العميقة) لانها تحد من حركتهم وتمنعهم الكثير. بل هم فضلوا ان يبنوا كيانا موازيا لكل شئ تكون لهم كامل السيطرة عليه، مهما طرأت الطوارئ، أو ادلهمت الخطوب، وهنا الخطر والصعوبات التي تواجه التغيير، وقد تسمح لهم بالعودة من شباك (السجن حبيسا) الذي اعجز شيخ حسن نفسه في اجراء اي تغيير إلى أن لقى ربه.
ورغم أن المنتظمين في الاجهزة الخاصة يربو عددهم على المئات من الاداريين، غير الالف من النظاميين، فان اغلبهم يؤمن أنهم يؤدي واجبا دينيا ووطنيا بموجب التزام تنظيمي للحركة (الاسلامية)، فإن قادة الكيان الخاص الكبير هم انفسهم السياسيون الذين تحركهم طموحاتهم الجامحة نحو السلطة ومناصبها والمال ونفوذه ووجاهته، لذلك ما أن هدد مؤسس الحركة وزعيمها الفكري والروحي بتعريض سلطتهم ونفوذهم لاختبار التوالي السياسي حتى رصوا صفوفهم سريعا وانقلبوا عليه، والمهم اليوم هو وعي هؤلاء وأولئك بأن اولئك القادة هم عجل السماري المخادع الذي انتهي بهم الى المصير المظلم الراهن، بل انهم سخروا كل تلك الدوافع المتجردة لدى عامة الاعضاء لكسب المعارك في صراعاتهم الداخلية الخاصة نحو الزعامة والمال وكسب المواقع، فتحولوا لمحض مستغلين فاشيين فهل حانت لحظة الوعي؟.
والخاص هو الكيان الذي يخدم تنظيم الحركة الاسلامية في قطاع المعلومات والخطط والعمليات السرية المتعلقة بالقوى السياسية الاخرى. اشهر رموزه الذين نفذوا انقلاب 1989م و عرفوا بالسواقين، الزبير محمد الحسن و على كرتي، والفشاشوية، وأخرين. واشهر قادتهم عوض الجاز و مجذوب الخليفة، ونافع علي نافع، والقائمة تطول.
في سبيل التعرف على منهج هؤلاء نبدأ بتنفيذ الانقلاب نفسه وأظنه بات معروفا أن دور القوات المسلحة كان رمزيا عبر ضباط منتمين بل عمل التنظيم ومن زمن ليس بالقصير على ادخالهم للكلية الحربية وغيرها من وحدات استيعاب العسكريين بالجيش. لكن الملفت أن التنفيذ الميداني كان بواسطة اخوان لا علاقة لهم بالسلاح والعمل المسلح لكنهم نفذوا بمشاركتهم وتواجهم مسلحين في كل المواقع والمرافق الحيوية وقتها وباشراف مباشر من نافع على نافع. وكانوا هم القوات الضاربة وليس ضباط صف وجنود القوات المسلحة.
هنا نلتقط المنهج. وهو لا تكتفي بالسيطرة على المؤسسة (مؤسسة الجيش هنا) بل ابني بديلك لها ولا تطمئن ابدا لمدى سيطرتك على تلك المؤسسة. فالمتغيرات ضمن المؤسسات خاصة المدنية والعريقة صعب أولا ولا يدوم مهما كانت مهاراتك وامكانياتك. فالمتغيرات تفرض نفسها كما أن القوانيين واللوائح تحد من حركتك ضمنها وتمنع وصولك لاهدافك. اصبح هذا نهج ومنهج هؤلاء حتى لحظة السقوط والتي تسبب وفيها ذات هذا المنهج.
بعد نجاح الانقلاب تواصل بناء قوة موازية للجيش، وشرع فورا في تأسيس قوة شرطية موازية للشرطة (الشرطة الشعبية) وغطى (الخاص)عمل جهاز الامن الى حين تكوين جهاز الامن المعروف الان بقيادة نافع. بالتوازي جرى طرد كل من لم يُزعن بالولاء للقادة الجدد ضمن هذه المؤسسات، بل وفتح المجال واسعاً لاهل الولاء ضمن الجيش الرسمي والشرطة الرسمية والامن الرسمي. لكن التركيز والتعويل كان لأجهزة الضبط الموازية المسيطر عليها تماما من قبل من هم خلفها وحفظتها. وعندهم هذه أهم مؤسسات ويعرفونها بمؤسسات (الشوكة).
هذا التوازي يسمح بعدم الالتزام بالقوانيين واللوائح التي تحكم الخدمة المدنية مثلا أو الشرطية أو غيرها. وهذا كان بعدا مهما في منهج أهل الخاص. ضرب أي شكل للالتزام بالقوانين واللوائح وعلى كافة الاصعدة. اصبحت لنا دولة لها قانون متحرك عبارة عن شخص بسلطات تبيح له ان يفعل كل شي وأي شئ بشخص أو مؤسسة أو قانون، غض النظر عن مكانة او حجم هذه السلطة (غفيرا كان أو وزير). وهو فوق ذلك شخص محمي من أي شكل من اشكال المراقبة والمحاسبة والمحاكمة، مجرد انتقاده أو تناول سيرته تجاوز يستوجب العقاب الشديد ربما السجن وحتى القتل.
عليه من ظن أن اعادة ضبط أو تشكيل مؤسسات الخدمة المدنية مثلا أو هيكلة الجيش أو الشرطة سيعيد مؤسسات الدولة لمكانها وطبيعتها ويكون قد قضى على الدولة العميقة، عليه أن يعيد النظر كرات ومرات. لأن التواجد الفعال لاهل (الخاص) اساسا خارج هذه المؤسسات، وفي كل الاشكال الموازية لها. بل الامر اعقد من ذلك، خاصة وأن جل اشكال الانتظام المسلح خارج المؤسسة العسكرية اصبح يقوده اشخاص لهم هم الولاء فقط وهم كل الكل. ويمكننا ان نقول ان السودان يمتلك اليوم عددا من الجيوش لايمكن حتى التكهن برقمها ومن يقودها. و حجم انتشار السلاح فوق كل خيال وتصور، فلم يكن هناك ضابط وهذا (نهج) مقصود.
حتى لا يتصور احدا أن المهام أمامه بسيطة ويسهل التعاطي معها بعد سقوط الانقاذ، الأمر اكبر والتحدي غير محدود. ذلك أن أهل (الخاص) هؤلاء تعاملوا مثلا مع القوى السياسية والحركات المسلحة بذات المنهج!!. اعني استنساخ عددا من كل حزب وحركة عبر الانشقاقات، ثم عقد الاتفاقات مع اضعف شق، ليس بغرض ايقاف الحرب واحلال السلام لا، بل بغرض التمدد (المتمكن) في ساحات الخصوم، بما يعني شئ اشبة ب (تخشك و تمرقك) مع الاعتذار للشاعر و روعة القصيدة، لكنها جملة تعبر اقوى تعبير عما عرف بالتمكين. لا يتعلق الامر بما كان يعرف بالزراعة والمزروعين داخل القوى والاحزاب ببساطتها تلك، الامر اعمق بكثير وفيه من التاشبيك ما يضمن (التمكن) واستمرار تبادل المنافع وغيرها (تخشك وتمرقك) خاصة وأنه مبني على مستوى شخصي خالص ومتحرك. لا توجد هنا ايديولوجيا أو شكل انتظام فيه شئ من الصرامة والاستدامة لا، بل منافع مباشرة وقوية وشخصية ومتجددة، رباط (يُمكن) من تعدد المداخل والمصادر والتأثير، وتكثيرها في أي وسط.
ولأن هذا المنهج خطير واضحى يتحكم فيه اشخاص بدلا عن اطار تنظيمي أو اي اطار ضابط. استفحل وتمدد واستشرى بلا رقيب أو حدود، وكانه سرطان اجتاح النظام ودولته. برغم من ان هذا المنهج هو الذي ابقى الانقاذ كل هذه السنين الطويلة. ولكن مع تطبيقه على مؤسسة مثل بنك السودان، كان قاتلا وقد قاد الجميع للبحث عن خلاص من المسؤولية التي لم يعودوا قادرين على الاستمرار فيها ولا هم راضين عن تسليمها للأخرين. وهذا اخطر تدعايات الفردانية والشخصانية، التي هزمت تنظيمها واتت على دولتها وما زالت مخاطرها باقية.

هذا اطار للفهم نحاول بسطه ما اكمن للثوار ليعرفوا مع من وكيف يتعاملون. وأن المهام أمامهم ليس سهلة ولا ميسورة. وأن التحديات كبيرة ومتنوعة. قوموا لثورتكم يرحكم الله. ونعود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى