أعمدة ومقالات

المجلس العسكري في السودان .. رحلة البحث عن غطاء سياسي

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

لؤي قور

خلافات كثيرة طفت على السطح بين قوى الحرية والتغيير، وهي القوى الممثلة للثورة السودانية، وبين المجلس العسكري، الذي تكون من “اللجنة الأمنية” لنظام المخلوع البشير بعد انقلابهم عليه في الحادي عشر من أبريل الماضي. لكن اعتراف “الأمارات” و”السعودية” و”البحرين” بالمجلس العسكري بعد ساعات من إعلان “عوض بن عوف” نائب البشير عن تنحيه عن رئاسة المجلس وترك مقعده لعبد الفتاح البرهان رئيس المجلس الحالي، بالإضافة إلى تلك الزيارة العجولة لبعض مكونات قوى الحرية والتغيير – والتي التحقت بالثورة في الأمتار الاخيرة للثورة – للمجلس العسكري جعلت المجلس يرى في عجلتهم تهافتاً يمنحه شرعية ضمنية كافية للمناورة على الأقل. فذهبت لجنة البشير الأمنية “المجلس العسكري” إلى اعتبار أن الثورة مشاع للجميع، بما فيها بقايا النظام السابق فيما عُرف بأحزاب “الفكة” التي صنعها نظام المخلوع التفافاً على التعددية.

فكانت هذه المشاعية هي العثرة الأولى في طريق العلاقة بين المجلس وقوى التغيير. وما أن لمس المجلس العسكري تصعيداً في الشارع احتجاجاً على التفافه الصريح على مطالب الثورة، حتى ذهب للتهدئة، معترفاً بقوى التغيير كقوى ممثلة للثورة، ومقيلاً بعض أعضائه ممن احتج عليهم الثوار لعلاقتهم الوطيدة مع أركان النظام السابق، وتقديم آخرين لا يعلم الناس عنهم شيئاً. لا يريد المجلس أن يقبض على أعضاء النظام السابق من عضوية حزب المخلوع ورموز نظامه،  ولا يريد أن يعرض صور من زعم أنه اعتقلهم. وتتواتر الأنباء – مع ذلك – عن هروب أحدهم كل يوم، بعلم وموافقة المجلس العسكري على أقل تقدير. لا يريد المجلس العسكري أن يسلم السلطة لقوى التغيير بل يسعى للإستفادة من حالة السيولة الحالية في بعث الروح في جثة النظام البائد، ولا أدل على ذلك من فك تجميد حسابات وأرصدة عدد من المؤسسات والشخصيات المعروفة بعلاقتها مع النظام البائد، والذي يواجه منسوبوه تهماً تتعلق بالفساد المالي من قبيل “منظمة الشهيد”، و”مؤسسة الدفاع الشعبي”، التي يدفع الثوار بعدم دستوريتها باعتبار ولوغها في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إبان الحرب الأهلية في جنوب البلاد قبل استقلاله.  فبعد تأكيد المجلس العسكري على التزامه بالحلف العربي أي إرسال الجنود السودانيين لحرب اليمن في الرابع عشر من أبريل قالت الإمارات في بيان للخارجية، إنها “تدعم وتؤيد الخطوات التي أعلنها المجلس العسكري الانتقالي في السودان، ووجَّه رئيس الإمارات، الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، بالتواصل مع المجلس العسكري الانتقالي، لبحث مجالات المساعدة للشعب السوداني. وأعلن ملك البحرين اليوم الأحد، تضامن بلاده مع الشعب السوادني ووقوفه إلى جانب “قرارات المجلس العسكري الانتقالي”. وفي السادس عشر من أبريل الماضي  أكد مجلس الوزراء السعودي، تأييده لما اتخذه المجلس العسكري الانتقالي في السودان، بحسب وكالة الأنباء السعودية، وقال وزير الإعلام السعودي، في بيان له “إن الملك سلمان بن عبد العزيز أصدر توجيهاته إلى جهات المعنية في المملكة بتقديم حزمة من المساعدات الإنسانية للشعب السوداني تشمل المشتقات البترولية والقمح والأدوية”.

الترحيب الخليجي بالعسكر في السودان لم يتوقف عند حد المساعدات الإنسانية مقابل استمرار تدفق الجنود السودانيين لحرب اليمن التي تقودها السعودية، بل هو لا يزال يمضي في محاولة إيجاد غطاء سياسي – وإن لم يكن يمثل إرادة الثورة – يحكم العسكر من خلاله. وفي هذا لا تألوا دول الحلف الخليجي جُهداً في استخدام بعضاً من رموز المعارضة المسلحة في ترجيح كفة العسكر خلال الفترة الإنتقالية، حفاظاً على الإتفاقيات “المُجحفة” التي أبرمتها مع النظام السابق، يتعلق بعضها بتأجير أراضي زراعية شاسعة بواقع دولار للفدان في العام ولمدة 99 عاماً، فضلاً عن المشاريع المتعلقة بالمواني السودانية، وحق إدارتها من جهات أجنبية. فنجاح الثورة السودانية هو أكبر فشل للخليج المتعطش للأرض والجنود السودانيين. وهناك مصر “السيسي” التي تخشى من فتح ملف الأراضي السودانية التي احتلتها في العام “2008”،  كعقوبة للمخلوع على محاولة نظامه اغتيال الرئيس المصري “حُسني مُبارك” في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا. فتخشى مصر “السيسي” من مطالبة السودانيين بأراضيهم بعد سقوط البشير الذي ظل خاضعاً لسنوات، للإبتزاز المصري على حساب أراضي بلاده.  يدفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بما يستطيع لمعاونة الحلف الخليجي في التمكين للعسكر في السودان، علاوة على ارتيابه من أثر الإلهام الذي يصنعه نجاح الثورة السودانية في جارتها الشمالية، والتي ما هي عن عهد الثورات ببعيدة.

المجلس العسكري يُسوف ويماطل، ويحاول إبراز قوى التغيير كقوى منقسمة على نفسها وبالتالي لا تتحلى بالمسؤولية للمشاركة في عملية الإنتقال، بل يمضي إلى الإنتكاس مرة بعد مرة حتى عن اتفاقيات كان قد وصل إليها مع قوى التغيير، والتي تضم طيف واسع من الأحزاب انتظمت في تحالفين هما تحالف قوى الإجماع الوطني وتحالف نداء السودان بالإضافة للتجمع الإتحادي المعارض وتجمع المهنيين وهو التجمع النقابي غير البعيد عن تحالف قوى الإجماع وتيار الإنتفاضة، والذي نجح في قيادة الثورة حتى عزل البشير، فقد ظلت أحزاب تحالف “قوى الإجماع الوطني” ثابتة على موقفها المعلن منذ تأسيسه في العام “2009”، وهو إسقاط النظام القائم عبر الإنتفاضة الشعبية، وتصفية مؤسساته، وإقامة البديل الديمقراطي الذي توافق عليه الجميع بمن فيهم أحزاب تحالف نداء السودان “في وقت لاحق” على إنفاذه في فترة انتقالية متن أربعة سنوات، تتولى الحكم فيها قوى التغيير لتصفية آثار النظام البائد. لكن أحزاب قوى تحالف نداء السودان ذهبت بعد ذلك إلى مواقف شتى، تراوحت بين مشاركة النظام في ما سمي بمشروع “الهبوط الناعم” المدعوم أمريكياً، أو بالدخول في جولة جديدة من انتخابات النظام البائد والتي حدد لها العام “2020 ” وهي انتخابات معلومة النتائج والمآلات. وعلى الرغم من تصريحات رئيس حزب الأمة ورئيس تحالف نداء السودان وقتها المستخفة بالثورة والتي تقدح في نجاعتها وجدواها، فقد انضم حزب الأمة من خلال أمانته العامة للحراك الثوري، لتتشكل قوى التغيير من هذين المكونيين، وتظهر بينها بعض التناقضات في المواقف سببه التفاوت في سقف المطالب عند مختلف هذه القوى بالإضافة للموقف الملتبس للإمام الصادق المهدي في انحيازه لحكومة مدنية كاملة الصلاحيات ومجلس سيادي مدني بتمثيل عسكري محدود حتى رأى البعض في ذلك مخاوفاً من قبل الإمام تتعلق بمحاسبة نجليه اللذين شاركا النظام السابق في جهاز المخابرات وفي منصب مساعد الرئيس البشيرحتى سقوطه. الصادق مؤخراً يجبر شركاؤه في قوى التغيير على انتخاب مجلس رئاسي لقوى التغيير مهدداً بالإنسحاب، في محاولة منه للهيمنة على قوى التغيير بغرض منح صلاحيات أكبر للعسكر في الفترة الإنتقالية ربما يحتاجها كرافعة له خلال الفترة الإنتقالية تدرأ عن نجليه المحاسبة إن تطرق لها طرف من الأطراف. وفي ذلك الطريق يسير نداء السودان الذي يتزعمه المهدي دون أن يتمكن من مفارقة قوى التغيير لوضوح المطالب فيها ومساندة الشارع المنتفض والذي لم يعد يرى من هو أكبر من أحلامه في تحقيق أهداف ثورته.

وبين هذا وذاك تمضي الثورة السودانية في وعر الدروب. قطوعات في إمدادات الماء والكهرباء ينفذها أذيال النظام السابق الذين ما زالوا متواجدين في كل مؤسسات ومرافق الدولة، تخريب في شبكة الإنترنت بمطار الخرطوم  تسمح بهروب شقيق البشير. والمجلس يركن لهذه السيولة الأمنية ويحاول أن يسوقها لقوى التغيير طمعاً في تنازلها فهو يتحدث عن أن خطر كتائب النظام السابق الخفية والمسلحة ما يزال قائماً، وتارة يتحدث عن مصادر التشريع في دستور لم يكتب بعد، وأن الشريعة الإسلامية لا بد أن تكون مصدراً للتشريع، يُصدر قرارات إحالة وتعيينات مؤقتة في مؤسسات الدولة، ويترك الباب موارباً لفلول النظام السابق. لكن هامش المناورة يضيق على المجلس المحاصر بمطلب الدولة المدنية من الثوار، ومن الأسرة الدولية، والإقليمية، لا سيما الإتحاد الأفريقي، ويبدو أن الأمر يتجه إلى تسوية ما استناداً على تكوين الهيئة القيادية لقوى التغيير، وما يمكن أن تحدثه من تقارب مع المجلس، وعلى الدرس الذي تعلمه المجلس العسكري حينما حاول أن يصنع لنفسه من أحزاب الفكة غطاء سياسياً وجمعهم في قاعة للتشاور فتناولوا بعضهم بالمقاعد والنعال.

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى