أعمدة ومقالات

المجلس العسكري .. لعل الله محدث من بعد ذلك أمراً!!

 

المجلس العسكري .. لعل الله محدث من بعد ذلك أمراً!!

لؤي قور

تكنهات كثيرة لازمت أحداث الثورة السودانية الدراماتيكية، بالغة الغموض. فعقب الإعلان عن سقوط “البشير”، وتنحي “إبن عوف”، الذي أعلن تعيينه لـ”عبد الفتاح البرهان”، كرئيس للمجلس العسكري الإنتقالي الذي ضم بدوره رجل مخابرات المعزول البشير “صلاح قوش”، رئيس جهاز الأمن والمخابرات، والمتهم بجرائم قتل المتظاهرين منذ اندلاع الثورة في ديسمبر من العام الماضي، بالإضافة لجرائم تتعلق بتعذيب المعارضين، وقتلهم تحت التعذيب. كان أبرزها جريمة اغتيال الطالب محجوب ، وجريمة اغتيال المعلم “أحمد الخير”، على طريقة “الخازوق” الأسطورية، إضافة إلى اتهامات تتعلق بالفساد المالي، وصناعة إمبراطورية استثمارات جهاز الأمن والمخابرات الإقتصادية. حيث ذكر البشير مرة مثنياً عليه أنه لا يطلب تمويلاً لتسيير أعمال جهاز الأمن والمخابرات، كما يفعل خلفه “محمد عطا المولى”، والمتهم بدوره بقتل حوالي “208” متظاهر في هبة سبتمبر المجيدة  في العام “2013”. بل أثنى البشير على أن قوش “يتصرف” من تلقاء نفسه.

لم يكن وجود “صلاح قوش” مقبولاً بطبيعة الحال من جماهير الثورة، باعتباره آخر من توقف عن قتل المتظاهرين، وضرهم بالهراوات، والغاز المسيل للدموع، وكان ذلك في السادس من أبريل المنصرم. وذلك على الرغم من حديث أعضاء المجلس العسكري عن أن جهاز الأمن و “قوش” تحديداً، هُم جزء من الثورة. حيث ساعد في نجاحها عبر الإمتناع عن إبادة المتظاهرين بحسب قرار أصدره البشير بقتل الثلث، بعد أن استبان جوازه على قاعدة المذهب المالكي، فتقدم قوش باستقالة “صورية” من المجلس، وقام بتعيين نائبه “جلال الدين” الذي تمت إقالته أيضاً ليحتل مدير استثمارات جهاز الأمن والمخابرات مقعد جهاز الأمن في “لجنة المخلوع الأمنية” – المجلس العسكري. لكن من الواضح أن “قوش” ظل يمارس مهامه كعضو في المجلس وشريك في الثورة. ولم تخلُ الساحة كذلك من محاولات فلول النظام البائد لإجهاض الثورة، وهي كتائب ظله، ومسلحيه في المؤسسات الحكومية، فضلاً عن العسكريين الموالين لهم في الجيش، بغرض زعزعة الأمن. كما تم الكشف عن عدد من محاولات الاغتيال استهدفت عضوية المجلس العسكري، فضلاً عن محاولات إنقلابية داخل الجيش. وغني عن القول أن فلول النظام البائد تمتلك عدد كبير من الأسلحة والعتاد العسكري، وهي على استعداد لوأد الثورة عن طريق إغراقها في الدماء. ولكل هذه المخاطر الأمنية يرى المجلس العسكري ضرور مشاركته في السلطة إلى حين، مؤكداً على أن جهاز الأمن والمخابرات الوطني هو من الداعمين والمشاركين في نجاح الثورة. واليوم يتحدث المراقبون عن خمسمائة شركة تتبع لجهاز الأمن، هي معفاة من الجمارك والضرائب، ولم تكن حساباتها تدخل في نطاق ولاية وزارة المالية على المال العام، فهي مصالح يسعى جهاز الأمن للمحافظة عليها، وضمان استمراريتها في الفترة الإنتقالية.

نائب رئيس اللجنة الأمنية – المجلس العسكري السوداني وقائد قوات الدعم السريع تحدث في مناسبة إفطار جمعته بعدد من الإدارات الأهلية السودانية مطلع الإسبوع الحالي ملمحاً بوضوح يصل درجة التصريح إلى ضرورة تقديم تنازلات من قبل “قوى الحرية والتغيير”، إذا “أرادوا” أن يتوصلوا لاتفاق مع العسكر، مُرسلاً تهديداً مبطناً أشار فيه إلى أن “سُكان العاصمة الخرطوم كانوا لا يقدرون نعمة الأمن، لكن بعد ما حدث في الثامن من رمضان فهم سيقدرونه بلا شك”. تصريحات قائد الدعم السريع تلك، تلتها محاكمة إعلامية عبر تلفزيون السودان، لشبان اتهموهم بضرب المتظاهرين في ميدان الإعتصام ليلة الثامن من رمضان، فقدموا إعترافات تثير الأسئلة أكثر ما تمنح جواباً، وكان معظمهم من إقليم دارفور، مما وضع علامات استفهام كبيرة عمن ضرب المتظاهرين “حقيقة”، وبعد أن أعادت تلك المحاكمة الإعلامية إلى الأذهان مسرحية النظام السابق، حول أن جنوداً من حركة عبد الواحد نور الدارفورية هم من يقف وراء الإحتجاجات في بداية الثورة، وجاءوا بشبان دارفوريين في محاكمة إعلامية شبيهة، فشككت هذه الحادثة كثيراً في نوايا المجلس العسكري تجاه الثورة والثوار. وشهد الإسبوع الحالي أخباراً عن جولة شملت عدداً من الدول منها “الإمارات” لرئيس جهاز مخابرات المخلوع “صلاح قوش”، متحدثاً باسم المجلس العسكري بلا شك، وباحثاً عن اعتراف بشرعية اللجنة الأمنية كمجلس لسلطة إنتقالية، يُسلم السلطة بعد عام واحد، إلى حكومة منتخبة. بينما يكسب المجلس العسكري في الداخل الوقت لرموز النظام البائد، يمكنهم من الوصول لأموالهم بلا صعوبة، ويُسهل هروبهم للخارج عبر المطارات والمواني، ويوفر الظرف المساعد على تدمير الملفات التي تدين نظامهم في كافة مرافق الدولة، والتي لا يزالون يسيطرون عليها بنسبة عالية. وتمد اللجنة الأمنية – المجلس العسكري حبل الود لرموز النظام السابق إنفاذاً لاتفاق غير معلن بين المجلس ومن يوالونه من رموز “المؤتمر الوطني”، ويسعى جاهداً لكسب الوقت ولو على طريقة “لعل الله محدث من بعد ذلك أمرا”. وما التعنت في الوصول لنتيجة في تفاوض اللجنة الأمنية – المجلس العسكري مع قوى الحرية والتغيير بالأمس القريب إلا وجه من وجوه المماطلة وشراء الوقت، وهي اللعبة التي برع فيها المجلس العسكري حتى الآن.

ومؤخراً برز وجود “قوش” في المعادلة السياسية السودانية جلياً، بعد أن أمرت النيابة العامة بضبطه وإحضاره على ذمة قضية فساد مالي، فهددت الحراسة القائمة على منزله من قوات جهاز الأمن والمخابرات بضرب وكيل النيابة ومرافقيه من الشرطة بالرصاص، بعد وصفهم بالكلاب. الشئ الذي أدى لزيادة المخاوف من أن يتم التعامل مع قضايا محاسبة قتلة الثوار بذات الطريقة، إن خلص الأمر للجنة المخلوع الأمنية في ثياب المجلس العسكري عبر التفاوض. تيقنت قوى الحرية والتغيير من عدم رغبة المجلس العسكري في تسليم السلطة بعد إصرار الأخير على ضرورة وجود العسكريين كأغلبية في مجلس السيادة، على أن يكون الرئيس عسكرياً لكامل الفترة الإنتقالية. وهو ما جاء على لسان المفاوض عن قوى الحرية والتغيير “صديق يوسف” في تصريحات صحفية عقب جلسة التفاوض الأخيرة، وعلا صوت الحزب الشيوعي السوداني رفضاً لعسكرة مجلس السيادة فأصدر بياناً عبر فيه عن ضرورة أن يكون مجلس السيادة بأغلبية ورئاسة مدنية. وتمضي الثورة السودانية – أكثر الثورات غموضاً – في طريقها، تتزايد التوقيعات في دفتر الثورة للتجمعات المهنية معلنة عن استعدادها لإعلان الإضراب العام، وأنهم رهن إشارة “تجمع المهنيين” و”قوى إعلان الحرية والتغيير” في الإعلان عن الإضراب حالما يتقرر. مبادرات وساطة خجولة للتوسط بين العسكر وقوى التغيير لم يلقي لها أحد بالاً. والثورة تمضي خلف شعاراتها، على الرغم من الغموض، والمماطلة من قبل اللجنة الأمنية، وتدخل أجهزة المخابرات السافر في الشأن السوداني، ورغماً عن أجهزة المؤتمر الوطني التي لا تزال تعمل علناً أو من خلف ستار على إجهاض الثورة، يمضي شعب السودان في هذا المخاض العسير بصبر وثبات وإصرار وعزيمة لا تلين، فهل تولد الدولة المدنية التي تحقق طموحات الشعب السوداني من رحم كل هذا الغموض؟

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق