أخبار

بين العسكر والمدنيين .. عراقيل تهدّد بتفجير الاتفاق في السودان

ما هي فرص نجاح الاتفاق الذي وقعته المعارضة مع المجلس العسكري في السودان؟ وكيف تدخلت القوى الأجنبية في تحقيق هذا التوافق؟ وما هي العراقيل التي تجعل السودانيين المتخوفين من فشل المشروع وعودة الأزمة لنقطة الصفر؟

في أوّل اتفاق من نوعه بعد إسقاط عمر البشير، توّصلت المعارضة المدنية والعسكريون إلى حلّ أكبر النقاط العالقة في مستقبل البلاد، وذلك بإعلان إقامة مجلس للسيادة سيكون ممثلاً بشكل متوازن نسبياً بين الجانبين، وسيرأسه الطرفان بشكل متناوب لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، أيْ خلال المرحلة الانتقالية.

وفي الوقت الذي استقبل فيه سودانيون كثر هذا الاتفاق بشكل إيجابي لأجل حقن الدماء وإبعاد شبح حرب أهلية وتحقيق الاستقرار والبدء في مرحلة جديدة من تاريخ السودان، لا سيما أن قيادة الجيش تشدّد على محاسبة المتورطين في تفكيك اعتصام الثالث من يونيو، فإن آخرين يرون أن هذا الاتفاق سيكون مقدمة لفرض الأمر الواقع، أي استمرار سيطرة العسكر على مقاليد الدولة وعدم تحقيق جوهر الثورة، وذلك باستحضار تاريخ الجيش في البلاد وتدخله المستمر في السياسة.

“الاتفاق دون التطلعات، ولا يستحق التهليل والتأييد الذي يعبّر عنه البعض” يقول منتصر أحمد محمود، ناشط سياسي سوداني مستقل، لكنه يستدرك القول إنه يجب كذلك التعامل مع الاتفاق بـ”منطق واقع الحال، والاستفادة ما أمكن من الحقوق التي ستمنح في المرحلة المقبلة”، متحدثا:” أنا لست متفائلاً، لكنني مراهن على الشارع السوداني في التصدي لأيّ انقلاب جديد”.

فيما يرى آخرون أن توقيع تحالف “الحرية والتغيير” للاتفاق يبقى مؤشراً إيجابيا على نجاحه، إذ يتحدث اللواء المتقاعد، بابكر إبراهيم أحمد، أن التيار المعتدل داخل الحرية والتغيير هو من وقعه وليس التيار الراديكالي الذي كان مسيطراً في البداية. ويعبّر المتحدث عن ثقته التامة في أن المجلس العسكري سيسلّم الدولة في النهاية لحكومة منتخبة، لأن هذا كان هدفه منذ البداية، وأكد على ذلك بإنهائه لجلّ الترتيبات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية، لدرجة أن اتفاق أمس الذي يحدد مدة المجلس السيادي بثلاث سنوات، كان ضد رغبة العسكر وفق تعبير المتحدث.

ويتضمن الاتفاق كذلك توافقا حول تعيين حكومة كفاءات وطنية يرأسها رئيس وزراء مستقل، وأن يصل عدد أعضاء مجلس السيادة إلى 11 عضوا، 5 لكل طرف، فيما سيتم اختيار العضو رقم 11 من الشخصيات المدنية ذات التاريخ العسكري، وفق ما أكده منتصر أحمد محمود.

مقومات للنجاح؟

يتشبث المؤيدون المدنيون للاتفاق بطبيعة الشخصيات المدنية التي ستساهم في تسيير المرحلة القادمة، إذ تحدثت مصادر إعلامية، منها قناة الجزيرة القطرية، عن التوافق على عبد الله حمدوك لمنصب رئيس الوزراء، وهي شخصية راكمت الكثير من الخبرات السياسية والاقتصادية داخل السودان وخارجه. فضلاً عن شخصيات أخرى ستكون حاضرة في المجلس السيادي، كأستاذة التاريخ فدوى عبه الرحمن طه، والدبلوماسي الأسبق إبراهيم طه أيوب، والنقابي بابكر فيصل.

كما يحتاج السودانيون إلى اتفاق سريع يسمح بتفادي السيناريوهات الاقتصادية التي شهدتها جلّ الدول “الربيع العربي”، حتى الناجحة منها، أي تونس، التي تدهورت فيها القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق. ولا يحتاج السودانيون إلى مزيد من تأزيم معيشهم اليومي، فإجمالي الناتج المحلي وصل عام 2018 إلى 40.85 مليار دولار، بعدما بلغ في العام السابق 123.05 مليار دولار حسب البنك الدولي. وقد أكدت الأمم المتحدة مؤخراً أن البلد “يعاني نقصاً في الأدوية بسبب الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت مع الوضع السياسي الحالي”.

لكن منتصر يرى أن أيّ اتفاق لا يخاطب الإشكال الحقيقي، أيِ وضع أسس للدولة الجديدة، سيكون محكوماً عليه بالفناء، معطياً الأمثلة باتفاقيات سابقة شهدتها الدولة خلال العقود السابقة لم تؤد إلى تحقيق مطالب الشعب.

في الجانب الآخر، يمكن للاتفاق أن يتغيّر حسب الظروف بدل الحكم بإخفاقه التام، وهو ما يعتقد بابكر إبراهيم أحمد، بسبب دخول قوى أخرى على الخط في المراحل القادمة، مشيراً إلى أن الحرية والتغيير لا تمثل كل الشارع السوداني، وهناك تيارات أخرى تستعد لمسيرات ضخمة رفضاً للصيغة الأولى من الاتفاق، كما أن عدداً من الحركات المسلّحة تناهضه وتصرّ على أن تكون حاضرة في المشاورات، زيادة على إمكانية تدخل الدولة العميقة (يقصد بها الأجهزة العسكرية والأمنية) إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود.

عراقيل أمام الاتفاق

عاش السودانيون لعقود تحت سيطرة تحالف بين الجيش وقوى سياسية متعددة آخرها حزب المؤتمر الوطني، ذو المرجعية الإسلامية. ويُدرك المتتبعون أنّ خروج العسكر من المعترك السياسي لن يكون هيناً، وقد يستعين بأطراف سياسية داخلية أخرى لتثبيت وجوده عبر صفقات يتقاسمون من خلالها النفوذ، أو حتى أطرافاً إقليمية تتوجس من صعود تيارات ديمقراطية في السودان، بما أن ذلك قد يهدّد مصالح هذه الأطراف.

ولا تتوقف القوى المناوئة للثورة فقط عند الحدود الإقليمية، بل يرى منتصر أحمد محمود أن قوى دولية أخرى كذلك رفضت هذه الثورة، “ومنها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي كانت منذ البداية ضد تغيير نظام البشير”، حسب زعمه، لكن عندما تأكدت أنه راحل لا محالة، تغوّلت لأجل تأكيد مصالحها عبر فرض المجلس العسكري ودعمه في سياسة “العصا والجزرة”، أي قمع المتظاهرين ثم تقديم بعض الوعود إليهم وفق قوله. ويرى منتصر أن السودان سيكون مختطفا في المرحلة المقبلة بما يحقق مصالح هذه القوى التي التزم معها المجلس بعدة صفقات.

(نقلا عن وكالة DW)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى