أعمدة ومقالات

د. الباقر العفيف يكتب: أسئلة على جدار الثورة

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

كيف يُتَّخذُ القرار داخل أحزابنا السياسية؟
نعلم أن أحزابنا، رغم قِدَمِها، لا تمتلك مراكز بحوث. وليس فيها مطابخ لصنع القرار. ولا تعتمد على الإحصاء واستطلاعات الرأي، والاستراتيجيات والخطط المدروسة. وأنها تسير بالخبرة، و”الجربندية”، والحَدْس، وأحيانا بالهوى وركوب الرأس. ومن الواضح أنها لا تضع في حساباتها آثار قراراتها على الجمهور العام، ولا تعبأ بموقفه منها. وبطبيعة الحال فهذا مما يضعف النظام الديمقراطي لأن الثِّقة في الأحزاب من أهم شروط نجاح الديمقراطية.

سألتُ بعضَ أصدقائي من قادة الحركة الشعبية شمال إبان الأزمة التي أدّت لانشقاق الجبهة الثورية سؤالين. الأول هو: “ماهي الخسارة الأكبر، رئاسة دكتور جبريل إبراهيم للجبهة أم انشقاقها”؟ والسؤال الثاني هو: هل فكَّرتم في أثر الانشقاق على الحالة المعنوية للشعب الذي ينظر إليكم كفصيل مُتُقَدِّم في معركته مع الإنقاذ؟

تذكرتُ هذه القصة وأنا أتابع مجريات الأوضاع السودانية الحالية بقلق بالغ، مثل الغالبية المطلقة من سودانيي الشتات، نتنقَّل ما بين محطات التلفزة المختلفة والسوشال ميديا. وعندما “ننصدم مما نسمع” نلجأ للاتصالات التلفونية ببعض القادة في الخرطوم نَتَلَمَّس منهم حقيقة ما يجري في بلدنا الحبيب، نُمَنِّي النفس ب “ردّا يَطَمِّن”، فما نكاد نبلغ من ذلك شيئا تسكن إليه النفس.

والآن يزيد من قلقنا حرب البيانات والمؤتمرات الصحفية، من أحزاب الحرية والتغيير، مما يهدد تماسك تحالفها، فتهبط بنا إلى سفوح التشاؤم والاحباط. وتجعلنا نتساءل: في أي كوكب تعيش أحزابنا؟ أليس الاعتصام على مرمي حجر من دورها؟ ألا يؤثر ذلك في قادتها؟ ألا يحفزهم على محاولة الارتفاع لقامة الشعب العملاق مجرد محاولة؟
ألا يَرَوْن أن المجلس العسكري يسعى بقدر الإمكان لإضعافهم وفركشتهم وفرض إرادته عليهم؟ ألا يرونه يُرخِي أذنيه ليسمع طنين أحزاب “الفَكَّة” ويُصِمُّها عن هديرِ الملايين؟ فلماذا يُنفِّذون له رغبته مختارين؟ ألا يدركون آثار فعائلهم “المهبِّبة” هذه في إشاعة الإحباط واليأس والقنوط في قطاعات واسعة من الشعب؟

ولماذا تسابقت هذه الأحزاب والحركات زرافات ووحدانا على دولة الإمارات؟ وما الذي جرى بينها وبين الدويلة الغنية الطامعة في السودان؟ لماذا يتكتَّمون على ما جرى؟ لماذا لا يتعاملون مع هذا الشعب بشفافية؟ ألا يعلمون أنَّا نعلم أن هذه الدويلة لا تملك من أسباب النفوذ شيئا غير المال؟ وأنها اشترت المخلوع المُتَسَوِّل ومدير مكتبه الخائن لوطنه، فباعا لها الأرض والعرض والروح والدم؟ وأنها وجدت في المجلس العسكري الانتقالي بديلا مناسبا لهما؟ ألا يعلمون كذلك أنها تريد المحافظة على كل ما حازته منا بغير الحق؟ ألا يعلمون أنَّا نعلمُ أنَّه من سابع المستحيلات ألا تكون عرضت عليهم أموالها؟ فبماذا أجابوا؟ ولماذا تغيَّرت لغة البعض مباشرة بعد العودة منها؟
سمعتُ السيد الصادق المهدي يقول إنه يرفض وثيقة الإعلان الدستوري “لأنه قدّمها البعض دون مشاورة الآخرين”، ويعتبر ذلك نوعا من “الاختطاف”. اختطاف ماذا ممن، لا ندري. هذا أكبر زعيم سياسي في البلاد مكانة وعمرا وتجربة يرفض وثيقة حلفائه لا لعيبٍ فيها، بل لسبب شكلي بحت هو أنهم لم يشاوروه قبل تقديمها. ونحن لا نفهم كيف لم يشاوروه والسيدة مريم الصادق المهدي، نائبة رئيس حزب الأمة، ضمن الوفد الذي قدَّمها؟ ولكن دعنا نفترض أن قوى إعلان الحرية والتغيير أخطأت ولم تشاور السيد الصادق. ألم يكن يليق به أن يترفَّع عن هذه الشَّكليات، وأن يهتم بما هو جوهري؟ ألم يكن في مقدوره أن يُبدِي ملاحظته لحلفائه في اجتماع داخلي بهدوء وحكمة وأن يُحِثَّهم على وضع هذه الأشياء في الاعتبار في مقبل الأيام؟ ألا تستحق هذه الثورة العظيمة أن يُقَدِّم السيد الصادق لها القليل من التضحية في مجال كظم الغيظ، خصوصا ونحن في شهر الصيام الذي يُعِين على مجاهدة النَّفْس؟ ما كنت أحب للسيد الصادق المهدي أن ينطبق عليه توصيف الدكتور منصور خالد، وهو يُشَبِّه السياسة السودانية “بالدافوري”، حين قال إن شعار السياسي السوداني من تلكم الأجيال القديمة هو “يا فيها يا أطفيها”. والعجيب أنه فيها.
يَحارُ المرء وهو ينظر للهوة الكبيرة الفاصلة ما بين القاعدة الثورية لجماهير الأنصار وحزب الأمة من جانب والقيادة المحافظة متمثلة في السيد الصادق المهدي من الجانب الآخر. لا ينتابني شك مطلقا من أنه بالنسبة لهذه القاعدة الثورية، وخصوصا الشباب، أن المكان الطبيعي للسيد الصادق المهدي هو ساحة الاعتصام. وأنهم يريدون أن يرونه مترددا على الساحة، متضامنا مع أبنائه وأحفاده الثوار، ومع بناته وحفيداته الكنداكات الثائرات، مُنفقا معهم ومعهن بعض الوقت. يريدون أن يرونه يصلي بالمعتصمين والمعتصمات الجمعة والتراويح. يشجعهم على مواصلة صمودهم الأسطوري و”جهادهم المدني” من أجل الدولة المدنية. يريدون أن يسمعونه ناصحا للعسكر بترك المماطلة والجرجرة والحنين إلى الماضي الكريه وأن يسلموا السلطة لأهلها الشرعيين. فلماذا يترك السيد الصادق كل ذلك المجد الطارف والتليد ويختار مغازلة العسكر؟ هل من إجابة سياسية لهذا السؤال؟ أم نكتفي بترديد عبارة السادة الصوفية في مثل هذه الأحوال المُحَيِّرة “أقام العباد فيما أراد”.

 

تعليق واحد

  1. حكاية السياسه معانا من زمن الانجليز بتحير / الشعب يقوم ويقع ويثور على الحكام ويغير / تجى الأفيال تبعزق زرعو لا تخلى الكبير لا صغير / أى غريزه فى مخلوق تلازمو صبى وشاب وكبير / بالعافيه عدى نقاهتك راقب وسجل وصور / زعمانا ياها طريقتهم : فى اللهفان وفى المتهور / والشعب فاهم كل شى تفتيحه ما هو عوير / بقدر يقاوم للأبد وعارف الطريق مو قصير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى