أعمدة ومقالات

مهام المرحلة الانتقالية القادمة وحقوق الإنسان

الشريف علي الشريف محمد* 

(1)

إن الغرض والمعنى لكل حراك وثورة يكمن في ندائها للحرية، العدالة وبناء دولة حكم وسيادة القانون، والمعنى الحقيقي للدولة هي تلك التي تحمي وتعزز من احترام حقوق الإنسان. ولم تكن الثورة السودانية ثورة نخبة وإنما ثورة شعبية شملت كل فئات المجتمع، من كل أطراف، أرياف، قرى ومدن السودان، وشعاراتها من: “حرية، سلام وعدالة” و”يا العنصري المغرور… كل البلد دارفور” و”مدنية مدنية” جاءت كتعبير حقيقي لما واجهته من كافة أشكال الاستبداد من قبل حكومة الجبهة الإسلامية في تمرحلها التاريخي، ثورة قدنها النساء الكنداكات وهن من كن ضحايا التمييز على أساس النوع من قبل سياسات الإسلام السياسي، صنعن التغيير وكنّ سلاح الثورة.

الفترات الانتقالية تواجهها العديد من التحديات العسيرة لتطبيق شعاراتها على أرض الواقع، وهذا شيء طبيعي عند حدوث التغيير في أي مكان في العالم، ونحن في السودان ليس بمعزل عن دول ما بعد النزاعات والثورات في محيطنا الإفريقي المشابه، حيث واجهت التغييرات السياسية العديد من الصعاب التي أعاقت طريقة تقدمها، ولم تصمد بعض تلك الدول أمام تياره من أجل الحصول على التغيير الحقيقي، والناجي الوحيد من وأد ثورتها كانت دولة تونس؛ وقد نجحت بسبب بصيرة قادة التغيير وامتلاكهم للرؤية الثاقبة، والتي تمثلت في أهداف الثورة وشعاراتها في خارطة طريق محددة ومبلورة نفّذتها رباعية التغيير في تونس والتي قد كُرِّمت لاحقاً بحصولها على جائزة نوبل للسلام.

إن الفترة الانتقالية السودانية -بكل تأكيد- تواجه ملفات عديدة، ملحة ومعقدة والحكومات الانتقالية في السودان وعلى مر التاريخ قد واجتها صعوبات ساهمت في إفشال مسارها لتحقيق أهدافها، ونأمل ألا يعيد  التاريخ  نفسه -رغم  اختلاف العوامل التاريخية، والتي هي الآن تصب كلها في صالح الانتقال، لكن يجب على قوي التغيير أن تأخذ في الاعتبار حجم الأزمة والتي بالتأكيد يمكن معالجتها، ونعلم أنه من الصعب صنع معالجة جذرية لجذور الأزمة السودانية بين ليلة وضحاها واضعين في الاعتبار حجم تركة  النظام السابق.

 يمكننا بسهولة تجاوز كل الصعوبات إذا فهمنا أن كل القضايا مترابطة بعضها ببعض، ترابطاً يجعل منها نسيجاً متجانساً أساسه حماية وتعزيز حقوق الإنسان، باعتباره حجر أساس بناء  أي  دولة حديثة تحترم حكم وسيادة القانون. وإن أكبر تحدي حالياً هو كيفية تطبيق حقوق الإنسان في عموم السودان، بالاستفادة من تجارب الماضي، وليس ببعيد ما قاله الراحل المقيم جون قرنق في الفترة الانتقالية الماضية عندما أشار إلى إن تحديات الانتقال السياسي هي” تحديات  الجبال”، وخاصة فيما يتعلق ببناء دولة مدنية تقوم على المواطنة واحترام حقوق الإنسان.

إن المعضلة ليست في عملية اقتسام السُلطة “الكعكة” وتوزيعها، لأن من السهولة الوصول إلى معادلة مُرضية تؤدي إلى اقتسام السلطة مهما كانت حدة الأطراف المتنازعة، لكن التحدي الأكبر هو القدرة على بناء دولة المواطنة وتبنِّي استراتيجية شاملة لحماية وحقوق الإنسان.

إن عمليه تعزيز حقوق الإنسان وإصلاح الجوانب التشريعية السودانية ليست برفاهية؛ وانما هي الأساس في بناء دولة حكم وسيادة القانون بكل مؤسساتها، وهي حلم جميل لطالما راود  الكثير من السودانيين منذ الاستقلال، وهو نفس الحلم الذي يجعلها من أكبر التحديات في الفترة  القادمة. إن برنامج قوى الحرية والتغيير في السودإن يتضمن كثير من الإصلاحات في شتى الجوانب ولكن حماية وتعزيز الحقوق لا تقل أهمية عن كافة قضايا المرحلة الانتقالية، إذ لا بد من الأخذ في الاعتبار أن ضرورة تحقيق السلام في فترة الستة أشهر الأولى، وقضايا المصالحة وإصلاح الأوضاع الاقتصادية، وقضايا التعليم والبناء؛ لا يمكن معالجتها دون تحقيق دولة العدالة وفصل السلطات واحترام حكم وسيادة القانون. مفكرة الفترة الانتقالية مزدحمة بكثير من الأجندة المهمة والصعبة -إن لم تكن “المستحيلة” وذلك نسبة لتعقيداتها وتشعباتها، لكن إن لم نستثمرها جيداً فقد تضيع علينا فرصة ذهبية في علاج أمراض ما بعد الاستقلال المزمنة، لذا يجب علينا العمل بسرعة تمكننا من تجاوز عهود من التخلف والقمع.    

 (2)

إن الوضع التشريعي في السودان ليس متقدماً مقارنة ببعض الدول الإفريقية -والحديث هنا ليس عن الدول الغربية- ولا نريد أن نتباكى على اللبن المسكوب، لأنه يمكننا العمل على الإصلاح من هذا المنعطف التاريخي والذي هو بمثابة استقلال وميلاد جديد للأمة السودانية قد يُخرجنا من دائرة:  “انقلاب، ثورة وديمقراطية”.

يجب أن تحسن قوى الحرية والتغيير وضع  شراكتها مع  المجلس العسكري في الإطار السليم واغتنام هذه الفرصة للتغيير باعتبارها فرصة بناء تاريخية، فقد مرّ السودإن بالعديد من الفترات الانتقالية ودفع فيها السودانيون ثمناً باهظاً لعدم تبني سياسية واستراتيجية واضحة لحماية حقوق الإنسان في السودان وقتها،  ولا تخفى علينا الفترة الانتقالية التي لم نستطع فيها إعادة النظر في قوانين سبتمبر 1983، وأيضا انتفاضة أكتوبر 1964 التي لم نتمكن فيها من بناء سودان جديد، وانتهت الديموقراطية بطرد نواب حزب سياسي من البرلمان دون أدنى احترام لحرية التنظيم على الرغم من انها كانت ديموقراطية بعد انتفاضة شعبية.

وتجربة “نيفاشا” الانتقالية ليست ببعيدة والتي شهدت دعماً لم تحظى به مرحلة انتقالية من قبل، ولكن للأسف تبعثر وضاع المجهود الذي لم يفلح حتى في المحافظة على وحدة السودان بحدوده المعروفة سابقاً. ضاعت علينا فرصة التغيير من 2005 إلى 2011 رغم توفر كل الشروط لفعل ذلك، ولا ننكر أن هناك بعض الإيجابيات في تلك الحقبة والتي تمثلت في وضع الدستور الانتقالي عام 2005، والذي على الرغم من إيجابيته فقد ظل حبيس أدراج المحكمة الدستورية، ولكن تستخدمه حكومة السودان كتبرير أمام المحافل الدولية إلى أن حقوق الإنسان مصانة وفقاً لدستور البلاد الانتقالي.

 هذا الدستور الانتقالي لم  يغير كثيراً بقدر ما خلف وخلق  معضلة  في الممارسة والتطبيق؛ حيث حصر حقوق الإنسان فقط  كحق دستوري وتخضع للمحكمة الدستورية، كما وفشلت أيضاً المحكمة الدستورية في النظر إلى العديد من الدعاوي المتعلقة بحقوق الإنسان، متحججة بعدم اكتمال دائرة التقاضي، خلافا لشطبها في مرات كثيرة  للعديد من الدعاوي الحقوقية القوية. وحتى إن حدث غير ذلك فستقابل الضعف وعدم احترام وتنفيذ  أحكام المحكمة الدستورية، وخير برهان على ذلك  قراراتها حول  قضايا النشر وحرية التعبير، مثل قضية صحفيه التيار التي لم تجد أدنى احترام من قبل قوات جهاز الأمن الذي ظل  يتجاوز أحكام المحكمة الدستورية وجعلها حبسية ادراج المحكمة.  لم تحقق “نيفاشا”  طموحات  الشعب ولا المجتمع  الدولي، خاصة في الجانب التشريعي، ولم تقدم حكومة المحاصصة السياسية بين حزبي الحركة الشعبية وبين المؤتمر الوطني أي خطوات حقيقية وفعالة لتعزيز حقوق الإنسان في السودان، إذ لم تصادق حكومة السودان في فترة  “نيفاشا” على أي اتفاقية، وكإن الإنجاز الأوحد هو الدستور الانتقالي لكن “قضايا نيفاشا” ما تزال حاضرة في المشهد السياسي بسبب غياب الرؤية الإستراتيجية والعزيمة السياسية.

 (3)

خلافا لكل الفترات الانتقالية فإن انتفاضة أبريل 1986 قد أحدثت أهم الفترات الانتقالية في تاريخ السودان الحديث، ففي تلك الفترة صادقت حكومة السودان الانتقالية على أهم اتفاقيتين لحقوق الإنسان وهما: العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وظل ذلك من أهم إنجازات تلك الفترة الانتقالية، والتي لعبت دوراً هاماً في تعزيز حقوق الإنسان حتى الوقت الراهن، وظل منتوجها سيفاً مسلطاً على عنق نظام الإنقاذ طوال فترة الثلاثين عاماً الماضية؛ حيث لم تستطع أن تنسحب منه، واعتبرت الضامن الأكبر لحقوق المواطنين السودانين، لكن للأسف لم تشكّل ضماناً في التشريعات الداخلية بالسودان وإنما تمثّلت فقط في شكل وسيلة ضغط خارجية على حكومة السودان أمام كافة الأجسام الدولية لحقوق الإنسان. لكن قرارات مجلس حقوق الإنسان كانت خير دليل على دور تلك الاتفاقيات عندما تم وضع السودان لعدة أعوام تحت البند الرابع في مجلس حقوق الإنسان “الوصاية والرقابة”، وأيضاً أمام قرارات لجنة الشكاوى الفردية بمجلس حقوق الإنسان، والعديد من الانتقادات ضمن منظومة التقرير الدوري الشامل، حيث لم تستطع حكومة السودان الهرب من أفعالها مثل منعها للمدافعين عن حقوق الإنسان من المشاركة في جلسات لمجلس حقوق الإنسان ومن أبرزهم “صديق يوسف، صالح محمد ومعاوية شداد” وليست مصادفة أن إثنين منهم الآن يفاوضان المجلس العسكري ويعملا على تحقيق التغيير، وأتمنى ألا تكون ذاكرتهما كذاكرة الماء، فالثمن الذي دفعاه من اعتقال ومنع من السفر وغيره يجب أن ينعكس في رؤية واضحة وشاملة لحقوق الإنسان.

إن أهمية المصادقة والانضام لعدد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ليست رفاهية، خصوصاً أن هناك مجموعة من هذه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان لم يصادق عليها السودان حتى الآن، لذا يجب على الحكومة الانتقالية الإسراع بالمصداقة الفورية عليها، وبعض الاتفاقيات التي يجب على السودان أن يكون طرفاً فيها -على سبيل المثال وليس الحصر، لأن هناك ثورة تشريعية عالمية لا يزال يتحتم علينا اللحاق بها، أولاً اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، ثانياً الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. هاتين الاتفاقيتين من أهم الضمانات الدولية والتي سوف تصبح فيما بعد التزامات دولية، وستكون ضامنا لحقوق المواطن السوداني أمام أي سلطة منتخبة في المستقبل، فالمصداقة عليهما سيسهل في تنقيح  القوانين القمعية، بما فيها  قانون جهاز الأمن الوطني والشرطة والقوات المسلحة، وسيكونان ضامناً لحرمة التعذيب.

إن هذه الثورة قامت على دماء وأكتاف وتضحيات ضخمة من اعتقال ، تعذيب، سوء معاملة وحتى القتل داخل المعتقلات كالأستاذ محمد خير، وعليه يجب أن يكون رد الجميل لهؤلاء بالمصادقة على هذين الاتفاقيتين على الأقل لعدم  تكرار مسلسل التعذيب الذي ظل متوصلاً طوال فترة الثلاثين عام السابقة. كما أن تضحيات النساء والكنداكات وتعرضهن لبطش قوانين تعسفية بهن تحض من كرامتهن، وعليه فإن القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة هو اليوم من أولويات المرحلة الانتقالية، ولن يتم القضاء على العنف ضد النساء والتمييز دون وجود استراتيجية تبدأ من التشريع والتي يجب أن يكون عماده المصادقة على اتفاقية “سيداو”. وكما هو معروف فإن وثيقة الحقوق الدولية للنساء “سيداو” قد صادقت عليها العديد من الدول الإسلامية وإن كانت قد أبدت  بعض التحفظات على هذا الاتفاقية؛ إلا أنها انضمت  لها، وهو ما يؤكد أنه ليس بها أي  تجاوز لقيم الإسلام، والمصادقة عليها سيكون من أحد التحولات الإيجابية لحقوق المرأة في السودان.  

ومن القضايا العاجلة التي لا تقل أهمية عن الأخريات خاصة بعد استقلال جنوب السودان هي حالات انعدام وفقدان الجنسية، وذلك لأن العديد من أبناء السودان فقدوا جنسيتهم بسبب التعسف السياسي، وعليه بما أن السودان لم يصادق حتي الآن على اتفاقية  1954 بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية واتفاقية 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية، وهي صكوك قانونية رئيسية تحمي الأشخاص عديمي الجنسية حول العالم، والعمل على خفض عدد الحالات، وهما الاتفاقيتان الدوليتان الوحيدتان من هذا النوع، والسودان لم يكن طرفاً فيها وهو ما يجب إعادة النظر فيه والشروع في المصادقة.

إن أوضاع الحريات الدينية تحتاج لتشريع يحميها في السودان، لأن هناك تيار سلفي متطرف رضع من ثدي هذا  النظام السابق، و ظل يعمل على نشر خطاب الكراهية  ودعم التمييز على أساس الدين، وهي واحدة من التيارات الدخيلة على سماحة السودانيين المعروفة، وبدأ خطاب الكراهية والإقصاء بالحروب الدينية والدعوة للجهاد في جنوب السودان وجبال النوبة وانتهاء بخطابٍ يحضّ على حرق معرض الكتاب المقدس في الجامعات السودانية. يجب تضمين كل المكونات الدينيات في السودان بما فيها المسلمين باختلاف الطوائف والمذاهب، والمسيحيون  باختلافاتهم، وأن تقف  الدولة موقف الحياد من كل طرف وأن تعمل على تقديم العون لهم جميعاً، ويكون هدفها الأول الحماية والتعزيز والاحترام دون أي نوع من أنواع  التمييز. لذا علينا في المرحلة الانتقالية أن نتبنى قانوناً للحريات الدينية، مثلنا  مثل العديد من الدول التي لها قانون  خاصة بالحريات الدينية في بلدانها؛ يحمي الحريات الدينية ويحمي جميع الطوائف الدينية وغير المتدينين.

في عهد القمع السابق نشأت حركات حقوقية قوية كانت قادرة على فضح عسس السلطة وعسفها، ولعب المجتمع المدني دوراً كبيراً في تعزيز حقوق الإنسان، لذا يجب على الحكومة الانتقالية عقد المشاورات والحوار مع المجتمع المدني والحركات الحقوقية من أجل وضع خارطة طريق حقوقية واضحه ومحددة بجدول زمني.

(4)

إن العلّة الحقيقية لتطبيق حقوق الإنسان على أرض الواقع، تكمن في غياب قانون خاص  بحقوق الإنسان في السودان، وبما أننا الآن في فترة تحتمل وتصنع التغيير وبما أن المعضلة معروفة وهي غياب نص قانوني خاص بحقوق الإنسان في السودان من ضمن القوانين؛ ليه يجب تشريع قانون حقوق الإنسان ليكون قانوناً ملزماً  مستمداً من وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي السابق وهو بالطبع ليس محل خلاف بين كافة الأطراف، مما سيساعد كثيراً في تعزيز وحماية حقوق الإنسان وسوف يحل بشكل قاطع جدلية النظرية والتطبيق.
إن  تحويل حقوق الإنسان من وثيقه حقوق فقط في  الدستور إلى قانون خاص مطبّق ونافذ ليست بالفكرة الجديدة؛ وإنما هي  تجربة مطبّقة وناجحة تماماً في المملكة المتحدة وبعض البلدإن الغربية “ذات السمعة العالية في مراعاة حقوق الإنسان” حيث ظلّ التشريع الخاص بحقوق الإنسان ضامناً كبيراً لتطبيق حقوق الإنسان وعلى الرغم من أن تلك الدول ليست لها أي حوجة  لتشريع خاص بحقوق الإنسان طالما أنها ترعي هذه الحقوق لكن يأتي تشريع  القانون هذا للتأكيد على حماية واحترام كرامة الإنسان.

إن تبنّي المقترح بالقانون الخاص بحقوق الإنسان لن يكون معضلة كبيرة أو يواجه اعتراضاً؛ طالما أننا نود تبنّي دولة المواطنة وحقوق الإنسان، لأنه من أهم شعارات الثورة التي دفع المواطنون ثمنها غالياً في زمن القمع، وأيضاً الأحزاب في قوى الحرية والتغيير، والتيارات الإسلامية الأخرى التي تدعو نفسها إلى قيم الحرية والعدالة، ولا حتي فلول المؤتمر الوطني الذين هم في حوجه ماسّة لأن تصان حقوقهم حيث يضمن لهم القانون محاكمات عادلة. إن قانون حقوق الإنسان المقترح  لن يكون حصراً فقط على إدارة العدل من اعتقال ومحاكمات، بل يتعداها ليشمل قطاعات أكبر ويساهم في تمتع السودانيين بمعظم الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. كما يساهم في تقديم السلطات العامة العاملة في  مجال الخدمات، والسياسات العامة وبعض الحقوق الثقافية.  

(5)

رد الجميل لوقفة المرأة السودانية في صمودها وتضحياتها في  الحراك الأخير والانتفاضة؛ يجب أن يكون -على الأقل- بسنّ وتشريع قانون خاص يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة يسمي “قانون الكنداكة”، يهدف هذا القانون إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة القائم على أساس التمييز بين الجنسين من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية، وذلك باتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكاله بالوقاية وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهم، ويشمل هذا القانون كل أشكال التمييز والعنف المسلّط على المرأة من كل مرتكبيه.

إن إعلان قوى الحرية والتغيير نصّ بشكل واضح على العمل على تمكين المرأة السودانية ومحاربة كافة أشكال التتميز والاضطهاد التي تتعرض لها، فقد دفعت المرأة في مناطق النزاعات بدارفور، جبال النوبه والنيل الأزرق وحتي الأرياف السودانية الكثير من التضحيات الكبيرة نتيجة للعنف الممنهج، وتعرضت لأبشع أنواع الاغتصابات على مدار السنوات السابقة، وظل الإفلات من العقاب هي الصفة السائدة، ولم تتم محاسبة أي شخص نتيجة ذلك. وهناك أيضاً العنف المنزلي والاجتماعي والقوانين التي تعمل على التمييز الاجتماعي بين النساء والرجال، ومواضيع مثل حقوق النساء في قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق والأسرة، وأيضا قانون النظام العام سيء السمعة و المعروف عنه احتقار النساء ومضايقتهن بالمحاكمات. وعلينا في المرحلة الانتقالية ليس فقط الإصلاح القانوني وتنقيح القوانين القديمة بل استخدام اقوي طرق الإصلاح القانوني وهي العمل على تشريع قانون جديد -الكنداكة- لحماية النساء ووضع حد للتمييز والانتهاكات جميعها ووضع حد نهائي لها. إن تشريع قانون الكنداكة لهو ضرورة ملحّة لبناء سودان يحترم التنوع و يسع  الجميع مع اختلاف النوع الاجتماعي  ويعمل على  المساواة بين الجميع،  ويساعد في تطور المجتمع السوداني.

(6)

مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات أصبح مرتبطاً بموضوع العدالة الانتقالية في الدول التي تمر بمرحلة ما بعد النزاعات، وهي شرط من شروط أي انتقال سياسي حقيقي، ولا تقل أهمية عن الأمن والسلام، ولن يتم العبور والانتقال ما لم تستصحب المرحلة القادمة ضرورة المحاسبة والعدالة الانتقالية.

إن ما حدث في الأسبوع الأول من رمضان وضّح أن  المجلس العسكري “لجنة البشير الأمنية” لم تعي ضرورة الانتقال وضريبته والمسؤولية ومبدأ المحاسبة؛  فما  حدث في الثامن من  رمضإن  يوضح أن ثقافة  الإفلات من العقاب هي الثقافة السائدة حتى اليوم وهو ما سيشكّل تحدياً كبيراً في الفترة الانتقالية.  لأننا لن نستطيع تأسيس دولة المؤسسات إن كانت هناك مجموعة مستثنية من العقاب. وما حدث في  دارفور، النيل الأزرق، شهداء  28 رمضان، مجزرة  العيلفون، وشهداء وضحايا  ديسمبر 2019، وشهداء سبتمبر  2013،    كلها  قضايا  محل نظر ويجب ألا  ندفن رؤوسنا في الرمال،  وألا يتم الانتقال بالافلات من العقوبة وإعادة  ثقافة “عفى الله عما سلف” والتي ظلت حاضرة منذ استقلال السودان.

هناك خطأ مفاهيمي حول مبدأ المحاسبة من بعض قيادات القوات الأمنية السودانية المختلفة  بما فيها قوات الدعم السريع، حيث يعتبرون أن الغرض من هذا المبدأ هو النيل من سمعتهم، ناسين أو متناسين أن بناء قواتهم يجب أن يكون على سمعة جيدة قائمة على المحاسبة وحكم وسيادة القانون. وأنه لن يضير بسمعة  أي فصيل من  القوات إذا هي خضعت  للمحاسبة ـ  باعتبار أن العاملين بها  بشر يخطؤون ويصيبون مثلهم مثل غيرهم من  البشر، بل وأثبتت التجارب في بلدان ما بعد النزاعات أن مجرد خضوع أي قوات للمحاسبة يحسب لها وليس عليها، وقد تجلى ذلك بوضوح عندما قبل الشارع السوداني وقابل بالإيجاب موقف قوات الدعم السريع والجيش عندما شعر بالمسؤولية ورفض  قمع المتظاهرين السلميين وفض الاعتصام بقوة السلاح.

إن تجارب العدالة الانتقالية الناجحة في إفريقيا باعتبارها القارة صاحبة القدح المعلى، في طرق العدالة التقليدية غير الجنائية في كلٍ من جنوب إفريقيا، المغرب ورواندا، والتي على علاتها كانت تجارب ناجحة ساهمت في ترسيخ مبدأ المحاسبة على اختلاف درجاتها وتنوع أشكالها فإنها قد وجدت القبول، وعلى  الرغم من  الانتقادات  التي طالتها  نجدها  شكل من أشكال  المحاسبة وتضع  المسؤولية على مرتكبيها مع تفاوت العقوبة؛ من اعتراف، كشف حقيقة، مصالحة أو عفو، لكنها بلا شك ساعدت على الانتقال إلى مرحلة جديدة في حياة تلك الشعوب، وكإن واضحا  دور مفوضيات الحقيقة والمصالحة او حتى المحاكمات الجنائية المختلطة في تلك البلدان، وأثراً  كبيراً في عبورها إلى رحاب الحرية والديمقراطية.

لابد من الإشارة إلى أن العدالة الانتقالية من الموضوعات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدي استقلال القضاء،  حيث للقضاء دور مكمل و متزامن مع فعل المحاسبة. وعليه إن الضرورة الآن أيضاً مطلوبة لإصلاح القضاء ولا يتم ذلك بتغيير الرؤوس الكبيرة فقط مثلما حدث بتعيين نائب رئيس الجهاز القضائي بل العكس هو الصحيح إذ يجب العمل على مراجعة تكوين الجهاز القضائي بشكل كامل.

(7)

إن معظم  القوانين السارية الآن هي في الأساس صنيعة مشروع وفلسفة الجبهة الإسلامية القومية، وتمثلت في كل التشريعات التي  أصبحت سارية المفعول منذ التسعينات، مثل القانون الجنائي، قانون الأحول الشخصية، قانون الامن وغيرها من القوانين السارية حتى تاريخ اليوم، والتي لم يكن مصدرها -بالطبع- المعايير الدولية  لحقوق الإنسان، وإنما شرعت فقط لتحقيق أحلام عرّابها حسن الترابي وزمرته في بناء دولة إسلامية، مستنداً على أكثر من مدرسة من مدارس الشريعه الإسلامية، وكل ما يتسق مع رغباتهم ويعزز من تحقيقها.

وإذ نظرنا إلى مجموعة من القوانين مثل قانون الأمن الوطني وسلطات جهاز الأمن الوطني والمخابرات والذي يمنح سلطات واسعه لأفراده،  وأزال تمتعهم بالحصانة الكاملة كل الحدود، فشرع لهم سوء المعاملة والعنف، وصولاً  لمرحلة القتل داخل المعتقلات. يعمل الجهاز بثقافة أحادية إقصائية تعمل على التمييز بين السودانين أنفسهم، وهذا طبيعي ونتيجة حتمية لغياب معايير حقوق الإنسان، وخير دليل على ذلك اعتقالات طلاب دارفور وبعض الناشطين من أقاليم السودان المهمشة؛ حيث تعرضوا لمعاملة مغايرة لرفاقهم في السجون، و لم يتم اطلاق سراح بعضهم كما تم إطلاق المعتقلين الآخرين إلا بعد الضغط المكثف من قيادات تجمع المهنيين على الملجلس العسكري.

بغض النظر عن مبرر عدم حل جهاز الامن الوطني أو الدعوة إلى  إعادة هيكلته؛ تبقى عدم شرعية إنشائه من الأساس نقطة يجب الالتفات إليها، ويجب ألا نرضخ للمساواة الرخيصة للمجلس العسكري بالإبقاء على جهاز الامن عنوة “كسر رقبة”. من يطالب بأن يكون للجهاز دور مستقبلي عليه أن يدرك أن عقيدة  أفراد هذا الجهاز لا تصلح لأن تكون نواة  لجهاز حديث،   فهم لم يتم تعيينهم بناءً على المؤهلات أو الحقوق والواجبات،  لذا فإن أي دور مستقبلي يجب أن يكون وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومتوافقاً مع القيم المهنية التي تحترم الكرامة الإنسانية.  

(8)  

إن موضوع حرية التنظيم والتجمع من الحقوق المهمة التي يجب أن تكون محل اهتمام الحكومة الانتقالية ونحتاج لتأكيدها في الفترة القادمة، وهي مرتبطة بمفوضية العون الإنساني وقانون العون الإنساني، وهو من القوانين التي يجب إعادة النظر حولها، فهل نحن في حاجة لوجودها؟ ولقانون ينظم العمل الإنساني والطوعي؟ وهل هي فعلاً تعمل على تنسيق العمل الإنساني؟. إن مفوضية العون الإنساني  لا  تعمل على تقديم  المساعدة ولا على  تشجيع  وتطوير العمل الإنساني بل العكس تماماً؛ فهي من مؤسسات ظلت تعمل طوال العهود السابقة على إعاقة تقديم أي عون. وظلت مفوضية العون الإنساني بقانونها أكبر عائق أمام تقديم المساعدات الإنسانية ، والدليل على ذلك دورها الأمني القذر المبني على استراتيجية ووضع العراقيل أمام تقديم المساعدات الإنسانية في إقليم دارفور، النيل الأزرق وجبال النوبة، حيث ظلت تمنع كل المنظمات الدولية من تقديم المساعدة، كما لا ننسى قيامها بطرد المنظمات لاإنسانيه الدولية عقب قرار اتهام الرئيس المخلوع عمر البشير، وقيامها بطرد جميع المنظمات التي كانت تقدم خدمات إنسانيه ضرورية للنازحين. ومن الأدوار التي شاركت فيها وما زالت تقوم بها: الحصار والتضييق فى عمل المنظمات الوطنية، ظلت المفوضية ترفض تسجيل المنظمات بصورة تعسفية، وكان لها دوراً كبيراً في حل  العديد من المنظمات الوطنية وتضييق عمل المنظمات الأجنبية ومنعهم من تقديم المساعدات للنازحين، وتقييد منح الفيزا للموظفين الأجانب للسودأن أو تجديد الفيزا لهم وأيضاً تدخلها في تحديد برامج المنظمات ومشاريعها. الوضع الراهن  لا يسمح بوجود منظمات أمنية  مثل مفوضيه العون الإنساني “هاك”،  وإن قسم التسجيل بالمفوضية يتبع فعلياً لجهاز الأمن الوطني لذا يجب إعادة  النظر ومراجعة قانون  العمل الإنساني وقانون ودور المفوضية مراجعة شاملة.  

لأنه ليس من المنطقي استخدام نفس معاول الهدم في عملية البناء؛ لا بدّ لنا من إعادة تشكيل جميع المؤسسات الحكومية وتعيين الشرفاء من بنات وأبناء بلادي من أجل بناء سودان جديد، تسوده الحرية، السلام والعدالة.

*محامي – عمل كمسؤول حقوق الإنسان بالامم المتحدة في “جنوب السودان و العراق و تونس و ليبيا”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق