أعمدة ومقالات

جعفر عباس يكتب: المجلس العسكري معذور

انتهت أمس الأربعاء 3 يوليو، جولتان من المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري بلا نتيجة، لأن العسكر يصرون على أن تكون رئاسة المجلس لهم طوال الفترة الانتقالية (وليست دورية كما في الاتفاق المبدئي حول هذا الأمر)، وواقع الأمر هو أن العسكرتاريا في وضع حرج، ليس فقط لأنها بلا سند شعبي (وكل ذي عقل في مجلسهم يدرك أن الاستعانة بسماسرة المواكب والتحشيد، والإدارة أهلية الافتراضية للحصول على تفويض، محض تهريج)، ولكن لأنها في ورطة حقيقية من صنعها، فقد سلمت رقبتها لقوات الدعم السريع، التي صار قائدها الفريق أول حميدتي، الرمز الأبرز لمجلس العسكر، ويتصرف ويتحدث وكأنه يمثل كتلة ثالثة في المشهد السياسي الحالي، الى جانب قوى التغيير والمجلس
والتوافق بين المجلس العسكري وقوى التغيير، يعني أن حميدتي سيكون على أحسن الفروض مجرد عضو “عادي” في مجلس السيادة، مما يتعارض مع طموحاته البادية في أن يكون هو الراس الكبير، أو نائب الراس الكبير، ولكن بصلاحيات أكبر من صلاحيات الرأس الكبير كما هو حاله في المجلس العسكري حاليا، حيث يتمتع ب”بروفايل” أعلى من ذلك الذي يتمتع به عبد الفتاح البرهان، الرئيس الرسمي للمجلس
وحتى لو قبلنا ب “الجخ” الفارغ بأن قوات الدعم السريع ولدت من رحم القوات المسلحة، فإن ذلك يعني أنها الابن العاق، لأنه ما من شخص في القوات المسلحة مهما علت رتبته لديه سلطة او كلمة على تلك القوات، ولهذا أحسب أن عقدة الدعم السريع وحميدتي هي التي تجعل مواقف المجلس دائمة التذبذب، فالورطة التي تواجه المجلس هي: هل يقبل حميدتي بالتهميش، ولو على خفيف، بعد أن سلمه أعضاء المجلس زمام معظم أمور البلاد فصار يتصرف ويتحدث وكأنه وبمفرده “الحكومة”؟ وهب أنه قبل بتلك الدرجة من التهميش، ماذا عن مصير قوات الدعم السريع؟ هل تظل جيشا موازيا بقيادة منفصلة؟ وهل من الممكن فعلا دمجها في القوات المسلحة؟ هل من الوارد أن يقبل كبار الضباط فيها تجريدهم من رُتبهم التي حصلوا عليها بما يخالف أصول وقواعد منح الرتب في القوات النظامية؟ وهل يقبل جنودها العمل في القوات المسلحة بشروط الخدمة المعمول بها فيها وراتب الجندي “الدعامي” أعلى من راتب الملازم في الجيش النظامي؟ هذه عقدة “يحلها الحلّ بلة”
والأمر الآخر الذي يجعل مجلس العسكر عاجزا عن التوافق مع قوى الثورة، هو أمر التحقيق الذي ستعقبه محاكمات في مجزرتي 8 و29 رمضان، فهناك اعتراف شمس الدين كباشي بتورط المجلس والقوات النظامية والأمنية فيها، وهناك ضحايا وشهود عيان أحياء على الجريمة، وحتى الأدلة الظرفية تشير الى أنه ما كان ممكنا ارتكاب جريمة بتلك البشاعة على مداخل القيادة العامة للجيش دون أن تعلم بها قيادة الجيش، التي هي المجلس العسكري
والشاهد هو ان المجلس العسكري س”يعترس” ويعرقل أي مبادرة تجعله مجرد شريك في الحكم، فلا سبيل أمامه للمخارجة من مأزق الدعم السريع والمحاكمة الا بالحصول على سلطة عليا في مجلس السيادة المرتقب، تتيح له حق له نقض/ تعطيل قرارات مجلس الوزراء والبرلمان، وقوى التغيير لا تملك صلاحية التنازل عن دماء الشهداء، فالدم الأحمر خط أحمر، ومليونية أربعين شهداء رمضان يوم السبت 13 يوليو يجب أن تظل قائمة حتى لو تم ابرام اتفاق كامل وشامل حول السلطة المدنية الانتقالية، بل سيبقى يوم 3 يونيو يوم حداد وطني في روزنامة السودان على مر الزمان، ومن المؤكد أن يوم 13 يوليو سيشهد مواكب يتضاءل أمامها موكب 30 يونيو، وسيشكل لطمة قد تجعل المجلس يفيق من هلاويس غطرسة القوة، ويقبل الشراكة الرمزية في السلطة المدنية، بعد تقديم كباش فداء “يفتدونه” في أمر المجزرة
وبالتالي فالمجلس العسكري معذور بالمعنى الدارج للكلمة في السودان عندما نقول إن “فلان معذور”، أو “عضير” كعادتنا في قلب الذال ضادا كما في “ذنب= ضنب”، بمعنى أنه فاقد الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح وسلوك درب السلامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى